أَبْـنَاءُ الملوك الأشقياء
الأربعاء 21 ماي 2014 - 00:18
إذا كان لِلْهَبَّات الجماهيرية التي وُسِمَتْ وَوُصِفَتْ بالثورات الربيعية، من حسنات، ففي الأقل والأدنى: حسنة قتل الخوف، وطرد بل محو هاجس وشبح التأبيد الرئاسي أو الرئاسة المؤبدة المؤيدة بالتفويض "السماوي" والأرضي، وفكرة التوريث الأصلابي، أي انتقال الرئاسة والحكم والزعامة والصولة والصولجان، من الآباء إلى الأبناء –زينة الحياة الدنيا- من دون استشارة ولا انتخابات، ولا استفتاء، ولا كفاءة، ولا يحزنون. ما يعني –مثلا- أن حسني مبارك خطط ووضع السجاد الأحمر لولده "جمال" في أن يكون رئيسا مستقبليا لمصر المحروسة. وكذا كانت فكرة وفعلة معمر القذافي المقتول، إذ خطط وزين الطريق أَمامًا لفائدة نجله البتار: "سيف الإسلام"، في أن يتقلد السيف بعده، و"الكتاب الأخضر" جنبه، ليثخن في الأعداء والخصوم، وفي المقدمة النخب المثقفة والمسيسة، والمعارضة العامة، والشعب الصامت المغلوب على أمره. وهو عين ما فعله السوري حافظ الأسد الذي حافظ على الخط البياني البرهاني في نقاوة النطفة، وحيازة السبق والألفة، واستعداد الجينات الموروثة للرئاسة لأن "الكروموزمات" ملكية، ما جعله يطيح بأخيه، وبمعارضين أشداء له قامتهم في السياسة، والفكر، والقانون، فَيُنَصِّبُ –المصون والمحروس بعناية الرحمن من الهمج والتتار، ابنه الملهم "بشار".وهي الخطاطة التي تسري على اليمني عبد الله صالح الذي كان شرع في إعداد الأرضية، وَصَوْغ العهد لِيُمَكِّنَ لابنه البار حتى يقود اليمن السعيد لبر النجاة أو الفلاة حيث ينعم في عهدته وطرفته، بالهدوء، والأمن والتغريد. ولو كان للعزيز عبد العزيز بوتفليقة عَقِبٌ ذَكَرٌ أو أنثى، لَهَدَّ الأركان الأربعة ردحا وتصفيقا، وأمده العسكر بما يريد أو يزيد ما دام يروم الرئاسة بالكياسة لابنه يزيد !!.. لكنه متعدد، فهو الوُلْدَانُ متكثرون ومخلدون، فعمره –أمد الله له فيه- هو حاصل أبناء وولايات وحكم وسلطات، وهذا يكفي.. والحق الرئاسي يُشْفِي وإن كان يُخْفِي ما يخفي. ولو أن العمر امتد بالديكتاتور الدموي صدام حسين ، لكان ابنه " النبيه " الذي لا يوجد له في الدنيا شبيه ، المسمى " عدي " وليا للعهد والمجد والسؤدد ، لكن الخطأ القاتل باحتلاله دولة الكويت والذي زينه له عجبه بنفسه وطاووسيته ، وتماهيه بصلاح الدين الأيوبي متوهما ، الخطأ ذاك قاده إلى حفرة متربة حقيرة ومن ثم إلى الحبل شنقا حتى الموت . ولو لم يطرد التوانسة زين " الهاربين " بن علي ، غب انتفاضة عظيمة مدوية ، لكان الحكم الجبار قد اختاربسلاسة ونعومة الناعمة ليلى الطرابلسي ، امبراطورة متوجة ريثما يكبر بكرها ، فيصبح أهلا للحكم وقيادة البلاد إلى الفساد والاستبداد ومن ثم إلى الهاوية والوهاد . عجبًا لِلعُرْبان كيف لا يشعرون بالخجل، ولا تَدِبُّ في دِمَاهُمْ قطرة من حياء وندم؟، كيف يبيحون لأنفسهم ما ليس لهم، ويصادرون حق الشعب وفيه الزُّبدة والنخبة، والأطر، والكفاءات، والعبقريات بما لا يحصى، يصادرون حقه في الاختيار، وإبداء الرأي في ما جرى ويجري، في نجاح الحاكم بأمر الله في تدبير شؤونه من عدمه. خصوصا وأن الأنظمة الرئاسية أو البرلمانية في الجمهوريات كما تنص العهود والعقود والمواثيق والممارسات، لا تسمح –بتاتا- بالتوريث، وإهداء الحكم لِلْعَقِبِ، والذرية من الصلب والترائب. إذ النظام السياسي غير ملكي، فالنظام الملكي "مباح" له التوريث، والتنقيل بحكم المشروعية التاريخية، وبحكم "العرف" البشري الذي أبقى على المُلْكِ العضود إسلاميا، وإن كان الأمر يندرج ضمن اجتهاد وتقعيد الفقهاء والأصوليين بعد غياب الرسول الأكرم، وانتهاء الخلافة الراشدة. وإلا، فإن الملكيات –كما هو معلوم- تشكل رموزا ونقطا ذهبية، يلتقي عندها الإنسان مطلق إنسان بغض النظر عن اختلافه الجنسي، والعقدي واللوني واللغوي وغيرها. بمعنى أن الغرب، وبعض دول آسيا الملكية الأمبراطورية، حافظت على التقليد الذهبي إياه، مَاحِضَةً للملك التبجيل والتقدير والتَّجِلَّة، وإن كان فيها يسود تلك السيادة العالية الرفيعة، من دون أن يحكم، ويباشر السياسة، والاحتكاك باليومي، وبالملفات والأوراش الشعبية التي تتطلبها، وتستوجبها التنمية الشاملة على كل المستويات. سيادة الملك كرمز وحدة وتجميع، من متطلبات القوى الديمقراطية في بلادنا وغير بلادنا. وهو لعمري، أفق وهدف، ينبغي أن نسعى إليه ليتحقق إن آجلا أو عاجلا لما في ذلك من تقدير خاص للملك وللأسرة الملكية، إنه لتقدير يوجب القول بضرورة رسم مسافة إزاء قضايا الشعب الملحاحة اقتصادية وسياسية، يومية وعادية، متشعبة ومستعصية، إذ أنها شؤون وشجون على الحكومة أن تتصدى لها، الحكومة المنتخبة التي عاهدت الناخبين على أن تنهض بوضعيتهم لجهة التجويد والتحسين، والتكريم، والعدل. فإذا ما أخفقت، وَكَذَّبَها الواقع، والممارسة، فهي التي تحاسب، وتعاقب بحجب الأصوات عنها في الاستحقاق الموالي، وترفيع حزب أو أحزاب أخرى يعقد عليها الشعب آماله وأحلامه. من هنا، يبدو واضحا أن الحاكم والممارس والمدبر والمسير، يحوطه الحساب، وتنوشه المساءلة، من أمام ومن خلف، ومن فوق ومن تحت. ونحن نربأ بالملك أن يُسَاءَلَ ويحاسب، وهو الرمز الدال على الوحدة والسيادة والتصاهر، والتدامج، والمواطنة الأعم، من هنا، يأتي مفهوم الملكية البرلمانية التي يُرَوِّجُ لها الصف الديمقراطي الوطني قاطبة، وتَتطارحها النخب الحقوقية، والنخب السياسية. وإذا كان الأمر على ما هو عليه في النظام الملكي تاريخيا وراهنا، عندنا أو عندهم، في منظور الشريعة الإسلامية، ومنظور القوانين الوضعية، والمواقف الاجتهادية الغربية التي نجمت عن تطورات وتحولات في الوعي والفكر والثقافة الإنسانية. إذا كان الأمر كذلك، فإن الرئاسة تحيد عن واقعها و"قوالبها" وحدودها القانونية و"السلطانية"، إذا لَجَّتْ في التأبيد، وَحَرَنَتْ في المكان، والتصقت بالكرسي لا تبغي عنه بديلا، ما لم توضع في نعش، أو يُقْعِدُها مُزْمِنُ المرض، وَعُضَال الطواريء. فلصوقها بالكرسي كالقُرَّادِ الذي يعتاش على دم ضحاياه من الحيوان والحشرات، منشؤه الكنوز التي لا تفنى، والغطرسة التي لا تبلى، والفوقية التي لا تلحق، ومنشؤه الخوف من انقضاء أجل الرئاسة، إذ الخمس سنوات قليلة بمعيار اللصوصية، والجشع، والمص والاحتلاب. وترتيبا عليه، تفتقت عبقرية العُرْبان في نهاية الأزمان – ولا عبرة بالتقدم الإنسان الهائل، والانقلاب العلمي المَهُول في كل الحقول – في نقل الصولة والصولجان، والضرع البَشِم، والثدي الملآن، إلى أفواه الأبناء العظماء والأحفاد النجباء، إذ هم – يا للمساكين !- زُغْب الحواصل، ومع ذلك، أوتوا الحِكمة والعقل، وسداد الرأي، والنبوغ، ما يُخَوِّلهم الولاية والتولية، وركوب الرقاب، رقاب البلاد والعباد. لكن الريح هبت من جهة لم يحتسبوها، ولم يَتَّقُوها كفاية، ظَنًّا منهم أنهم في مأمن أمين، وحرز حريز، وركن ركين. هكذا جرت الريح بما لا تشتهي السفن، وبما لم يتوقع الربابنة –القادة، الرؤساء، الآباء، الملهمون، فتحول الهدف، وخرجت الجماهير هائجة، مائجة تصحح عطبا خطيرا، وخطأ قاتلا وهو التمليك، والتسييد، وفرض الأبناء على الوطن، وأهل الوطن. ولعل هذه النقطة أن تكون واحدة من نقط وأسباب قلب السفن على رؤوس ربابنتها وقادتها، الذين هربوا، ومرضوا، وزُجَّ بهم في السجن، وقُتِلوا، وحُوصروا، وأبعدوا، في مشهد غريب مثير للشفقة، وللتشفي في نفس الوقت، وباعث على الضحك والاستهجان من لدن الرأي العام الإقليمي والدولي، فالمسألة المضحكة / المبكية لا يقدر على اقترافها إلا بني يَعْرُبٍ، سواء أكانوا عربا عاربة أو عربا مستعربة. صحيح أن ما أخرج الناس من سُبَاتِهِم، وَحَرَّضَهم على الكلمة، والفعل والرسم الكاريكاتوري، والأغنية والنشيد، حتى غصت بهم الساحات وطفحت الميادين، وطمت الناطحات والشواهق، هو الاستبداد والفساد، وهما مصيبتان تلخصان كل شيء، تلخصان الفقر والظلم والأمية، والنسيان، والإهمال الذي عاشته الشعوب العربية، ولا تزال تعيشه. وتقدمان –مثلا صارخا- على سرقة الوطن، ونهب خيراته من لدن طغمة حاكمة، وحفنة من العوائل الأوليغاريشية، والكُومْبَرادُورَ، رَفَلَتْ في بحْبوحة العيش، والبَشَمِ والتخمة، حيث اسْتَمْرَأَتْ الحال، حال الرفاه والسَّفه، والدعة، والغنى الفاحش، والفساد الضارب، وهالها أن يذهب هذا الخير إلى "الرعية" التي ترعى الفتات فتصبح بين عشية وضحاها، منافسة للحفنة الطاغية في إتيان العجيب من الأكل والشراب، والمتاع، والملاذ وغيرها. ومن ثَمَّ عَوَّلَتْ الأوليغاريشات الحاكمة، مدعومة بالمؤسسات العسكرية في بعض البلدان العربية، على تنقيل الحكم بالوراثة، من صلب إلى صلب إلى صلب، في نعومة وسلاسة، وهدوء، ما دام الشعب ينعم بالنوم والخمول والرضا بالقليل والعيش الكفاف. إذ لهم وراثة العروش، مَثَلٌ حَيٌّ فَلِمَ لاَ يشمرون عن سواعدهم، ويباشرون التمليك بدورهم، فتصبح الجمهوريات، مزيجا من رئاسة وملك، تصبح "جُمْلُوكيات". وربما رَنَّ هذا "النحت" في أذهانهم، وآذانهم، فأصاب هوىً في أنفسهم الأمارة بالسوء، ومن ثم، بادروا إلى الصنيع البديع، أي أن يصبح أبناؤهم ملوكا متوجين، فالمداهنون كُثْرٌ، وعلماء "السوء" جاهزون، والفتاوى متوافرة، وهي قيد الصوغ والإنشاء متى ما رفع الرئيس المعظم عينه أو نكش حاجبه، أو زَوَى بين عينيه، علامة على الصوغ السريع، والسَّفاد المريع !. أشقياء أبناء الملوك الجدد هؤلاء، أشقياء بآبائهم، وأشقياء بذنوبهم، وجرائرهم، هم الذين غضوا الطرف عما يجري من حواليهم، وَصَمُّوا آذانهم عن الحراك الديمقراطي عالميا، وقفزوا على حقائق الكون، وهي الحقائق النسبية التي تقول بالصريح الواضح، إن العالم في تغير، وتبدل، والثقافة التحررية تسود الكون بوساطة الوسائل الأكثر تطورا من مِيدْيا وانْترنِيتْ، ووسائط التواصل الاجتماعي، وعلوم رقمية، وهواتف ذكية. وغيرها. أشقياء لكنهم أولياء إذ فتحوا الأعين كبيرة على واقع عربي مُرٍّ، واقع دَامٍ مُكَرَّسٍ، أُرِيدَ له من خلالهم أن يُكَرَّسَ، وَيُؤَبَّدَ إلى ما لا نهاية، غير أن إرادة الشعب كانت لهم بالمرصاد.
0 التعليقات: