اخر المواضيع

الدين بصيغة الجمع







أطلق المفكر اللبناني رضوان السيد نقاشا ساخنا في المدة الأخيرة حول التوسل بالمناهج الغربية في دراسة الإسلام، وحالة "التطرف المنهجي" التي يلجأ إليها العديد من الباحثين والمفكرين المهتمين بدراسة الإسلاميات في العالم العربي، والتمزق المذهبي الذي يقود إلى التمزق الطائفي وبالعكس. وأثار مقال نشره في صحيفة عربية تصدر من لندن غضبة كبرى في أوساط المشتغلين على القضايا الدينية، الذين انبروا إلى الرد بطريقة لا تخلو من عصبية، خصوصا وأن الدكتور السيد كان صريحا في توجيه اللوم والمعاتبة إلى أسماء بعينها لم يتردد في تسميتها، واصفا الراحل محمد أركون بـ"الأب الشرعي"لهذه الأطروحات النظرية، كما كال هجوما قويا على"العقلانيين العرب". بيد أن جوهر مقالة السيد ليس العقلانية من حيث هي، بل العقلانية المتشددة التي تنتهي بأصحابها إلى تقديس المنهج على حساب النص، طالما أنه هو شخصيا واحد من العقلانيين العرب، هذا إن لم يكن النقاش حول العقلانية غير ذي موضوع من الأصل، على اعتبار أن جميع المشتغلين في مجال الفكر الإسلامي لهم قسط من الانتماء إليها، بل إنه حتى أولئك الموصوفون بـ"النصوصيين" في الأدبيات المعاصرة لا ينكرون أن الاجتهاد هو نوع من العقلانية، لولا أن الاختلاف في مراتب الاجتهاد اختلاف في مراتب العقلانية، ولولا أنهم يرفضون الكلمة في ذاتها. أليس الاجتهاد "إعمال"العقل في ما ليس فيه نص؟ أوليس القياس مرتبة من مراتب العقلانية؟. فالمشكلة إذن ليست في قضية العقلانية من عدمها، بل في كونها أصبحت نعتا لمدرسة فكرية قائمة بذاتها، قوامها استهداف التراث الإسلامي بكامله بدعوى الحداثة والعصرنة، تتسلل إلى النص بمبرر التجديد، وتنتهي إلى أن هذا التراث ليس فيه جديد. غير أن مقالة الدكتور السيد ترمي إلى أبعد من ذلك، وتؤسس لنقاش أوسع بدأت معامله ترتسم منذ الفترة الأخيرة في حقبة ما بعد الربيع العربي. ففي غمرة التحولات السياسية الكبرى والسريعة تغافل الناس عن تلك التحولات العميقة التي تمس الثقافة الدينية برمتها، وانشغلوا بالثنائيات المرتبطة بالاستبداد والديمقراطية، أو الإصلاح والاستمرار، أو الثورة والاستقرار، ولم يلحظوا المخاضات الكبرى التي يجتازها الإسلام كدين بسبب تداخل الفاعلين السياسيين والدينيين، وحالة الانقسام وسط النخب الدينية على أكثر من مستوى. فلم تعد الساحة الدينية بتلك البساطة التي كانت عليها في الماضي، والتقلبات في المواقف والمواقع التي تسند مشروعيتها إلى الفقه باتت من التسارع بحيث يكاد المراقب يفقد البوصلة، والإسلاميون الذين وصلوا إلى الحكم في بعض البلدان العربية أصبحوا يفعلون أي شيء وينسبونه إلى الدين، رافعين عبارة جديدة مبتكرة إسمها"فقه الواقع" يمكن أن يدخل تحته أي شيء، وخصومهم من السلفيين أو غيرهم يرفضون أي شيء وينسبونه إلى الدين أيضا. ولكن هؤلاء يتهمون أولئك بالعقلانية، بينما أولئك يصفون هؤلاء بالجامدين، فمعركة العقلانية إذن ليست حكرا على أصحاب الحداثة بل جزء من معارك الإسلاميين. لقد أحدثت التحولات السياسية في العالم العربي زلزالا كبيرا في التصورات العامة حول الإسلام، وهي اليوم في طريقها نحو تغيير طرق المقاربة التقليدية التي كانت سائدة خلال العقود الماضية للعديد من القضايا. وعلى سبيل المثال فإن قضية العلاقة بين الدين والسياسة لم تعد مطروحة كما كانت من قبل من طرف الحركات الإسلامية الإخوانية التي كانت تعتقد أنها وحدها التي تملك حق هذا الربط، بل دخلت على الخط أطراف أخرى من سلفيين وعلماء وغيرهم، وباتت القضية ليست هي الدين والسياسة بل الدين والسياسات، أي الدين بصيغة الجمع. كما أن هذا الخلاف حول الدين لم يعد سياسيا فحسب داخل البلد الواحد، بل صار صراعا جيوـ سياسيا على المستوى الإقليمي، من أجل إعطاء كل مذهب هوية سياسية ثابتة، وقد قال أحد علماء الدين الشيعة العراقيين قبل أيام إن المذهب السني مذهب السلطة بينما المذهب الشيعي مذهب المعارضة، وهذا كلام في السياسة والانتخابات لا كلام في الدين. هذه التحولات وغيرها لم يأبه لها الكثيرون، بالنظر إلى الغليان السياسي الذي عاشه ويعيشه العرب خلال السنوات الثلاث الماضيات وحتى يوم الناس هذا. فقد انقسم المؤمنون في العالم العربي من الجماعات الإسلامية فريقين، فريق معها خوفا على السياسة، وفريق ضدها خوفا على الدين، ولكن الفريقين معا يشتركان في نسيج واحد هو الدين، وهذا في حد ذاته انقسام جديد يتجاوز ذلك الانقسام التقليدي الذي كان متعارفا عليه في السابق، بين الإسلاميين والعلمانيين، ولكنه انقسام لا يزال يتفاعل تحت سطح الأحداث المائجة، وكنت قد أشرت إليه في كتابي الأخير"الإسلاميون بين الدين والسلطة"، في الفصل الختامي الذي كان تحت عنوان"من زمن الإسلاميين إلى زمن الإسلام".


0 التعليقات: