اخر المواضيع

(عموم الرحمة و عالمية الإسلام) لـ"المقرئ أبو زيد"







مشهد الاستئذان: إن الكتاب لا يريك وجهه إلا بعد الاستئذان عليه، و الاستئذان استعداد نفسي و أفق انتظار، و نسق مفاهيمي و سياق واقعي، و تأخذ القراءة انتشاءها إذا كان المقرئ أبو زيد صاحب الكتاب. العنوان : النص الموازي دائرة الرحمة: لا توجد دائرة لا في الجغرافيا و لا في المتخيل أوسع من دائرة الرحمة ، تضيق الدائرة أو تكبر لكنها لا تخرج عن الدائرة الأوسع (و رحمتي وسعت كل شيء)الأعراف 156، و قد ننتقل من دائرة إلى أخرى لكننا لن نخرج عن دائرة الرحمة، إنها الدائرة الكبرى التي تشمل كل الدوائر. و لابد للدائرة من مركز مهما اتسعت، يضمن لها حركيتها، فكل الدوائر و كل حركات الرحمة مركزها واحد، تدور و تدور و لا تختلف عن مركزها. إذا كانت الدائرة أصلها مستقيم ، و كل الأشكال مستقيمات ، إذا فالدائرة هي أصل كل الأشكال، كل شيء في الكون يدور، حركة الالكترونات تتولد بالدوران، و الدوران يمنح الطاقة للمحرك، و العجلات تدور و الأيام تدور، و للزمن " دواير" في المتخيل المغربي... والدوران رمز العبادة يجسده الدوران حول الكعبة ، حين تعجز عن الكلام أمام بيت الله فأنت تدور و تدور حول بيت أثبتت الدراسات الجغرافية انه مركز الأرض، كل الكلمات لا تفي بالمقام، فأنت في ضيافة صاحب المكان و الزمان، كنت قبل الضيافة تبحث عن القبلة من جهة الشرق أو الغرب أما الآن فأنت في بيت القبلة، جاءت بك المغناطيسية فتدور بحثا عن المركز، و كل العالم حولك يدور بحثا عن الرحمة ، فالمقام أكبر من الاحتياج المادي، ستهين نفسك إذا طلبت المال أو السلطة أو الجاه، لأن العرض خاص بالرحمة العالمية، و لا تملك سوى أن تذرف دمعة لو حللتها في مختبر الروح لوجدتها إحساسا بالرحمة الإلهية ، إحساس يقول " علمه بحالي يغنيني عن السؤال"، إحساس تختزل فيه تجربة حياتك فلا يمكن لأحد أن يعيشه غيرك، شأنه شأن الموت، الذي هو رحمة بدوره، و دائرة تتقاطع مع دائرة الحياة. قراءة في الإهداء : مستطيل الرحمة . إن اختيار المستطيل بتوازياته المختلفة يسعفنا للتعبير عن تجسيد الرحمة في الواقع، في الأعلى، هناك الراحمون الذين يرحمهم الله يوم لا ظل إلا ظله و هم يأخذون من صفته تعالى و يتخلقون بأخلاقه، و في الطرف الثاني الأعلى، المتعطش لمعرفة مركزية الرحمة في الدين الرحيم، و بنزولك نحو الأسفل تتشخص درجات المرحمة، " المحرار الواقعي" فيقل ضعف منسوب الرحمة لتصل إلى الأسفل حيث حرمان نعمة الرحمة بين فاعل الحرمان و مفعوله، بين القساة الظالمين وبين ضحاياهم المستضعفين. المرحمة إنجاز لقانون الرحمة : يضع الله تعالى القوانين كي تسير الحياة وفق رحمته، و من قانون الرحمة الوسع، و هو قانون شامل لحركة الكون ( و رحمتي وسعت كل شيء)الأعراف 156،( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)البقرة 286 و الوسع هنا هو بدل أقصى الجهد وليس الحد الأدنى حيث يصبح تقاعسا و تبريرا للأخطاء،(لينفق ذو سعة من سعته )الطلاق 7 وهنا عمق للوسع فكل ما يستطيع الإنسان أن ينفق منه سواء كان جهدا عضليا أو فكريا أو ماديا. والمرحمة هي قانون الاجتهاد في الرحمة، و الاجتهاد هو بدل الجهد و الطاقة في تحقيق أمر يستلزم كلفة و مشقة، أو كما يقول الشاطبي (استفراغ الوسع و إبلاغ الجهد في طلب مقصد الشارع )، ( بدل الوسع في استنباط الأحكام الشرعية) ج 4 113. يقول ابن القيم: (إن الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد، وإن كرهتها نفسه وشقت عليها). إذا الاجتهاد في الرحمة هو منطق التواصي بالمرحمة. والتواصي: هوالتعاهد، التعاقد، الاتفاق، (أوصني و أوصيك) ، والتواصي بالحقّ و المرحمة أوسع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لحثه علىٰ فعل الرحمة، و من الرحمة اقتحام العقبة، والعقبات متعددة في الواقع، و أكبرها العقبة السياسية...و قبلها حركة واقعية مجتمعية لكنها بدون الشرط العقائدي و العمل الصالح لا تساوي شيئا ( ثم كان من الذين آمنوا و عملوا الصالحات و تواصوا بالصبر و تواصوا بالمرحمة)البلد 17، إن التواصي بالمرحمة تتويج لحركة الرحمة، و قد تكرر مرتين، تأكيدا على فعل التواصي، أي اجتهدوا في التواصي. و في سياق آخر( و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر) العصر3، فبين الآيتين قاسم الصبر نصوغه في شكل " مثلث المجاهدة ": الرحمة هي مقصدية المقاصد، و أم المقاصد : إن التأمل في القواعد الفقهية ذات الصلة بالمقاصد الشرعية يبرز تمحور مضمونها حول الرحمة: ( الضرورات تبيح المحظورات ) ( المشقة تجلب التيسير) ( الضرورة تقدر بقدرها)... وقاموس "مقاصدية الرحمة" واسع :( التيسير، رفع الحرج، الرفق، اللين، التخفيف، الوسطية، الشهود،) هدفه البناء الحضاري لمجتمع الرحمة، فقد أرسل الله محمدا (ص) هاديا و لم يرسله جابيا. فما يجري من أحداث هو رحمة بالعباد و إن بدت في ظاهرها أحيانا سلبية (وعسى أن تكرهوا شيء و هو خير لكم )البقرة 216، وقصة الخضر مع موسى عليه السلام خير دليل على ذلك. وأكبر رحمة هي رحمة العلماء، بهم يكون تجديد أمر الدين و الدعوة و الاجتهاد و قيادة الأمة و التأصيل للرحمة : يؤصلون لنظرية المصالح و سد الذرائع و الرخص و الحيل الفقهية و فقه النوازل و فقه الأولويات و فقه المآلات... و من مجالات الرحمة المطلوبة و التي يجب تفعيلها "الرحمة الوطنية " : (الأخوة في الدين و الأخوة في المواطنة )، والرحمة الاقتصادية (الأبناك الإسلامية التي ينتظرها المغاربة بشغف )، الرحمة الاجتماعية( الزكاة كحق شرعي يحقق العدالة الاجتماعية )، الرحمة الفكرية و الرحمة العقلية (رحمة الاختلاف بين المخالف مرجعية و المخالف اجتهادا)... يقول الأستاذ أبو زيد في ذلك، ( الحق واحد و الصواب متعدد، و يمكن أن يكون للحق أشكال متعددة من الصواب، و يتحدث عن نظرية تدبير التعايش مع الآخر التي تنبني على 3 عناصر أولها تصوري ( التفاهم ) ثاني أخلاقي ( التحاور ) و الثالث عملي ( التعاون)) ص 49.فلا خلاف حول هذه الأصول و المفاهيم لكن المشكل في ممارستها و تنزيلها. و قد تحدث عن فقه التعامل مع غير المسلمين من خلال تعامل عمر بن الخطاب مع مجوس بلاد فارس بعد أن احتار و استشار الصحابة، فهو أمام نموذج جديد من الاعتقادات الجماعية، و قياسا على واقعنا يقابل ذلك نماذج (المثليين، آكلي رمضان، أصحاب الحريات الفردية، التعامل مع اليهود، الردة، التنصير...) فماذا أعد علماؤنا كأجوبة لهذه الظواهر؟ إذا كانت الحرية من مقاصد الحراك الاجتماعي، و الحرية في الدين قبل العقيدة، فكيف سنحددها و نؤطرها؟ و ما هي حدود المرجعية هنا ؟ و أية سلطة تحدد السلوكات الفردية؟ و هنا نشير فقط إلى مشاركة المغني الشاذ جنسيا في مهرجان سابق، و الذي طرد من اسبانيا ليس لشدوده بل لرأيه في الديانة المسيحية، و تم استقباله في المغرب بالأحضان، و بعد تنديد أحد خطباء البيضاء بالأمر أدى بعزله من رئاسة المجلس العلمي، فأي منطق هذا الذي نضحي فيه بالغيورين على حساب الشواذ جنسيا ؟ إن الاختلاف مع الآخر لا يجعل قانون الرحمة متوازيا، فالغرب يرتكز على منطق السيطرة و التمركز حول الذات، و القابلية للخضوع، والارتهان بالديون و الصفقات و البرامج التي لا تزيد الشعوب إلا سيطرة، فهل نستوعب الدروس من التاريخ ؟ و هل نستطيع أن نقدم النموذج الحضاري الذي تنصهر فيه الشعوب و المجتمعات بمنطق الرحمة الإلهية ؟


0 التعليقات: