اخر المواضيع

من وحي ليلة الثورة على طبيعة الأشياء







من كان يتصور أن تقدم حركة إسلامية بمرجعيتها الحضارية وعمقها الديني الدرس الديمقراطي الأعظم في تاريخ المغرب الحديث؟ بل من كان يتصور أن الخيار الشوري سيكون ملزما حد الصرامة لكل الحاضرين في مؤتمر حركة التوحيد والإصلاح؟ ومن كان يتخيل قبل سنوات قليلة أن تقدم حركة مغربية الجذور الدرس للحركات الإسلامية في كيفية تدبير التناوب والمأسسة ؟ "هكذا طبيعة الأشياء" قولة ترددت في المؤتمر الوطني الخامس لحركة التوحيد والإصلاح على ألسنة عديدة، خاصة من رموز الحركة، لوصف رئاسة الدكتور أحمد الريسوني للحركة، باعتباره مسلمة طبيعية وبديهية ينبغي أن تقبل دون مراجعة نظرا لقيمة الرجل العلمية ودوره الرئيس في بناء الحركة ورمزيته العالمية. هكذا طبيعة الأشياء. أن يلتئم الجمع ويتفرق بتثبيت الثابت وترسيم المعروف دون حاجة إلى تغيير صعب الهضم في حالة مجتمعية وسياسية اعتادت على الولاء للثابت والخوف من التحول. فكانت الحالة العامة هي القبول المبدئي برئاسته وعدم وجود بديل له. فما الذي تغير إذن؟ يتصور الكثيرون أن المتغير مرتبط بكلمات الجرح والتعديل التي وجهت النقاش والفهوم في ليلة طويلة، أو باعتذارات المعتذرين وتدخلات المعقبين، والواقع أن التغيير أعمق من لحظات قلبت موازين الفهم وحررت العقول من سلطة التقديس وربطت العقل الإسلامي بالفكرة بدل الشخص، بل هي جزء من بناء طويل لشخصية العضو تؤسس لمنطق غير مشخصن. فتغيرت الفكرة من طبيعة الأشياء إلى طبيعة المشروع ومن أحاديته إلى تعدديته. حينما استفتى رئيس المؤتمر الحاضرين في إمكانية إعطاء العلامة الدكتور أحمد الريسوني دقيقتان للحديث والتي كان من الواضح أنها ستكون كلمات للاعتذار عن منصب الرئاسة أحسست بأن الحركة قد خطت بتراكماتها التنظيمية والاستشرافية مسارا منفردا وخرجت من جلباب المشيخة واستنت طريق الحوار والإقناع والديمقراطية. وفي نفس اللحظة تملكتني الدهشة وأنا أشاهد نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وشيخ المقاصد بدون منازع يرجو دقيقة للحديث، تملكتني المفاجأة، كما تملكت الضيوف الأجانب الذين لم يفهموا ما الذي يحدث، وأنا أراجع سيناريوهات التعامل مع الشيوخ الذين ألبسوا كل فضيلة وغدوا بفضل حاشيتهم المتملقة أو الصادقة يعرفون في كل شيء ويفقهون في كل صغيرة وكبيرة، في السياسة والدين والعمارة والفن واللغة بل وحتى في صناعة السيارة، ولا يخاطبون إلا بألفاظ اقرب إلى التقديس منه إلى الطبيعة البشرية حتى جعلوا أصناما يرجع إليها في كل حين وآن. ويكفي أن نستعرض حالة الحركات الإسلامية ورموز الفعل الديني من مشرق العالم الإسلامي إلى مغربها لنفهم مناط الاختلاف. فالواقف للرجاء لم يكن شخصا عاديا ولكنه الحربة الأمامية في الوحدة بل لن نجانب الصواب إن قلنا إنه مهندسها الحقيقي علميا وفكريا بل وحتى تنظيميا. فكان وقوفه يعني عودته لصف الطبيعة بعيدا عن كل المناصب والميزات التي تسم ووسمت العديد من الحاضرين وزراء وعلماء ومفكرين. فقبل ولوج قاعة المؤتمر كان لدي إحساس دفين بأننا سنكرر ذواتنا: رئيس معين باسم المعرفة الدقيقة بعمق الأمور، ومكتب مكرر يعيد المسار بحذافيره، وبرنامج أسه الشعارات البراقة والرنانة التي تملأ الدنيا ولا تقعدها... لكنني وجدت نفسي في خضم نقاشات فكرية وتنظيمية وسياسية بدون خطوط حمراء، ووجدت بحثا حقيقيا عن الفهم لكل ماجريات الأمور، لكن وجدت تنظيما قويا ألزم أعضاءه بالحضور ولو كانوا في أعلى المسؤوليات، ووجدتني أسائل المشروع الإسلامي برمته بعد مراحل الانغلاقية المقيتة وصولا إلى تدبير الشأن العام. الذين صوتوا للشيخ الريسوني كانوا يضمرون نموذجا نمطيا لرئاسة الحركة الإسلامية يحضر فيها القرضاوي والترابي والغنوشي، نموذج يحتضن الحركة ويوجهها بل يكون هو الآمر الناهي في تموجاتها، وتبدأ منه الكلمة لتعود إليه، وبعضهم كان يؤمن بثورية الشيخ وتحرره ودوره في الربيع العربي الذي جعله مرفوضا من قبل دوائر التحكم، والكل كان يحلم باستنساخ أنماط تحكمت في الذهنية المغربية من مسار طويل من القراءة والبحث عن خلل التأسيس... لكن الغلبة في الأخير كانت لفكرة المؤسسة. والذين صوتوا ضد رئاسة الشيخ لم يرهنوا رمزيته أو علمه للمنافسة ولم يختلفوا في قيمة الرجل علميا وحركيا وعالميا بل كانوا يناقشون المسار الذي خطته الحركة في علاقاتها السياسية والاجتماعية وتدبير الشأن العام واستشرافات الأحداث القادمة. إن الفكرة التي بناها مؤتمر الحركة في محطته الخامسة قد نقلتنا من سلطة النموذج إلى سلطة المؤسسة حيث التحول هو الأصل والثبات عكس طبيعة الأشياء. لم تتح لي المعرفة اللصيقة بالمهندس عبد الرحيم الشيخي الذي جمعتني معه محطات قليلة، لكنها تبين عن شخصية مهمومة بتدبير المسارات الكبرى في جزئياتها التقنية. لذا كان أقرب إلى فهم الشباب في غليانه وعنفوانه وأحلامه، ومن ثمة استطاع كسب قلوبهم قبل العقول، لكن الأجمل أنه كان جزءا من التحول الذي رسمه التنظيم وانفرد به في إنتاج طبيعة جديدة للأشياء مؤداها الابتعاد عن شخصنة المؤسسة وذكوريتها بل ومركزيتها. فكان بحق عنوان المرحلة.


0 التعليقات: