ثورة تصحيحية أم ثورة مضادة..؟
الجمعة 15 غشت 2014 - 14:06
بعد سنة عما جرى في مصر هل لا يزال السؤال يبحث عن جواب أهي ثورة تصحيحية أو ثورة مضادة..؟ منذ سنة وبضعة أسابيع حدث ما حدث في مصر وكان ذلك مدعاة للتساؤل والترقب لمعرفة ما ستؤول إليه الأمور فيما بعد الدستور في بعد ذلك، وقد كنت في ذلك الحين أرى عكس ما كان يراه البعض حيث ظهر من خلال تتبع التطورات التي حدثت في مصر وفي غيرها بالأخص ما أفرزته الانتخابات المصرية حيث تمكن التيار الإسلامي باختلاف فصائله والمنتسبين إليه سواء من كان أصيلا في هذا التيار أو من انظم إليه باعتباره في نظره ورقة انتخابية رابحة،في خضم الحراك الشعبي الذي يختزن عددا هائلا من الناخبي الملتزمين أو المتعاطفين مع التيار الإسلامي. وكان واضحا من خلال ما يكتب وينشر ويقال حينذاك، وما كتب وأذيع ونشر قبل ذلك حول الاتجاه لدى الدول الأوربية الاستعمارية وغيرها ولدى الامبراطوية الأمريكية أن التيار الإسلامي ينبغي اشراكه في العملة السياسية بمقدار رغبة في تدجينه وترويضه ولكنه ينبغي أن لا ينفرد وحده بالحكم، وكان هذا الأمر محسوما، وتجربة (حماس) في فلسطين خير دليل على ذلك، ولا داعي للحديث عن غير فلسطين لأن الأمر لا يحتاج إلى كبر عناء لإدراكه، لأن توجد في شأنه مآت الأبحاث والدراسات والتقارير. وعلى أي حال فإن ما جرى في مصر ويجري في غيرها وما تلا ذلك من مواقف وقيل وكتب بؤكد ما كان مؤكدا من قبل، وقد نشرت حديث الجمعة يوم 4 يوليوز 2013 بعنوان هل ما يجري في مصر تصحيح ثورة أو ثورة مضادة، وقد تأكد بعد سنة أمران. 1ـ إن ما حدث هو ثورة مضادة بكل أبعادها السياسية والاجتماعية والفكرية 2ـ إن الشعب المصري يعاني شرخا في بنيته الفكربة والسياسية وحتى الدينية لم يعرفها خلال تاريخه الحديث وفيما يلي إعادة نشر هذا المقال للذكرى. عند إعداد هذا الحديث كانت ميادين مصر تغلي بالمتظاهرين المصريين والشعارات تدوي في تلك الميادين بين من ينادي بالرحيل، ومن ينادي بالبقاء لرئيس جاء بعد مخاض عسير بين العناصر والفئات والتوجهات التي جمعها ميدان التحرير في يناير-فبراير 2011 وبعد سقوط الرئيس (حسني مبارك)، هذا المخاض الذي عرف صراعا قويا ومريرا مع الجيش الذي أسلمه الرئيس المخلوع رقم 1 ..... أمور البلاد، وعرفت مصر بعد ذلك استشارات شعبية استفتائية وانتخابية أعطت الصدارة في جميع المراحل للتيارات الإسلامية التي هي متعددة بطبيعتها ومتنافرة في مواقفها وتعدد ولاءاتها هذه الولاءات التي ظهرت اليوم وبشكل واضح والذي تعبر عنه وسائل الإعلام المنتمية إلى هذه الدولة أو تلك في دول الخليج العربي، هذه الدول التي أصبحت بما تملكه من نفوذ مالي وإعلامي تقرر مصير الدول العربية بتنسيق وتوجيه من الراعي الأكبر للعبة الأمم في العالم العربي والعالم الإسلامي كذلك وإذا كان الرئيس المعزول رقم (2) (محمد مرسي) على خلاف سلفه قد جاء عن طريق انتخابات نزيهة وزكاها كل هؤلاء الذين خرجوا ضده فإن الأمر يختلف عما حدث في ميدان التحرير في عام 2011، ولذلك فإن المقارنة تدخل فيما يسمى بالقياس مع وجود الفارق. لقد بدأ البعض هنا وهناك يفصح عن متمنيات وعن مواقف ولا أقول عن الأهداف، وان كان ما يلفت الانتباه إليه هو الحكم بانتهاء ما يسمى بـ "الإسلام السياسي" ويقصدون بذلك الحركات الإسلامية التي تتبنى شعار: «الإسلام هو الحل» أو رفض فصل الدين عن الدولة، وليست هذه هي المرة الأولى التي تبشر فيها هذه المنابر بذلك ولكنها في كل مرة تفاجأ بأن هذا الذي تريده من تصفية الحساب مع المشروع الإسلامي لم تتم لأن (الإسلام السياسي) بهذا المعنى غير موجود لدى الجهات المعنية بل هي باستمرار ترفض هذا الوصف كما ترفض الأصولية وغيرها من الأسماء التي جاءت من طرف الخصوم، كما كانت فرقة المعتزلة ترفض هذا الاسم وتعتبر نفسها أنها: "جماعة العدل والتوحيد". وقد كان الحسن الثاني رحمه الله على حق عندما أجاب أحد الصحفيين إذا كان الأمر يتعلق بالتمسك بالكتاب والسنة فكلنا أصوليون. وكأني بهذه الحركات عندما تختار هذه الأسماء المتميزة الحرية والعدالة والبناء وغيرها من الأسماء (كالنور) و (الأمة) تتجاوز هذه القوالب التي يضعها فيها خصومها. وعلى أي حال فإن ما جرى ويجري في مصر ستكون له انعكاسات سلبية على مجموع ما جرى ويجري في بقية العالم العربي و"الإخوان المسلمون" ليست هذه أول محنة يواجهونها وتواجههم، وليست هذه أول معركة بينهم وبين الجيش إذ هي قصة طويلة كتبت فيها كتب ودراسات وهذا فصل جديد من فصول هذه المعركة المستمرة والتي لها جذورها في لعبة الأمم ومن يحرك هذه اللعبة ، وفي هذا السياق نتساءل هل ما يجري تصحيح مسار الثورة أو ثورة مضادة..؟ وفي نفس الوقت نرجو الله ألا تكون لها ذيول تقوض أمن مصر كما كانت ذيول لانقلاب الجيش الجزائري على نجاح جبهة الإنقاذ في بداية التسعينات من القرن الماضي. دواعي ملاحظة الأزمة قبل بداية انتفاضات أو (ثورات) ما سمي بعد ذلك (بالربيع العربي) شرعت في كتابة سلسلة أحاديث في موضوع أزمة القيادة في المجتمعات الإسلامية وانطلقت من ثلاثة مقالات كتبتها ونشرتها في جريدة العلم "الغراء" عام 1970 وذلك أنني راودتني فكرة استئناف الكلام في هذا الموضوع نتيجة لما رأيته وتتبعته من تزوير الانتخابات والتلاعب بإرادة الشعب هنا وهناك إذ جرت انتخابات في مصر 2005 و 2010 وتم تزويرها وجرت عندنا في المغرب انتخابات 2009 وتم التراجع فيها عن الجو الذي جرت فيه انتخابات 2002 و 2003 و 2007 وظهر في الأفق تأسيس أحزاب على أساس الدعم الإداري لها، وهو ما جرى في تونس منذ حركة التغيير 1987 دون الحديث عن الدول ذات الحزب الوحيد والأنظمة الشمولية سواء على مستوى العالم العربي أو العالم الإسلامي ككل. وهبت الرياح وعندما نشرت المقال الأول أشرت إلى الظروف التي كتبته فيها عام 1970 وواصلت المقالات الأسبوعية في الموضوع هبت رياح التغيير في كثير من الأقطار وقبلها ظهرت وثائق تفضح ما جرى وما يجري في هذا العالم الإسلامي بين رؤسائه وأحزابه ومنظماته وأجهزة دولة كبرى، والتقارير التي تكتبها هذه الأجهزة أو السفارات لوصف ما يجري هنا وهناك.. خارج السرب ولم يأخذني الإعجاب بما جرى ويجري كما أخذ الكثيرين بل كنت خارج السرب فانتقدت ما يجري ورفضت إطلاق اسم "الربيع" عنه لأنه أتى في مرحلة "الصقيع" (دجنبر- يناير- فبراير) وذلك لأنني لاحظت منذ البداية أن هناك جهات تسعى لتوظيف ما جرى وما يجري لمصالحها، ونبهت الشباب إلى مخاطر سرقة حلمهم بالربيع حقيقة ولأنني استهديت بالتاريخ و التوجس من تدخل الدول الكبرى في الموضوع هذا التدخل الذي أسفر عن وجهه وحقيقته فيما كان يجري آنذاك في ليبيا وبعد ذلك في سوريا، وقد اتضح فيما بعد أن وراء الأكمة ما وراءها وان الربيع يخفي وراءه الهاوية كما يقول المثال المغربي (شاف الربيع وما شاف الحافة) فقد كانت الهاية وراء هذا الوصف الجميل. ربيع الشوك وعلى أي حال فإن الدول الأولى التي مسها هذا المس من الربيع سلخت من عمرها سنتين وأكثر دون أن يظهر لذلك الربيع ما ينبغي أن يظهر من الأزهار والرياحين، ولكن الذي ظهر للناس ورأوه بالعين المجردة وعاشوه في عملهم وأقواتهم واقتصادياتهم هو المآسي والاندحار الكبير مما سبب إحباطا كبيرا و كبيرا جدا. الإحباط هذا الإحباط الذي أدى إلى ما نشاهده في كل مكان من العالم العربي والذي نال منه مصر الحظ الأوفى والكبير، وشهدت خلال هذه السنة من تولي الرئيس (مرسي) إلى اليوم (1/7/2012 – 1/7/2013) أربعة وعشرين مليونية بالإضافة إلى مآت الاعتصامات والاحتجاجات، وكل هذا يصب في إظهار عدم الرضى عن الحالة وعما يجري وهو إذا أخذ بعين النظر إليه كأمر طبيعي باعتباره تعبيرا عن الرأي والرأي الآخر فهو شيء لا تأثير له على واقع البلاد ومستقبلها، ولكن إذا صنف في إطار ما آل إليه الأمر فهو يعبر عن وجهة نظر أخرى. وهذا يتضح من خلال تحليل العناصر التي تتحرك اليوم ضده في الشارع، وكيف تم التحضير لما يجري، ومن لدن من؟ العناصر المحركة وقد أوردت وسائل الإعلام كلاما كثيرا وتحليلا لما يجري ومن يحركه ورأت أن هناك عناصر يسارية قومية وغير قومية يمينية وليبرالية وأنصار النظام القديم بالإضافة إلى الدولة (العميقة) التي لم تستوعب ما يجري والتي ارتبطت بما يسمى عندهم في مصر "بلطجية" والتي كانت دائما تتدخل في الانتخابات بالقوة في المراحل السابقة، والبلطجة ليست وليدة اليوم في مصر فقد كان هذا الأسلوب معمولا به حتى في مرحلة ما قبل ثورة 1952، وهذا الواقع الذي وجد (محمد مرسي) نفسه أسيرا له كان غيره سيصطدم به في حالة نجاحه لأن الأمر هو أسلوب متبع عقب كل ثورة مهما كانت ومهما كان من يتولى المسؤولية فيها. هل هناك خطأ؟ وهنا يطرح سؤال من أجل التحليل لأن الذي حصل حصل، والسؤال هو هل كان من الضروري أن يتقدم الإسلاميون لتحمل مسؤولية الدولة في المرحلة الانتقالية بعد الثورة والفوضى التي تضرب أطنابها في مصر؟. وهل تحمل المسؤولية يتلقى مع أدبيات الحركة الإسلامية بالأساس؟ لقد كانت الحركة الإسلامية باستمرار تدعو إلى النأي بالحركة ورموزها عن الحكم ومسؤولياته وكانت ترى أن بقاءها في المعارضة يؤهلها لتوجيه الرأي العام أكثر مما يتيح لها ذلك انغمارها في المسؤولية ولاسيما في وسط جو معاد لتوجهات الحركة الإسلامية بالأساس. الإخوان والمؤسسات الدينية الرسمية إن تاريخ حركة الإخوان المسلمين في مصر وفي غير مصر وصراعها المستمر مع السلطة طيلة وجودها أي حوالي ثمانين عاما مؤشر على أن أمر تدبير الشأن العام بالنسبة لهذه الحركة أمر صعب ويصطدم بعقبات الصراع والدماء التي سالت من أعضائها ومن خصومها على السواء. لقد كان على الإخوان المسلمين وتاريخهم مع الجيش ومع الواقع السياسي في مصر هو ما يعرفونه ويدركونه جيدا حتى مع المؤسسة الدينية الرسمية (الأزهر) فينبغي استحضار أن شيخ الأزهر كان رئيس لجنة الشؤون الدينية في الحزب الوطني وبالمعنى الرائج في مصر فهو من الفلول. الإسلاميون الجدد حاول أحد الباحثين الأمريكيين أن يقوم برصد التغيير الذي حصل في نظره في الحركة الإسلامية في مصر على الخصوص وذلك من خلال تتبع كتابات بعض المفكرين المسلمين الذين ليست لهم انتماءات حركية أو يحاولون رغم انتماءاتهم إيجاد وسيلة للاندماج في العمل السياسي بأساليب وطرق مختلفة وهذا ما جعل التيار الإسلامي في الثمانينات والتسعينات يظهر في شكل أسماء وهيآت جديدة ويندفع للمساهمة بصفة خاصة في النقابات المهنية والانتخابات بشكل أو بآخر وهو ما أثار رد فعل التوجهات المضادة وفي هذا السياق يقول هذا الباحث (أ.د.ريموند ويليام بيكر) في كتابه (إسلام بلا خوف، مصر والإسلاميون) الجدد ترجمة (منار التوربجي) ص:227 ما يلي: في الميدان النقابي وقد رحب الإسلاميون الجدد بذلك العمل من خلال النقابات المهنية باعتباره بمثابة دراسات «عليا» في العمل المدني لجيل كامل من الإسلاميين الذين استطاعوا أن يوجهوا حصاد نشاطهم في العمل الطلابي إلى تلك القنوات الديمقراطية الجديدة للعمل المدني. ولكن الإسلاميين الجدد ظلوا يسجلون بانتظام تحذيرهم من أن المجال النقابي –مثله مثل غيره من ساحات المجتمع المدني في مصر- لا يزال ضعيفا وعرضة للتلاعب الحكومي. ومن ثم قاوموا المبالغة في حجم الدور الذي يمكن أن تلعبه النقابات. ورغم تأييدهم القوي للنشاط الإسلامي في النقابات، فإنه حين وقع الانقضاض الحكومي الذي انتهى إلى تصفية الوجود الإسلامي في النقابات لم يفاجأ الإسلاميون الجدد، ولا استفزهم ذلك إلى حد جعل تلك قضية تستحق المواجهة مع النظام. رد فعل النظام والنظام في النهاية كان رد فعله بالغ السلبية، لا فقط تجاه تلك الأنشطة النقابية ولكن تجاه كل التطورات التي كانت تشير الى أن الجسد الإسلامي قد يحقق نجاحات في بيئة ديمقراطية، ففي بداية التسعينات شنت الحكومة حملة منظمة على المجتمع المدني، وركزت بشكل خاص على تقليص دور النقابات المهنية التي حقق فيها الإسلاميون مكاسب مهمة. كان عقد الأمل قد انتهى، وصار العمل المدني في مصر محاصرا ويواجه عقبات في كل خطوة. والمفارقة هي أن الأمل الذي ساد في السنوات الأولى من عمر النظام الجديد بشأن التحول نحو الديمقراطية واحترام سيادة القانون انتهى التى استخدام القانون كوسيلة للقمع، فقد اعتمدت الحكومة على أغلبيتها المطيعة في البرلمان لا فقط من أجل تجديد قانون الطوارئ مرات لا نهائية، ولكن –أيضا- لتمرير سلسلة من القوانين التي خلقت إطارا مفصلا «يقنن» لتنفيذ القمع. النظام واليسار ويسجل المؤلف كيف أن النظام القمعي في مصر حينذاك تحالف مع اليسار وشجعه للتغلب على موقف الإسلاميين ودورهم في وسط المجتمع المدني. (وفي الوقت ذاته، حشد النظام –بل وشجع- قطاعا من النخبة الفكرية خاصة من اليسار من بين أولئك الذين كانت لديهم مخاوف مبالغ فيها من المتطرفين الإسلاميين، وذلك لتأييد تلك القوانين المناهضة للديمقراطية السياسية والمجتمع المدني القوي، وقد فعلوا ذلك باسم حماية الديمقراطية المصرية الوليدة من الإسلاميين. وقد قام النظام ومؤيدون بانتظام بالمبالغة في أفعال المتشددين الإسلاميين وتأثيرها، وفي الوقت ذاته قللوا من شأن إسهامات المعتدلين الإيجابية النظرية والعملية. بل أكثر من ذلك سعت الحكومة إلى شل النقابات المهنية من خلال إجراءات قانونية، قوضت بفاعلية من دور مجالسها المنتخبة). دور اليسار والعلمانيين إن المؤلف يسجل في الفقرة التالية دور العلمانيين في استعداء النظام ضد الإسلاميين المعتدلين أو الجدد وأنهم سيندفعون نحو العنف وأنهم يكتسبون في مجال الرأي العام بفعل ما يقومون به وما يقدمونه من خدمات للمواطنين. وقد مهد العلمانيون الطريق للحكومة عبر استحضار صور عدائية لوصف النوايا المزعومة للإسلاميين في النقابات. وقد ربط الليبراليون بين الدور المهم الذي لعبه الإسلاميون في النقابات وبين عملهم في مجالات أخرى كالرعاية الصحية، والخدمات الاجتماعية، والاقتصاد، بما يعطي لمشروع الإسلاميين في النقابات لونا مخربا وغامضا. الالتقاء مع الجيش في الجزائر وقد هاجمت عناصر أخرى في اليسار تلك التجربة بشكل أكثر عنفا، فقد تم استحضار صورة الجزائر والعنف الدائر فيها بشكل منتظم دون أدنى اهتمام بأن الجيش الجزائري هو الذي اعترض العملية الديمقراطية ولا حتى بالسياق الاجتماعي والتاريخي المغاير في مصر. الاستعداء للإفشال في الفقرة التالية يكشف الباحث عن دور اليسار كذلك في استعداء الحكم لإفشال عمل الإسلاميين. وغالبا ما رأى اليسار أن العمل الثقافي والاجتماعي والإنساني للإسلاميين في مصر هو مجرد غطاء للعمل السياسي السري المنظم، ومجرد واجهة تخفي علاقاتهم بالراديكاليين الذين يستخدمون العنف، والذين يؤمن أولئك اليساريون بأنهم سيكونون القوات النظامية لأي انقلاب فاشي إسلامي. وزعم اليسار أن السلوك الديمقراطي للإسلاميين في النقابات ليس كافيا ولا مطمئنا، ذلك لأن الديمقراطية عند الإسلاميين هي ببساطة وسيلة بديلة لتحقيق هدف السيطرة على الحكم. ويستخدم العلمانيون المتطرفون في مصر المنطق ذاته الذي استخدمه الجيش الجزائري لإجهاض الانتخابات الديمقراطية للإسلاميين، إذ يقولون إنه حتى إذا ما وصل الإسلاميون للسلطة عبر الديمقراطية فإن الانتخابات الحرة الأولى سوف تكون الأخيرة. قانونا القمع ويرى المؤلف أن هذا الاستعداء والاستنجاد بالنظام القمعي ضد الإسلاميين أفضى إلى صدور قوانين ن طرف النظام للحد من النشاط الإسلامي فيقول: وقد صدر قانونان، الأول في 1994 والثاني 1995 حولا تلك التوجهات إلى واقع قمعي جديد عبر إعادة صياغة القواعد التي يتم على أساسها انتخاب مجالس تنلك النقابات. وكان الهدف الواضح لتلك القوانين غير الديمقراطية هو شل حركة الإسلاميين، وقد حدث بالفعل ما انتوته الحكومة من وراء تلك القوانين وهو أن أيا من النقابات التي حقق فيها الإسلاميون مكاسب لم تفلح في إجراء انتخابات وفق الشروط التعسفية الجديدة. وقد تم حل مجالس النقابات التي كان يهيمن عليها الإسلاميون، ووضعت النقابات تحت الحراسة القانونية، الأمر الذي أفقدها استقلالها القانوني ومكانتها المستقلة نوعا ما ضمن مؤسسات المجتمع المدني. ووصل القمع "بالقانون" إلى أعلى مستوياته في 1995 حين تعرضت رموز إسلامية قيادية في النقابات –مثل عصام العريان القيادي بنقابة الأطباء- للاعتقال والمحاكمة أمام محاكم عسكرية قضت بسجنهم مدادا طويلا بشكل ظالم. عوامل الثورة المضادة لقد تساءلنا أعلاه عن طبيعة ما يجري في مصر بين ثورة تصحيحية وبين ثورة مضادة، ونرى هنا العودة إلى ما كتبه الخبير الإستخباراتي في "لعبة الأمم" حول ثورة مضادة وعناصر القيام بها حيث كتب واصفا ما تقوم به العناصر التي تكون الثورة قد مست مصالحهم السياسية أو المادية أو المعنوية يقول: " وفي أثناء هذه المرحلة، تبرز الأخطاء المضادة للثورة في أقوى مظاهرها، وتنتج من أحد المصادر الثلاثة التالية: 1 – من أولئك الذين كانت لهم مصالح ضخمة في نظام الحكم السابق، أو من مؤيديه، أو ممن تطغى عليهم عاطفة جامحة في تأييده. 2 – من أولئك السياسيين الانتهازيين الذين يحاولون الاستفادة باستمرار من الاتجاه الطبيعي نحو الاضطراب وعدم الاستقرار الكامن في الوضع الثوري. 3 – من أولئك الساسة الهدامين الذين يحاولون سرقة الثورة وتسخيرها لأهدافهم ومآربهم، كالشيوعيين مثلا. ومن هذه المصادر الثلاثة –مجتمعة أو منفصلة- تبرز الأخطار الثلاثة التالية: 1 – انقلاب عسكري يقع نتيجة ارتباطات بين عناصر في الجيش وقوى الأمن الداخلي، وبين بعض الزمر والجماعات الموجودة داخل حكومة الثورة نفسها. 2 – انقلاب عسكري مضاد يحدث نتيجة ارتباطات بين بعض العناصر من الجيش وقوى الأمن الداخلي، وبين القوى السياسية في الخارج وخاصة تلك التي تملك القدرة على إثارة هياج ومظاهرا شعبية. 3 – تسلل عناصر مناوئة لأهداف حكومة الثورة، ونجاحها في الوصول إلى إحدى النتائج التالية: أ – تحريف خبيث لبرنامج حكومة الثورة. ب – إتلاف كامل لبرنامج حكومة الثورة ج – إضعاف قدرة الحكم على الاحتفاظ بسلطته وبالتالي التحضير للإطاحة به نهائيا. صدق التحليل إن المتتبع لما جرى في مصر بعد يناير فبراير 2011 يرصد أنه إذا لم يتم هذا بحذافيره وبالشكل الذي يقرره الخبير ألاستخباراتي فإنه أكثره قد حدثت وكان يتطلب الأمر التالي بالنسبة للمؤلف: وبالضرورة، فليس هناك من وسيلة لمجابهة مثل هذه الأخطار، سوى استخدام سلطات الحكومة –علنا ودون تحفظ أو تقصير- لقمعها أو الحيلولة دون وقوعها واستفحال شرورها. ولقد نوهنا سابقا، أن اللجوء إلى إجراءات القمع والإرهاب أمر لابد منه في المرحلة الأولى للثورة، على أن تحل سياسة الإصلاح والبناء محلها فيما بعد كأساس لاستمرار سلطة النظام القائم. وهذا هو التعاقب الصحيح لمراحل تقدم الثورة وتطورها. ومن العجب أن يتبع عدد غير قليل من الثورات عكس هذا الاتجاه. فمن الخطأ أن تعتمد الثورة، في مرحلتها الأولى بإفراط على سياسة الإصلاح والبناء، ومن ثم تلجأ إلى إجراءات القمع والإرهاب كعامل حاسم لسحق أعدائها. ان هذا السلوك، بعينه هو ذاك المرض الخبيث الذي تعاني منه الثورات، وهو الكفيل بالقضاء عليها قضاء مبرما. المساومات تشل وبالفعل هذا ما تم بالنسبة للحكم في مصر في السنة الأخيرة وهو ما شل نهائيا القدرة على الحركة لدى الرئيس وحكومته وبالأخص لأنهم لا يملكون الدولة العميقة كما قال مرسي في استجوابه المشار إليه. والتحليل الموضوعي لما سبق ذكره هو كما يلي: يضطر قادة الثورة إلى انتهاج سياسة الانجراف والمساومات شيئا فشيئا، لأن الثورة لا تتمكن من أحكام قبضتها على أجهزة الدولة في بداية عهدها، ولأنها لا تملك منح ثقتها لأجهزة القمع والإرهاب لشكها في كفاءة تلك الأجهزة ونفوذها. وستحاول قيادة الثورة أن تحافظ على السلطة عن طريق كسب الشهرة الشعبية، وإثارة أزمة نفسية لا تنتهي حيال طريقة توجيه شؤون الدولة ومصالحها. وهكذا تكون الثورة قد وضعت أهدافها جانبا، أو تركتها تحت رحمة الظروف والمناسبات نتيجة جهودها الخاطئة في المحافظة على السلطة وفي ضمان بقائها. ولكن سرعان ما تفقد سياسة الانجراف والمساومات فرصها كلما اتضح إفلاس الثورة، وبان للعيان فشلها. (لعبة الأمم ص:23 وما بعدها) - أستاذ الفكر الإسلامي
0 التعليقات: