اخر المواضيع

توقف حافلة السياسة... ونزول راكبيها







حافلة السياسة في المغرب توقفت عند المحطة الإجبارية الدستورية 17 يونيو 2011، كل ركابها نزلوا وتفرقوا في الوطن. ولم يكفهم نزولهم بل نزعوا عجلات الحافلة حتى لا تسير شبرا واحدا باتجاه محطة الوصول. وحين سمعوا منبهات الحافلة التي تحذر المواطنين أن استقلال حافلة السياسة يشكل على حياتهم خطرا قريب الوقوع، أدرك معظم المغاربة بأن التزامهم وجلوسهم في البيت هو حل من لا حل له حتى يتبين له يقين الصدق من الكذب. فالحياة السياسية المغربية لكل متابع ومتتبع لها وبمجهود بسيط يدري أنه تم تفريغ محتواها ومضمونها وتدجين الكثير من رجالاتها وكل قواها الفاعلة في الواقع لصالح أحزاب إدارية ورقية صورية مهتمة بالمظهر أكثر من الجوهر كنبات العوسج لا يسمن ولا يغني من جوع. وليس بحوزتهم خطط ولا يملكون من البرامج استعجالية والمستعجلة لعلاج غضب ومشاكل المواطنين على رزنامة الزيادات الحالية وغيرها مما خفي علينا...سوى الحل الأمني بنهج القبضة الحديدية القمعية التي أثبتت عدم نجاحها منذ عهود ليست ببعيدة. والتي كان من نتائجها أن صرح وبناء الاقتصاد بدأ بالتهاوي والانحدار السريع وأصبح قاب قوسين أو أدنى من الانهيار كعمارة " لكم في عمارة بركون مثل حي " متصدعة دعاماتها متشققة جدرانها من جميع النواحي والجهات ولن تفيد الأعمال الترقيعية والأشغال الترميمية التي أسموها عدة مسميات على سبيل الذكر لا الحصر: الرأسمال الغير المادي، التليتون الوطني ...إلخ. فلم أقرأ أو أسمع عن اقتصاد أية دولة صغيرة أو كبيرة، متقدمة أو متخلفة يبنى على قروض البنك الدولي أو على تبرعات وصدقات الخليج العربي. الوضع ينذر بالخطر اقتصاديا وأمنيا وسياسيا، والوطن محاط بظلمات من الأمية والجهل والفقر والفساد والاستبداد، ظلمات كطبقات عمارة بعضها فوق بعض. عدم الاستقرار السياسي في وطن ما يؤدي حتما إلى عدم استقرار اقتصادي وأمني، كما تقول كل كتب التاريخ وعلى مر العصور. لأن الاستقرار السياسي هو القاعدة الرئيسية للمثلث المسمى بالمقدس عند علماء الاجتماع والاقتصاديين ثم يليه الضلعان اللذان يمثلان الأمن والاقتصاد. بالرغم من المحاولات الحثيثة والكثيرة في تحقيق استقرار أمني ثم اقتصادي إلا أنها باءت بعدم الفلاح السريع وعدم النجاح الذريع، بسبب عدم معالجة وإيجاد الحلول للمشاكل التي تتخبط فيها السياسة وسياسيوها المتسربة في طين هذا الوطن تسرب السلع الصينية في موانئ ومطارات البلاد. لقد غرفوا وكسحوا طيلة عقود عجاف تراب هذا الوطن بكاسحاتهم المجهزة أمنيا للقمع من كل بذرة سياسة ودفنها حية في مهدها حتى لا تنبت للسياسة جذور وسيقان وأوراق ولا تكبر لها شجرة ذات ظل يستظل المواطنون به. المغرب سياسيا كما تلاحظون مثل التينة المجنونة كأنها دعامة في حجر، أما السياسة وبعض سياسييها فصاروا وأحزابهم كما نقرأ ونشاهد متهمون في قضايا فساد مالي وأخلاقي، أما انتقاد السلطة فبعض أصحاب العقلية الأمنية يعتبرونه رجس من عمل الشيطان على الجميع أن يجتنبوه لعلهم يفلحون وإلا سيقمعون ويبعدون ويوقفون عن عملهم إن لم أقل سيسجنون. المثلث المسمى بالمقدس الاقتصاد والسياسة والأمن يبقى هو الأخطر على الإطلاق لاستحالة وجود مثلث بضلعين متينين متشابهين بدون ثبات وقوة وقدرة قاعدته الرئيسية على التحمل مثل تحميل أي إنسان لأمانة عليه حمايتها وصونها ثم رعايتها فيؤديها لمن يستحقها من ذوي الحقوق. أما ما يقع حاليا من عملية تجريف ممنهجة للتربة السياسية من كل القوى الفاعلة وتعويضها بقوى ضعيفة الشخصية وعديمة الخبرة وفاشلة عمليا، بالإمكان القول أنه مشابه حد التطابق لعملية تجريف للأراضي الفلاحية من محاصيلها الأصلية الرئيسية وتغييرها بفلاحة الجزر والموز والمانجو والتوت... إلخ. فالوطن الحر هو من لديه أمنه الغذائي الذي يأتي من المحاصيل المخطط لها استراتيجيا في الدرجة الأولى كالحبوب "قمح، أرز..." أو الذهب الأبيض "القطن" لتأتي في الدرجة الثانية زراعة المحاصيل التكميلية أو الترفيهية. ولكثرة إصابة السلطة في هذه الأيام بالمرض وبالرمد، عيونهم لأنكرت ضوء الشمس بسبب الرمد، وأفواههم أنكرت طعم العسل بعلة المرض بالرغم من وضوح المعادلة وبيان القضية. لكن تبقى الأسئلة المحورية والمقلقلة للخواطر والمؤرقة للمضاجع هي: من الضحية التي ستؤدي ثمن جنوح وترنح سفينة المغرب في محيط السياسة المضطرب؟ من الضحية التي ستؤدي ثمن انهيار صرح وبناء الاقتصاد الوطني ؟ من ذا الذي سيدفع ثمن القلاقل الأمنية اليومية في الشوارع والقرى النائية؟ من ذا الذي سيدفع ثمن موت السياسة في المغرب ووأد جثامينها في مفازات الاستبداد؟ من ذا الذي سيدفع ثمن سقوط أوتاد خيمة الوطن على الرؤوس؟ من الضحية التي ستؤدي ثمن الفاتورة الباهظة الحساب؟ من الضحية التي ستؤدي ثمن الدماء المسالة على الطرقات كل دقيقة وكل ساعة خصوصا بعد انقضاء العطلة الصيفية ولا أحد يحرك ساكنا؟، حتما سيؤديها السائل والمسكين والمحروم واليتيم وابن السبيل كما جرت العادة أما المترفون من سادة وأسياد القوم والأغنياء والأثرياء فهم بنادي السلطة يتحصنون. لذلك يقال إنه عند ارتفاع الأسعار لا يتأثر تاجر الجملة، وحده المستهلك النهائي أي ذاك الإنسان الفقير المغلوب على أمره من يتأثر. كما في مشهد فيلم "تيطانيك" أصحاب المال والأعمال هم أول من يغادر السفينة عند الغرق. القبضة البوليسية الأمنية القمعية لم ولن تكون حلا للمشاكل الاقتصادية وإلا كانت الدول الاشتراكية في صدارة البلدان المتقدمة اقتصاديا. والازدهار في الدول الشيوعية لم يعد سوى بيانات رسمية وتصريحات إعلامية ومنشورات صحافية وبرامج تضليلية وصفوف كثيرة وكبيرة أمام المحلات وأزمة القرن هي أصدق دليل. الحل لمشاكل المغرب يبدأ بإجراء انتخابات شفافة ونزيهة، وبناء مشاريع وطنية اقتصادية كبرى لضمان فرص الشغل والعيش للمواطنين وليس بناء السجون والمعتقلات كأحد الحلول لمشاكل الأمن. وعدم جز الألسنة وخياطة الأفواه وعدم مصادرة أي رأي أو إلغاء "حزب، جمعية، حركة، نقابة..." لتمكين طائرة هذا الوطن من الإقلاع والطيران بأجنحة تقدم الرخاء ونماء الثراء في أجواء سماء عالمية. تشخيص الداء هو بمثابة نصف دواء للعلاج بالنسبة لطبيب ناجح قبل تحريره للوصفة الطبية. الخطر محيط بالمغرب من فوق سمائه وحدوده البرية والبحرية والجوية، شمالا وشرقا وجنوبا. ولن يسلم أحد إذا هبت ريح الإرهاب الداعشي والخراب السلفي الوهابي ولن تنفع أحد مهما علا شأنه وسمت مرتبته كقولة ابن النبي نوح عليه السلام في سورة هود الآية 43 " قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ " هذا بكل شدة في البساطة بعدم كون هناك عاصم من أمر الله إذا أتى. فالكل على متن سفينة المغرب والكل معرض للغرق والهلاك إذا ازداد الفساد والاستبداد، الصالح والطالح. لأن سنة الله سبحانه وتعالى في ملكوته، قانون ولا أحد يوجد فوق هذا القانون. فمن يكون المنقذ للعباد والبلاد من الشرور الشداد؟ أين هو العدل وأين الإنسان العادل الذي سيعطي الحق لأصحابه؟ متى يتم إرساء دولة الحق والقانون والحرية؟ من يتقدم لجعل المواطنين سواسية أمام القضاء كأسنان المشط دون ميز ولا تمييز؟ من يرسخ أساس احترام إرادة المواطن واختياره؟ من مالك الشجاعة لقول كلمة حق في وجه مستبد جائر؟. مغربنا الحالي يعاني فائضا في أعداد العمالة في سوق شغله الشاغل استخدام الجوقة التي تجيد النفاق والتطبيل والتهليل والتزوير، مع زيادة في الطابور الانتهازي والناهب من المنتفعين. مغربنا في أمس الحاجة اليوم إلى مواطنين غيورين على هذا الوطن للعمل لأجله ليلا ونهارا. أياديهم غير متسخة وسجلاتهم شفافة وسيرتهم شريفة وعفيفة يجعلون مصلحة ومستقبل البلاد والعباد فوق مصلحتهم الخاصة والعائلية. مغربنا في أمس الحاجة اليوم إلى فرسان بواسل لا يخشون في الله ولا في قول وفعل وسلوك الحق لومة لائم. مغربنا في أمس الحاجة اليوم إلى روح وعقل مواطنين أوفياء وموضوعيين، لا إلى شرذمة اللصوص الناهبين. مغربنا في أمس الحاجة اليوم إلى رجال شجعان لا يخافون فتح جميع النوافذ والأبواب، لا لأولئك الجبناء والضعفاء الخائفين من طنين الذباب. مغربنا في أمس الحاجة اليوم إلى من يستشعر ويحس بأن فصيلة الدم لديه هي حب وطنه المغرب فعلا وعملا وسلوكا وقولا، وليس لمن يعتبره ماخورا لإشباع ملذاته وشهواته من مشرب ومأكل. أخيرا ستتساءلون: من أكون؟ سأجيب مع اعتذاري للتحوير لكاتبة هذه الشذرة الأديبة وفاء الحمري حين قالت: أنا واحد فقط دغدغ شوق وطنه فؤاده، أو كما قال بلينيوس الأكبر: الوطن حيث يكون قلبك.


0 التعليقات: