اخر المواضيع

مستقبل ماضينا







كلما استمعت أو قرأت مادة لإحدي ”شيوخ“ هذا العصر، فكرت في سر استمرار هذا المنحى المظلم من حضارتنا العربية الإسلامية، حتى كادت تترسخ لدي قناعة أنه من المستحيل التخلص من ”سلطة السلف“ الذي صار “صالحا“ -كله- لمجرد أنه ”سلف“، ينتمي إلي جزيرة تقع في تاريخ تفصلنا عنه مسافة زمنية. في هذا السياق تحضرني، دائما، حكاية ذلك العجوز الصيني الذي مات ولم يترك لأبنائه الثلاثة سوى بطيخة واحدة. فاجتمع الأبناء الثلاثة لاقتسام التركة. فقال الأول: ”لنأكل البطيخة قبل أن تتحلل وتفسد“، بينما الثاني قال: «لنحتفظ بها ذكرى أبينا نتذكره بها طوال حياتنا“، فيما نطق الثالث قائلا: «لنأكل البطيخة ونحتفظ بالبذور لنزعها في العام القادم، وهكذا سنتذكر والدنا وسنكسب مالا وافرا إذا ما اشتغلنا بجد لنرفع من المحاصيل». واضح أن المجتمعات العربية، في غالبيتها، تنقسم بين الاختارين الأول والثاني، فالبعض يجتهد من أجل أن يحافظ علي ”بطيخة“ التراث، إما في ثلاجة الزمن، أو في مخزن. وكلاهما سيؤدي بها إلي التحلل والفساد. أما البعض الآخر فهو يريد أن يأكلها أو يرغب في التخلص منها. باستعارة مفهوم عبد الله العروي“ ”للشيخ“، كما تناوله في الإيديولوجيا العربية المعاصرة، نلاحظ أن هذا النمط يزداد قوة وصلابة، بل وهيمنة واتساعا، موظفا كل التقنيات الحديثة، من وسائل اتصال، وعلوم ونتائج الأبحاث الصادرة عن أحدث المختبرات، كي يعضد طروحاته ليقنع أنصاره بقوة وملاءمة إرثه، كما هو، وبالصورة التي كان عليها، للحاضر والمسقبل. بل إنه المستقبل الذي يحمل الخلاص لهذا الواقع المتردي. كما يرى أن الخطأ والفشل ليس في ”التراث“ وإنما في الواقع، وبذلك فهم يسعون إلى تغيير العالم ومنطقه كي يتناسب مع ”حقائقهم“ التي لاتقبل التغيير ولا التحول، بدل تغيير نظرتهم إلي التراث والعالم! لعل هذا الهروب من الحاضر، والسكن في الماضي، والاعتقاد الزائد بأن الحقائق كلها توجد في الماضي، هو الذي يزيد مجتمعاتنا ابتعادا وتهميشا، ومغالطة، في فهم الحاضر ومنطقه. وهذا ما يزيد من عقم فهمنا لذواتنا وحقيقتنا وكذا حقيقة ”الآخر“. بل إنه يجعلنا نعيش في حالة القلق والعزلة بمعانيهما السلبية التي تحولنا إلى ما لانريد. أي هذا ما يحولنا إلى جسد مريض وعقل مشلول يسعف ”الآخر“، المتفوق والمهيمن، على اختراقنا والتلاعب بنا. أليس واقعنا، اليوم، وما تشهده المجتمعات العربية من أحداث العنف والخلل والانحدار، يكشف بوضوح كيف تحولنا إلي ”كراكيز“ في يد الآخر!؟ ألم نعد نجسد الصورة النمطية التي يريدها لنا الآخر، من خلال تعميق الصور السلبية للدين والثقافة؛ هذه الصور التي تزداد ازدهارا واتساعا في المجتعمات الغربية، بصورة لم يعرفها التاريخ المعاصر من قبل!؟ إن أسباب هذه الانتكاسة قد تم التطرق إليها من قبل العديد من الباحثين. وتكاد تكون عولجت من جل الزوايا، بمعني أنه تم وضع اليد على العوامل التي كانت سببا في هذا الداء. لكن الأمر -مع الوقت، يزداد تعقيداو خصوصا مع تدخل ”الآخر“ بكل تقنياته وأدواته، ووعيه بأن الإبقاء على واقع يهيمن فيه الخطاب الذي يرى في الماضي حقيقته المطلقة، قد يزيد من قوة هذا الاتجاه، وهو ما يراد له أن يترسخ داخل مجتمعاتنا التي صارت تعيش ”انفصاما“ أصبح جزء من كينونتها، التي تتعايش معه بانسجام بعيد عن أي قلق إيجابي يؤدي إلي التخلص من الأوهام!؟ إذا كان هذا حال من يريد أن يحتفظ ”بالتراث“، كما هو تمجيدا للأجداد والآباء، وإذا كان الذين يسعون إلي تجاوز التراث بالتخلص منه، عبر استعارة، أو بالأحري الانخراط في حياة الغرب زمنا ومكانا ومعنى، أي ”التغريب“، فإنهما معا يشكلان درجة واحدة من الخطورة، وإن اختلفا في المنطلقات. فهما معا يقودان إلى إعدام التراث، عن طريق ”الاغتراب“ في الزمن أو الثقافة! إذن ماذا عن النمط الثالث؟ أي كيف يمكننا أن نستفيد من ماضينا ونتجاوزه في الآن ذاته!؟ ثم كيف نحوله إلى طاقة تساهم في صناعة مستقبل مستقل، يكون فيه الماضي مكونا، فاعل ومتفاعل، لكنه ليس حقيقة، وإنما معان فقط تغني في صناعة حقيقة الحاضر؟ إن أهم عملية ينبغي القيام بها هي التخلص من الأوهام التي نؤمن بها حول التراث، وتخليصه من قبضة الوعي الأسطوري الذي ينزه الماضي من تاريخيته، ومن أنه ”أحداث“ ووقائع حدثت في ”التاريخ“ فاعلها ”الإنسان“/البشر. وإن التراث ليس واحدا، بل هو متعدد، وفيه من الاختلاف والتنوع ما يسع كما هائلا من التجارب الإنسانية والثقافية، ويغطي كما هائلا من المجتمعات والثقافات التي ساهمت في إغنائه على مدى مراحل مختلفة من تاريخ صناعة ذلك ”التراث“ الذي كان ”حاضرا“ في حينه، يقبل التجديد والاختلاف والتنوع، ويقبل الطعن والمساءلة والإثراء. ذلك أن ثراء تراثنا لا يكمن في ”واحديته“، لأنه ليس واحدا، ولم يكن أبدا، كما يريد البعض أن يسوق له، وكأنه نزل من السماء في لحظة واحدة ثم انتهى التاريخ!؟ إن ثراء التراث يكمن في تنوعه وتناقضاته أيضا، في اختلافاته وصراعاته وجدالاته، وتطاحناته، وأيضا في ارتباطه بواقعه، وف سعيه الدائم نحو ”راهنيته“ و واقعيته“، ومدى إخلاصه للواقع/واقعيته!؟ التراث بذور، بالنسبة إلينا، ستحتاج منا إلي جهد كي تزهر وتعطي الثمار، خصوصا بعد أن صار اليباب يعم تربتنا (اليباب الفكري طبعا!). فهناك من يشتغل في الظاهر والخفاء، جاهدا برش مواد سامة على هذه التربة، وهي مواد توظف فيها مكونات تنتمي إلى من يجعل ”التراث؛ قطعة أسطورية متعالية لا تاريخية! فكيف نتخلص من ”الشيخ“ وذاك الذي يساعده في الجهة المقابلة برفع راية ”التحديث“ باعتباره مدخلا لانتشالنا من مآزقنا!؟ إن الحداثة ضرورة لم تعد تقبل التأجيل!؟ والحداثة لاتقبل المهادنة والتعايش مع ”المطلقات“ ما دام أنها منجز لا يتحقق إلا بالتخلص من كل ”أوهام الحقائق“، كما أن الحداثة لا يمكنها أن تقبل ب“الشيخ“ الذي يرى أن ”التحديث“ كاف لصناعة الحدث!؟ وهذا ما يعني أن أكبر أعداء “الحداثة“ هو ”التحديث“!؟


0 التعليقات: