اخر المواضيع

العنف الداخلي عدونا رقم 1







يكاد يغمى على المرء كلما تذكر ما سمعه أو شاهده أو قرأه من قصص وروايات وصور فظيعة لأعمال العنف الجسدي الوحشي ، أبطالها شباب يعترضون سبيل المارة العزل الذين لاقوة لهمنساء،أطفال،شيوخ ليسلبوهم ممتلكاتهم من أموال وهواتف ودراجات وسيارات وحلي تحت قوة التهديد بالسيوف والخناجر وشفرات الحلاقة، إلى درجة أضحى معها المشي على الأقدام في بعض النقط السوداء والممرات الخلاء خاصة مع بداية الصباح وحلول الظلام كما تقول هذه الروايات الواقعية مغامرة غير محمودة العواقب. والحقيقة أنه عندما يتأمل المرء ظاهرة العنف بالأسلحة البيضاء في المغرب و التي تتسع دائرتها يوما بعد يوم يتساءل: وأين هو المغرب العاقل؟أين الذين أخذوا حظا وافرا من آداب صناعة الإنسان وتربيته وتهذيبه وتقويم سلوكه واعوجاجه قبل فوات الأوان ؟ أين مغرب الحضارة و الوقار والإحترام والسكينة؟ فهل دخلت البلاد عصر السيبة من جديد، فتنوسيت معها قيم التعايش والتضامن وحلت محلها قيم التخابث والإضرار بالآخر شتما وضربا وسلبا ونصبا؟ فحينما ترى المسؤولين عن الأمن وترى رجال ونساء الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية يستعرضون أمامك يوميا شتى أنواع وأشكال وأحجام هذه الأسلحة البيضاء التي تستعملها العصابات الإجرامية وما تخلفه من جروح غائرة بلا أدنى رحمة في شتى مناطق أجساد الضحايا ، ينتابك شعور خاص ويخترق فؤادك الهش تيار ساخن عنيف يهز كيانك ووطنيتك وإنسانيتك من الأعماق ممزوجة بالسخط و الحزن والألم والأسى على محيطنا الإجتماعي الذي لازال يفرخ هذا الشر اللعين وهذا العنف المريض الذي يخون صلات العقيدة و الدم والوطن من أجل بطولة وهمية وخلاص مزيف. موطنون مثلنا يأكلون طعامنا ويستنشقون هواءنا، تأخذهم عنا الأماني المتلفة فيتخبطون في مدارات دموية ما نحسب لفظة رحمة جرت قط على لسانهم.ففي الوقت الذي يرتب فيه المغرب بيته وأوراقه للنهوض من غفلته والوقوف أمام كل أنواع الإرهاب واامخططات المحتملة من أعدائه ضد استقرار بلدنا (سياسة حذر كتجلٍ لها ) ،نجد هؤلاء الحمقى يسخرون منا ومن أحلامنا وانتظاراتنا رافعين بصلف شديد شعار البيت الشعري المشهور للشاعر العربي أبي تمام: السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب /وكأن البلد مقبلة على حرب داحس والغبراء.فهل لدى هؤلاء المغاربة الذين تستعرض الصحافة ضحاياهم بوجوه ورؤوس مفلحة ومشققة كل صباح ، بديل غير هذه التراجيديا الملطخة بدم الأبرياء؟ من حق الفقير العاطل اليائس أن يحتج على وضعه، ومن حق المظلوم أن يشهر مظلمته ،ولكن وفق مسوغات مدنية وحضارية لها ما يبررها ،أما أن تتصدع أعصاب البلاد وتتحول حياة الناس إلى رعب ومآسي بنهب الجيوب وترويع القلوب واختراق المحلات وانتهاك الحرمات بشرعة الغاب ، فهذا لا يعني إلا الخراب.فأي احترام لهكذا بطولة جبانة تشحذ سكاكينها وسيوفها على رقاب الضعفاء تراكم المشاكل والمآسي ؟ وإذا كان جهازنا الأمني قد ارتفعت نسبة يقظته (سياسة حذر..) تهيؤا لكل طارئ غريب فإننا في المقابل وبموازاة ذلك نتمنى أن يكون هذا الإرتفاع دائما ومستمرا وفي كل مناطق المدينة المغربية يوازيه ارتفاع آخر لملاحقة المجرمين الكبارأولائك الذين نهبوا ثروات البلاد ومازالوا. .فليس من الكياسة في شيء التركيز على المجرم الصغير وإهمال أو غض الطرف عن المجرم الكبير.كما ينبغي أن تفعل هذه اليقظة الأمنية في الإتجاه الصحيح لما تقتضيه مصلحة المغرب الحديث ، أي اختيار الفهم الصحيح والمتجدد لظاهرة العنف المنتظرة من بعض الشباب حسب طبيعة محيطهم وما يلائم هذه الظاهرة المتجددة من لوازم قانونية وتربوية قابلة لضبطها واحتوائها قبل انفلاتها بأقل الخسائر.فالإجرام سوف لن ينتهي مثله مثل الحياة والتلوث والأمراض والجشع ، قد تخمد وثيرته ويختفي لكنه يظل متربصا في الظلام بعيون لا تنام قابلا للبروز والإنفجار تبعا لمجرى تطور وتيرة الصراع بين الكائن ورغباته بين الكائن ومحيطه .ومن الأخطاء أن نسرف في الإجتماعات والشكليات الرسمية وإصدار البيانات والقرارات والشعارات واستعراض العضلات في الشارع في محاولة إظهار أننا نطوق الظاهرة ونتربص بها ليل نهار أملا في القضاء عليها، بل نخلق مشكلة إضافية بهذا الإعتقاد إذا لم نقم بموازاة ذلك باختراق بؤر العنف والجريمة بكل أنواعها وأشكالها تربويا وتنمويا بوسائل أكثر فاعلية . فالنزوع نحو العنف والجريمة داخل بلادنا من أسبابه الأساسية الفراغ الفكري والمادي . كما أنه نتاج بيئة عنيفة متسلطة ولا عقلانية ولا وطنية مما يتطلب خططا اقتصادية واجتماعية وثقافية وتربوية وقائية وعادلة أكثر نضجا وفعالية.فهذا العنف الذي نشكو منه في أوساطنا وأسرنا وإعلامنا ومدارسنا وغلائنا وشوارعنا ومكاتبنا وقوانينناووثرواتنا وظلمنا لبعضنا البعض بطريقة مباشرة أو غير مباشرة هو العدو رقم واحد،الذي تتولد عنه الكثير من العداءات الأخرى الناتجة عن أحاسيس الكره و والنفور من كل القيم الجميلة التي نملأ بها خطبنا ومقرراتنا و نزوق بها شعاراتنا ولا نطبقها في مشاريعنا وأفعالنا .فالعنف بذرة تنطلق من الذات المجتمعية اامريضة إلى الذات الفردية الهشة أي من البيت والمدرسة ووسائل الإعلام والشارع والإدارات والمتشفيات والمخافر والسجون ثم يتوسع مداها وأذاها بالتدريج في دورات مكرورة لا ينتبه إليها المجتمع إلا بعد انفجارها.مكروب أصل كل داء وبلاء نفذ ولا يدري أحد كيف نفذ إلى نفسية هذا الصبي المقهور الذي يأكل قلبه الغبن والبؤس أمامك في الشارع وعيناه الحمراوان كانما يؤجج فيهما الحقد كل نهم للأنتقام ،يعرض عليك برجل في التراب وعقل في السحاب شراء الكلينيكس أو مسح سيارتك وأنت ساه عنه منشغل بمشاريعك غارق في ارقام الحساب .فيأتينا هو يوما من حيث لا نحتسب بحساب آخر وفاتورة أخرى، مرتعشا مقرقبا فاقد الحس والخطى ،حاملا سيفه أو سكينه سادرا في غمرات سود تتلوى في صدره الرغبات والإحباطات والأماني مثل الأفاعي.من هنا يتولد العطب ويحدث الكرب.فلو أحسنا استغلال الهدر المدرسي وتتبعنا خطوات ومستقبل المطرودين والمعنفين في بيوتهم ومدارسهم ، وعالجنا مشاكل الشباب والأطفال قبل تفاقمها وتحسسنا واقع الأمور في مهادها في الدروب والأزقة والهوامش مدراس التكوين الإضافية العارية من كل تأطير أو مراقبة ومواقع التواصل الإجتماعي التي أضحت جزرا للهو واستعراض العقد و العاهات والشكاوى والتأوهات ،لأدركنا باكرا إلى أننا نحن الذين نكذب على الشباب وندفعهم من حيث نشعر أو لا نشعر إلى الهاوية ،عوض أن ننقذهم من محنتهم.فلا أحد يولد مجرما .كثيرون ولدوا أصحاء النفوس على وجوههم الناصعة مسحة الرضى والإتزان كانت تتوسل فيهم أسرهم خيرا ، فأصبحوا بعد زمن قصير أشرارا ، غلاظ الطبع و اللسان، مقطبي الوجوه ،تقطر من شفاهم البذاءة ، ومن عيونهم النظرات الحادة ، لهجتهم خليعة، وفكاهتهم منحطة ،قابلين للإشتعال و للإنفجار على أتفه الأشياء. رويدا رويدا إلى حافة الهاوية والإجرام والمخذرات يتردون فيها بعناد بدءا باختلاس بسيط وهين من الدار والجيران من الممرات والسطوح إلى عنف كبير وسرقة غليظة، انتهاء بتكوين عصابات وجماعات محترفة تسطو على العقول بعدها تسطو على الأبناك بوسائل وتقنيات أكثر تطورا وتعقيدا. .يكفي أن يتخطى الشاب اليافع أو الصبي منهم عتبة أول جريمة ،أول سيجارة حافية أو محشوة، أول كأس ،أول حبة أو بولة ،يستخلص ما بعد تأثيرها في مسرح الجريمة من غنائم مغرية لينزلق أعمق.وليتصور من شاء منكم كيف يصبح السوي عندنا مجرما لا شغل له ولا هم إلا الترصد بالضحايا.لذلك ينبغي أن لا يظل هذا الملف متروكا للصدفة والمفاجآت والحملات الموسمية ، بل علينا أن نخضعه للتدبير العقلاني المستمر، والمقاربة الإستباقية المتمثلة أولا في الإعتراف بحقوق هؤلاء الشباب في العيش الكريم داخل بلادهم ، وتمكينهم من فرص الإندماج الطبيعي داخل نسيج المجتمع .إن عواقب المقاربة الأمنية غير المحسوبة وغير الدقيقة في خطواتها الإجرائية نحو بيت الداء، وإهمال الجانب النفسي والسسيولوجي والتعالي عن إشراك المجتمع المدني بكل أطيافه ، قد يجعل المشروع الأمني برمته خاصة الشق الداخلي منه محل تساؤل وتمحيص ونقد. فضلا عن تهديد الآمال في إصلاح منظومة الأمن والمغامرة باستقرار البلاد لاسيما عندما تتزايد الإتهامات الموجهة للمغرب حول قضايا حقوق الإنسان المتمثلة في تعليم وتطبيب وشغل وسكن وحرية فكر وتعبير وكرامة.ليس معنى هذا أننا ندافع عن هؤلاء المجرمين ونلتمس لهم الأعذار في أوضاعهم المزرية ، خاصة عندما تجتمع كل القرائن والدلائل ضدهم ،وإنما نبحث لظاهرة العنف بالأسلحة البيضاء أو بغيرها عن مقاربة تربوية وتنموية وأمنية فعالة ، تفضي إلى نتائج تتجاوز عتبة الردع والعقاب إلى كشف الأوجه المختلفة المنتجة للإجرام في المغرب، من ضنك اجتماعي ،وفشل تعليمي، وانتهازية سياسية، وغياب مراكز الإنصات النفسي والسسيولوجي التي تنكب على دراسة هذه الظواهر في مكانها. إننا لا نريد أمنا غاشما أعمى ،قادرا في كل لحظة توتر أن يشهر قوته ويكتسح الأخضر واليابس ،في عمليات تمشيط عشوائية فينجو من ينجو ويطحن من يطحن.حقيقة تكبر فرحتنا عندما يضع رجال الأمن أو الدرك خططا ناجعة للإيقاع بأخطر اامجرمين ،و لا يمكن أن نكون ضد هذه الحملات التي تخرجنا على الأقل من منطقة الخوف ودائرة اليأس أملا في الظفر بمغرب متطور آمن لاتغيب عنه شمس الطمأنينة في ذهابها وإيابها.لكن لا يتأتى لنا ذلك بالمواقف الأمنية الهستيرية المتعالية عن هموم ورغبات الجماهير ، فالعنف هنا واحد ،سواء كان صادرا عن مواطن عادٍ منحرف أو عن مسؤول أمني متعجرف.فلا أحد له الحق في التلاعب بالحقيقة الإجرامية خاصة في شقها القانوني والعقابي بأن يستخدم " شراع يديه "بشكل يطبعه التهور والإعتباط .نعم الموقف الأمني الصارم ضروري ومطلوب ولكن بالشكل المرغوب فيه الذي لا يمرغ صورة المغرب التي نحاول أن نزيدها نصاعة في المحافل والتقارير الدولية .لا نقول هذا من باب الطعن في مصداقية أمننا ورجاله ونسائه ،كما لا نستهين بما أنجز وما هو قيد الإنجاز في هذا المجال ، لكن نقول هذا من باب الخوف على مستقبل الأمن في هذا البلد الذي مازال البعض فيه يحاول أن يسرق ما تبقى من صبر و أحلام بنيه ويدفع بهم نحو حائط اليأس ثم يحاسبهم بعد ذلك باسم الحفاظ على القانون.ولئن شكل التحديث السياسي والإقتصادي محور عملية البناء الوطني فإن قطاع الأمن والقضاء التابع له لهما الأولوية والأسبقية في أي تحديث أو إصلاح ،فلا تنمية ولا استقرار اجتماعي بدون أمن شفاف وقضاء مستقل يكفلان معا الردع لكل مصادر الخلل والإنحراف ../


0 التعليقات: