إسماعيل عزام من تونس
الاثنين 30 مارس 2015 - 23:10
في إحدى الطاولات الجانبية من مقهى "واتيفر صالون" الشهير في قلب العاصمة التونسية، حيث يجتمع الشباب يوميًا لتبادل أطراف الحديث واستنشاق دخان سجائرهم بعيدًا عن فوضى السيارات ونظرات المارة، يظهر كل شيء هنا مضادًا للدولة وللنظام بل وحتى الأسرة. الفضاء الخشبي هنا لا يخفي تمرّده على ما هو قائم، تمرّد يظهر في الملصقات أوّلًا، في العيون ثانياً، وثالثًا في الدردشات الناقمة على الأوضاع.. كأن الثورة لم تمرّ من هنا قبل أربع سنوات ! من جلّ المناطق الشعبية قدموا، هنا يشرب أبناء تونس العميقة قهوتهم السوداء دون أن يسقوها ببياض الحليب، كناية عن نظرة سوداوية لبلد يكافح للخروج من عنق زجاجة الثورة بأقلّ الأضرار. حمادي بن عمر، في سن 26، لم يخفِ استياءه من مآل تونس بعد الآمال الكثيرة التي رافقتها: "على الأقل لم يكن بنعلي يسرق الفقراء وإن كان يسرق الأغنياء. أما هؤلاء فيسرقون الفقراء أوّلًا، إذ وجد المواطن البسيط نفسه مجبرًا على دفع الضريبة من قوته اليومي بعد ارتفاع الأسعار".

في حي الجبل الأحمر الشعبي وسط العاصمة، يقضي حمادي غالبية أوقاته. شكّلت هذه المنطقة التي احتضنت ذات يوم عساكر الفرنسيين إبّان الحماية، طوق حماية لعدد من الأحياء الراقية كالمنار ونوتردام والمنازه، فقد دافع أبناء الجبل الأحمر عن حيهم الفقير وعن هذه الأحياء الغنية من الناهبين والمجرمين ومن وجد في أجواء اللا أمن فرصة للانتقام، في وقت تحوّلت فيه بقية الأحياء الفقيرة إلى ساحات وغى اضطر معها الساكنة إلى تشكيل لجان شعبية لحفظ الأمن. شأنه شأن بقية الأحياء الأخرى، وشأن تونس بشكل عام، لم يحدث تغيير كبير في معيش ساكنته، يقول حمادي: "الشباب ندم على الثورة، فالبطالة تفاقمت، والتهميش استمر، والبناء العشوائي ازداد، والشرطة تتابع خنق الحيّ بسبب قربه من مركز العاصمة". السخط على الأوضاع في الجبل الأحمر كلّف الدولة واحدة من أضعف نسب المشاركة في الانتخابات: "لماذا اختيار رئيس عجوز؟ ألّا يوجد شباب في هذا البلد؟" يتساءل حمادي. لا تكتمل الصورة عن الأحياء الشعبية التونسية بمجرّد الحديث، لذلك دعانا محمد علي، 25 سنة، إلى جولة في حي الكبارية بجنوب العاصمة. ركبنا في الطرام وسط زحمة لا تنتهي، بعد دقائق استقبلتنا مباني الحي الفقير، للوهلة الأولى يظهر الحي بعيدًا عن مظاهر الفقر التي تعشّش في الكثير من مناطق المغرب، فالأبنية متراصة رغم بعض الشذرات العشوائية، والتبليط يمرّ على أغلب الأزقة، إلّا أن المظهر ليس سوى ستار يخفي الكثير من الأوجاع، تمامًا كما حاول النظام التونسي على مدار عقود إضفاء صورة من الرخاء على دولة تتنوّع مسالك معاناتها.

رجل يبيع كرسي مرحاض متسخ، الثاني يبيع حذاءً قديمًا، الثالث يبيع أشرطة راي قديمة. بالقرب منهم حاويات تفيض بأزبالها وأطفال يلعبون في التراب دون ضيق من أشعة شمس حارقة. في هذه المساحة الفقيرة، تعيش الأسرة في المعدل بمئتي دينار أو أكثر بقليل (ألف درهم)، حتى كأس القهوة في مقاهيها ينحني تواضعًا لجيوب الفقراء، إذ لا يتجاوز 2,5 درهمًا، بيدَ أن المواد الغذائية الأساسية، من خضر ولحوم ودقيق، لم تجرّب بعد هذا الانحناء. "مواسم الانتخابات تتحوّل في الحي إلى فرصة عمل وفقط، لا يهم لمن ستصوّت، المهم من سيعطيك أكثر لتساعده في الحملة الانتخابية" يقول محمد علي، مضيفًا:" بعد ذلك ينسونا من جديد، بل ويتعاملون معنا كمشبوهين بسبب انتمائنا إلى الكبارية". ردًا على قساوة الظروف، اختار الكثير من شباب الحي المتاجرة في الزطلة "الحشيش"، إذ تحوّلت هذه المادة إلى مورد رزق في تونس ما بعد الثورة، خاصة مع التساهل الحدودي مع الجيران.

في هذا الحيّ، وقعت اشتباكات خطيرة بين قوات الأمن والمتظاهرين، لا تزال الجدران تحمل طابع التمرّد وإن خبا ذلك في أعين شباب المنطقة ممّن سئموا انتظار غد أفضل. الأحلام هنا تتجسّد في عقد عمل بإيطاليا، وبالضبط في ميلانو التي تأوي الآلاف من شباب الكبارية، لا أحد هنا يأبه بأوصاف الآخرين لتونس بكونها واحة ديمقراطية في المنطقة، بل يسألونك كجواب مضاد:" وماذا بعد؟ هل انعكس ذلك على واقعنا اليومي؟ هل حرية التعبير هي ما سيشبع بطوننا؟" في الجهة المقابلة للكبارية، يظهر الوضع أسوأ بكثير، مساكن قصديرية تشكّل تونس أخرى لا تظهر في الإعلام. مجرّد التجوال هناك يعدّ خطرًا على الأجنبي، أما لو فكّر في التقاط صورة، فليتأكد من عودته دون آلة تصويره أو هاتفه. في قصدير الكبارية، أشدّ ما تكره الساكنة هو زيارات الصحافيين، إذ يقتنعون بأن محنتهم ليست للتداول الإعلامي، بل هناك من الشباب من يعتبر "الكريان" مصدر عيش سيخبو إن حاول بعضهم كشف ما يجري داخله. الصورة تتكرّر في أحياء الفقر الأخرى.. في طاولتنا بمقهى الخشب، يحكي شباب تونس عن عزلة دوار هشير، ذلك الذي يأوي الإسلاميين المتطرّفين، والذي تحوّل إلى بعبع للدولة خاصة مع الاعتداء على باردو. يحكون عن عزلة حي التضامن الفقير، تلك النقطة السوداء التي تأوي النشالين والمجرمين وممتهنات الدعارة. تتعدد الحكايات ويبقى المضمون واحدًا: البؤس يحتل أركان تونس ما بعد الثورة.

"أليس في ذلك إساءة للثورة؟ أليس الحنين إلى السلطوية تحت داعي الفقر خيانة لدم الشهداء؟" يأخذ طارق نفسًا كبيرًا قبل أن يجيب:" حتى ولو اعترفوا لك بحنينهم إلى بنعلي، فلن يقبلوا أبدًا بعودة نظامه. صحيح أن الثورة أكلتهم وهم من حملوا شعلتها، لكن لا يزال في أعماقهم شيء من الإيمان بأن تونس ستخلع قريبًا رداء اليأس". في ركن من المقهى، يعلو نقاش بين منتصر للسبسي وآخر للمرزوقي، يبني الأول حججه على خبرة الرئيس الجديد، ويشيّد الثاني أدلته على مشروع الرئيس القديم. جمرة الغضب في أنفس هؤلاء لم تخمد بعد، تحتاج إلى ومضة لهيب بسيطة حتى ترتفع من جديد. لذلك لا تنتظر منهم الاستكانة إلى واقع معاق، بل انتظر منهم في أيّ لحظة إعادة مشاهد المسيرات العارمة وهي تهتف:"الشعب يريد..".
0 التعليقات: