اخر المواضيع

المنابر تشكو الى الله من ركابها !







كان المنبر في زمان رسول الله يؤدي وظيفة النصح والتوجيه والتذكير، لكن للأسف نراه اليوم على غير ما كان بالأمس، فالمقاصد التي جاء من أجلها لا تمتثل على واقعنا، والتي يتقدمها معاصرة الواقع وفهمه، وهذا إشكال كبير جعل فجوة كبيرة بين واقعية الحياة ومواضيع الخطب، حيث أن غالب الخطباء ليسوا بعلماء و باحثين وإنما حفاظ ناقلين، بلغوا من الكبر عتيا، ومن الفهم عجزا ونقصا ، فتراهم ينقلون الخطب من كتب مشهورة، ومؤلفات من ازمنة غابرة، وبما أن "فاقد الشيء لا يعطيه"، كانت النتيجة طبيعية من نفور النّاس خطبة الجمعة وشكواهم الدّائمة منها. ولا عجب في هذا، فنفس المواضيع تذاع، ومثل الخطب تتكرر وتعاد، فلا حديث للخطباء إلا عن دار البوار، وقيامة الأرض والسّماء، فصارت بذلك الجمعة موعدا للحزن وتنكيدا الحياة، ويبدو الخطيب مسروراً أيما سرور عندما يرى دمعة أحدهم بل يحس بالنشوة لذلك، ظناً منه أنه قام بواجبه على أحسن وجه، وقد فعل حقاً، فواجبهم هو ضمان لقمة عيشهم لا غير ذلك، وهذا المبرر لا يقنعني حقيقةً، لأني أجد أن الامر ليس مجرّد لقمة عيش وإنما ارتفاع سيط، وتمييز عن النّاس. فرجال الدّين عندنا معروف كيف يقدسون ويبجلون خصوصاً خطباء الجمعة الذين تغلب على خطبهم العاطفة وتهييج المشاعر، ويكفيني هنا ما قاله الدكتور علي الوردي في كتابه وعاظ السلاطين: "لقد صار الوعظ مهنة تدر على صاحبها الأموال، وتمنحه مركزاً اجتماعياً لا بأس به. وأخذ يحترف مهنة الوعظ كل من فشل في الحصول على مهنة أخرى. إنها مهنة سهلة على أي حال، فهي لا تحتاج إلا إلى حفظ بعض الآيات والأحاديث، ثم ارتداء الألبسة الفضفاضة التي تملأ النظر وتخلبه. ويستحسن في الواعظ أن يكون ذا لحية كبيرة كثة وعمامة قوراء. ثم يأخذ بعد ذلك بإعلان الويل والثبور على الناس، فيبكي ويستبكي، ويخرج الناس من عنده وهم واثقون بأن الله قد رضي عنهم وبنى لهم القصور الباذخة في جنة الفردوس. ويأتي المترفون والأغنياء والحكام فيغدقون على هذا الواعظ المؤمن ما يجعله مثلهم مترفاً سعيداً" . إن ما يفتقده كثير من خطبائنا اليوم هو معرفة ماهية المكان الذي يعتلونه كلّ جمعة، وحقيقة الرجل الذي ينوبون عنه في كلّ خطبة، ولو وعوا واستوعبوا لكان خير حصل بهذه الأمة، فإلى الله نشكوا ما آل إليه حالنا، وننتظره سبحانه أن يبدّل من حالتنا .


0 التعليقات: