اخر المواضيع

ابن بطوطة في دبي







في لقاء حميمي بمدينة فاس ،أهدى لي صديقي الشاعر الأستاذ عبد الكريم الوزاني، نسخة من مشروع كتيب ينوي نشره في المقبل من الأيام تحت عنوان: "دبي ابن بطوطة :ألف عام من الإكتشاف والمعرفة والتسوق." أول ما يثير فضول القارئ في هذا الكتيب اللطيف ويفتح شهيته للإطلاع عليه وقراءته هو عنوانه الذي يجمع بين عالم الإكتشاف والمعرفة الممثل في شخصية ابن بطوطة الرحالة المغربي المعروف وعالم التجارة والتسوق الممثل في مدينة دبي كمركز عالمي ذائع الصيت في ميدان المال والأعمال . في صدر الصفحة الأولى لهذا الكتيب ،يطالعك طابع بريدي للمملكة المغربية في حلته الكلاسيكية من قيمة أربعين سنتيما ،تتوسط إطاره صورة بالأسود والأبيض لابن بطوطة ،بلحيته الكثة وعمامته البيضاء(الرزة المغربية) وسلهامه الصوفي الفضفاض، على يسار كتفه اليسرى خُطت بالأرقام سنتا مولده ومماته(1378/1304 ( .ينظر إليك من عمق التاريخ بعينين متقدتين صافيتين ،يشع منهما عتاب خفيف وكأني به قد أحس بالإهمال الذي طاله من بني جلدته فأراد أن يقول بلسان حاله إلى كل أولائك الذين يتبجحون بالدفاع عن الإرث الحضاري والثقافي الذي تركه الرواد الأولون في المغرب :أهكذا تحترم الأمم المتحضرة عظماءها!!؟ في الصفحات الموالية خصص المؤلف لكل بلد زاره ابن بطوطة خلال رحلاته التي دامت زهاء سبع وعشرين سنة كما هو قائم وموجود داخل أروقة المركز التجاري المسمى مول ابن بطوطة بدبي ، ساحة يصف من خلالها ما تحتوي عليه من "مجسمات ومنحوتات ومعروضات وبنايات تعكس المميزات الحضارية لكل شعب زاره ابن بطوطة . فهذه ساحة بلاد الهند بفيلها ومهرجاها وآلاتها الوترية "تشين"وغيرها .".وهذه ساحة بلادفارس بقبابها الراقية وألوانها اللازوردية وأقبيتها الناصعة ذات الطراز المعماري الإسلامي التي تذكر بمساجد أصفهان ،تتوسطها ألة الإسطرلاب التي طورها الفلكيون المسلمون..وهذه ساحة بلاد الصين وما أدراك ما بلاد الصين التي كتب عنها ابن بطوطة الكثير بتعدد ثقافاتها وأحقابها وأنماط عيش سكانها " .".وهذه ساحة بلاد مصر بفراعنتها الحافلة بمجسمات تعيد الماضي للحاضر تتوسطها آلة "ذات الحلق"منحوتة من خشب الصندل المزخرف وهي إحدى أكثر الأدوات فعالية من حيث تسجيل وعرض الحركات بعبقرية فذة بما يراعي الدورات اليومية للكرة الأرضية على محورها وحول الشمس..".."وهذه ساحة الأندلس بنافورة الأسود الإثني عشر ، يسبح في أجوائها الطيار العربي عباس بن فرناس تزينها لوحة مصحوبة بتعليق للموسيقار زرياب ".".وهذه ساحة بلاد تونس ببناياتها المقرصنة وبزخارفها التي تذكرنا قبابها بجامعتي القيروان والقرويين .".و على مقربة من هذا المركز التجاري "مول ابن بطوطة " انتصب فندق تحكي عمارته نهضة اليمن السعيد..ليختم المؤلف هذه الرُّحَيْلة عبر هذه الساحات بالحديث "عن المسجد الفسيح الأرجاء الزهي الألوان "الذي وجد فيه كمغربي مسلم حسنة أخرى اعتبرها من حسنات الأبرار ..." والسؤال الذي يعيدنا نحن المغاربة إلى ذواتنا ويضعنا وجها لوجه أمام حقيقة هذا المنجَز :ماذا يفعل ابن بطوطة المغربي دفين طنجة في أحضان "مول دبي" بالإمارات العربية المتحدة ؟ هل تم استقدامه من بلده الأصلي لاستغلال اسمه وشهرته التي طبقت الآفاق كرحالة عربي مسلم متميز لم يجد بين أهله وذويه المغاربة من ينتشله من تحت أطباق الإهمال والنسيان ويجعل منه رمزا متقدا وقدوة للتواصل والتلاقح الثقافي والحضاري ؟ ثم لماذا تم اختيار اسمه مقرونا بمركز تجاري عالمي "مول ابن بطوطة" ،هل لإعادة الإعتبار له كرمز من رموز الحركة والأسفار والتنقل واختراق الحدود والآفاق للتعرف على الشعوب وعلى أنماط حياتها انسجاما مع الآية القرآنية "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا " ؟ هل هي سياسة جديدة لتحفيز ثقافة الإبتكار والإجتهاد في مجال استثمار الرصيد الثقافي والحضاري للشعوب ودمجها في سيرورة الدورة الإقتصادية والتجارية العالمية ؟. يقول المؤلف في حق هذا المركز التجاري العالمي :"صَرْح يغري بالسفر إلى الماضي عبر الحاضر ...صُـمِّمت مرافئه على نمط الأمصار التي حل بها أو زارها ابن بطوطة "الرحالة المسلم"كما تسميه أطلس جامعة كومبريدج.مركز يحلو به التسوق والتفسح بمجاورة عبق التاريخ التليد ... من زاره غدق ومن لم يزره غسق.."هنا يظل الباب مفتوحا للنقاش وتتعدد الآراء والتفسيرات .ومهما حاولت وزارة ثقافتنا أن تبرئ نفسها فهي الأجدر بان تتحدث عن نفسها كطرف مقصر لم يجتهد بما فيه الكفاية للتعريف بهذا الرجل وتسويق صورته ومخزونه الثقافي و استثمار عطائه الحضاري وإشعاعه العالمي في مجال التجارة والإقتصاد والمعاملات وفي كل ما له علاقة بالأسفار والرحلات السياحية والثقافية ، وأنه آن الأوان لهذه الوزارة أن ترفع عن درته "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار " أطباق النسيان ،ليس بالمحاضرات والدراسات النظرية المستفيضة التي تملأ مطبوعاتها رفوف الجامعات والمكتبات إلى درجة التخمة ،ولا بإطلاق اسمه على باخرة أو شارع أو عمارة أو محلبة فقط، وإنما بابتكار الأساليب الحديثة لاستنطاق إبداعات الماضي المتميزة في رحلات وأسفار ابن بطوطة كموضوع حيوي يتجدد باستمرار وإدماجها في الحياة العصرية العامة ،إيمانا بحاجة المجتمعات الساعية إلى التطور -ومنها المغرب -للتعريف بذاتها وبثقافتها وتجديدهما لمواكبة تحديات العصر ومستجداته. ولو لم يجد ممولو و مصممو هذا المركز التجاري ومبدعو افضيته -مهماكانت جنسياتهم- في شخصية ابن بطوطة ما يعزز توجهاتهم ويحقق أحلامهم وأرباحهم ،لترددوا ألف مرة قبل أن يقدموا على هذا التحدي ،أي الجمع بين عبق العمق التاريخي القديم (رحلات وأسفار ابن بطوطة عبر البلدان والأمصار ( ودينامية الحركة التجارية المتطورة عبر أقطار العالم باستمرار.. وهكذا يصل هذا الربط السلس والذكي بين الماضي (الإرث الحضاري) والحاضر (عالم التسويق الحديث) في مثل هذه المراكز التجارية العالمية إلى نتيجة لا مفر منها وهو أن إلقاء أهل العلم والمعرفة والفن في أحضان هذا النوع من المراكز من الممكن أن يرفع من أذواق العديد من الأجناس ويلبي متطلباتهم المجتمعية والثقافية والجمالية المتطورة عبر الزمان والمكان.وإذا كان المال يعتبر حجر الأساس في انطلاق هذا النوع من المراكز التجارية سواء في دبي أو في غيرها من مناطق العالم فإن المال لن يجد تجسيده الأمثل إلا في إبداع طرق وأساليب استثماره بالشكل الذي لايفكر في الربح بمعزل عن إحداث المتعة لدى الزبون. فما قيمة أن يكون لنا في المغرب بلد الاثني عشر قرنا من الوجود والحضارة مليارديرات كبار على المستوى العربي، ولا يخطر ببالهم مثل هذه المشاريع التجارية التي تجمع بين روح البيزنيس ومتعة السفر والإبحار في عوالم التاريخ والثقافة والفن والإبداع؟! كفانا من ثقافة الموت والإسمنت والحجر والحديد المانعة للتفكير الخلاق التي لايزال أصحابها عاجزين عن تحقيق أي نوع من المصالحة والتوازن بين مطالب الجسد ومطالب الروح.لو كانت بلادنا تعرف أقدار الرجال الذين صنعوا بعرقهم ودمائهم ووقتهم هذا المغرب الذي نتفسح الآن فوق أرضه ونتبجح بموروثه التاريخي أمام السياح والزائرين ، لتفرغت مؤسساتها المالية قبل الثقافية للمساهمة في إظهار الوجه البهي لحضارتنا التي يحاول البعض تمزيق أوصالها وطمس معالم رجالاتها .إن شيطان المال سرق من أغلب أغنيائنا ومسؤولينا وطنيتهم يضربون صمتا قاسياعلى آذانهم وعماءا سميكا على أبصارهم ،كلما تعلق الأمر برموز الثقافة والإبداع المحليين .فهذه بلاد مَن ودولة مَن إذا لم ننتبه جميعنا باستمرار أغنياء وفقراء ،سياسين ومثقفين وفنانين ومبدعين ودبلوماسيين ،إلى رجالاتنا الذين لا ينبغي أن نعتبرهم موتى وأشباحا من الماضي ندفنهم تحت أرجلنا ثم نتغنى بهم وبأفضالهم على البلد في المناسبات ؟؟!.دفناهم مرتين :مرة حين وضعنا جثتهم في أضيق حفرة، ومرة أخرى حين أهلنا على عطاءاتهم تراب النسيان. يقول المؤلف متحسرا على مآل ابن بطوطة :"...إلى أن عاد إلى مدينة فاس ،يحكي أحداث رحلاته على ملك المغرب "أبو عنان المريني "1358/1348 ليدفن رحمه الله بمسقط رأسه بمدينة طنجة ببقعة ضيقة لا تتسع لصلاة ركعتي التحية ترحما عليه ...."


0 التعليقات: