اخر المواضيع

الصحافة والأحزاب :عودة إلى من يهمه قتل السياسة


بات من المؤكد والواضح أن كثيرا من الأقلام ،الصواريخ المصوبة رؤوسها بحرفية ودقة متناهيتين نحو الأحزاب الوطنية والتاريخية ومنها حزب الإستقلال لا تنام .ولا يبدو في الأفق القريب على الأقل أن هذه الرؤوس الأقلام ستعدل عن خطتها ،بل إن حلقة التضييق والتشويش من طرفها على هذه الأحزاب ستزداد مع الأيام ،وأنه لن يهدأ لأصحاب هذه الأقلام بال ولن يستريحوا حتى ترفع هذه الاحزاب الراية البيضاء وتقفل مقراتها الحزبية والإعلامية والنقابية والجمعوية وتعلن الإفلاس ويذهب كل عضو فيها إلى حال سبيله. لا نقول هذا الكلام محبة في زرع الفتنة بين هذه الأقلام الصحفية المحترمة والأحزاب الوطنية .ولا نقول هذا الكلام الصريح والمباشر كذلك لكي نكبل اجتهادات هذه الأقلام ونقطع لسانها ونقف حاجزا بينها وبين وظيفتها الصحفية الحرة المتمثلة في البحث والتنقيب عن الحقيقة لتشكيل رأي سياسي عام واضح وصريح عن أوضاع ومسارات وآفاق هذه الأحزاب ، ولكن نقول هذا الكلام لنؤكد من جديد أن ما تتعرض له هذه الأحزاب- ومنها حزب الإستقلال- من ضربات صاروخية من منصات صحفية مستقلة إلى حد "الحكان على الدبرة "،لا نعتقد أنه سيعطي أكله من الناحية السياسية المحضة.قد تترك هذه الضربات نعم بعض الضحايا وهذا أكيد ، ولكن ضحايا الفهم الملتبس حتى لا نقول السيء لحقيقة ما جرى وما يجري وما ينبغي أن يكون ، وتخلق المزيد من سوء التفاهم والتوتر ودوام الضبابية بين هذه الأحزاب والصحافة .كما أن هذه الضربات المتتالية قد تؤثر -ولو في حدود معينة- على الرأي العام الخارجي قبل الداخلي بحكم أن الكلمة الحارقة أصبحت شرارتها تطير إلى كل أرجاء العالم بسرعة البرق ،ومع ذلك ليس من السهل على هذه الأقلام أخلاقيا ومهنيا ومدنيا كذلك كقوة فاعلة داخل الميدان أن تتمادى في هذا الإتجاه . فإشعال فتيل الحرب المستمرة بين السياسة والصحافة على حساب زعزعة الأحزاب واضطراباتها لن يخرج منها الجميع إلا متحسرا خاسرا . لذلك سيكون من الغباء التام التوهم أن زعزعة استقرار الأحزاب التاريخية بمثل هكذا أسلوب مقالات وحوارات ساخنة ،سيساهم في إصلاح الحياة السياسية من جذورها.فالخلل والمرض في أصله في نظرنا يعود باالأساس إلى الترهل والذبول الذي اكتسح تقاسيم الجسد السياسي المغربي منذ زمان العديد من الأطراف ساهمت فيه سياسيين وصحفيين ومثقفين ونقابيين و..و.. ،إضافة إلى التنازلات المتتالية التي قدمتها الأحزاب والنقابات كلها بدون استثناء بشكل صريح وشجاع أو مقنع من تحت الطاولة (النوار السياسي والنقابي) .لقد كان أولى في نظرنا على هذه الأقلام أن تدفع بشباب هذه الأحزاب إلى إحداث ثورة داخلية لتنظيف العمل السياسي والعمل على امتصاص المحطات الصعبة و تجاوزها بذكاء بالبقاء في الحزب لا بالعمل على تشويه سمعته والتحريض الضمني بأهمية وجدوى الإنسحاب منه .فهذا ما يريده أعداء السياسة في البلاد أي إفراغ الأحزاب من مناضليها الصناديد ومفكريها ومثقفيها (وهذا هو النزيف الذي نتمنى أن يتوقف) لتعويضهم بمناضلي بشكيطو والبترينة والشناقة والشكامة وسماسرة الإنتخابات وتابعي جيلالة بالنافخ .إننا بهذا القول لا ننصب أنفسنا طرفا مدافعا عن الضحية التي تعتبره هذه الأقلام المتهم الرئيسي في القضية (المفسد السياسي) .كما أننا لا ندافع عن هذه الأحزاب من منطلق اعتبارها مؤسسات خالية من التعفن والمشاكل والهزات و(القوالب)، فالأحزاب مثلها مثل أي تجمع بشري قد تصيبها من حين لآخر فيروسات وتظهر عليها أعراض الفشل التي يمكن أن تتعافى منها لو توفرت الشروط اللازمة لذلك ، وإنما ندافع عنها ضمن أفق سياسي أعم وأرحب، يندرج في سياق الإنكباب على استجلاء الأسباب الحقيقية التي أوصلت هذه الأحزاب إلى هذا الوضع أي الطعن المتواصل في مصداقيتها وتأليب الرأي العام عليها .فليس من المستبعد أن يكون وراء هذه الشجرة الملتفة حول أعناق هذه الأحزاب التي تثمر مع طلعة كل شمس أشواكا حادة وثمارا مُرة ، كائنات سياسية ضارية لا نقول بلغة رئيس الحكومة السيد بنكيران تماسيح أوعفاريت وإنما نقول جماعة من بني آدم من لحم ودم ، لها مصالح آنية ومستقبلية تهيء لها و لنفسها ولمن يساندها الآن ولو بالصمت المتواطئ الأرضية والظروف كي تنقض على الفريسة بعد إنهاكها سياسيا وإعلاميا ونفاقيا كذلك، بغية التخلص من جثتها ورائحتها الوطنية نهائيا، فتصبح الساحة أمامهاىبذلك فارغة إلا من هياكل سياسية كارطونية تفعل بها ما تشاء ،فتذبح وتسلخ في هذا الشعب الصبور والكريم ما يطيب لها الذبح والسلخ . إن الصورة ستزداد سوادا وقتامة في أعين المواطنين خاصة الشباب منهم ، إن ظلت بعض هذه الأقلام متمادية بشكل مفرط في هذا الإتجاه الذي لا نعتبره لحد الساعة مقصودا أو مأجورا. فضلاعن ذلك فالصحافة كانت دائما بجانب الأحزاب حتى في أحلك ظروفها ،تعاضد وتؤازر وتنتصر لقوى التقدم والتطور فيها . نعم للسياسة والأحزاب أخلاقهما والتواءاتهما .فكم من المحطات التاريخية سرق فيها الساسة من الجماهير والمناضلين الشرفاء دفء أحلامهم وبعثروا الجميع بلا رحمة على قارعة الطرقات الملآى بالشوك والحفر والإنتظارات، إما انصياعا لأوامر أو إشارات مخزنية ، أو رضوخا لأنانية القيادات الشائخة ، فهامت هذه الجماهير وعامت فرادى وجماعات في سراب الوعود الكاذبة حتى تمزق عقد النضال المتين وانفرطت حباته يمينا ويسارا ، وانكشف الغطاء عن كثير من الوجوه الخائنة وعم البلاء ،ومع ذلك ظلت بعض هذه الأقلام متشبتة بأسئلتها الحارقة الملحاحة تنسج حروفها الساطعة أمانيا وآمالا عل شيئا عظيما يورق في هذا البلد يليق بانتظارات الجميع .لقد مر أكثر من نصف قرن على ميلاد مغرب الإستقلال والحريات ،وأيا كان تقييمنا للحصيلة بين الصحافة وعلاقتها بالأحزاب فإن أحدا لن يستطيع أن ينكر دور الصحافة خاصة المكتوبة على وجه الخصوص في تعميق مجرى تطور الأحزاب السياسية على توالي المراحل والأجيال ،حيث كان لبعض الجرائد من الصدى والفاعلية والتاثير على مجريات الأحداث السياسية داخل أو خارج الأحزاب ما يفوق إجرائيا وميدانيا ركاما من التنظيرات والنظريات ،ونعني بذلك صحافة المعارضة السابقة (جرائد الإتحاد والعلم والبيان وأنوال..) التي تراجع بريق بعضها وأقبر البعض الآخر ،والصحافة المستقلة الآن التي أخذت المشعل، حيث أصبح هناك شبه إجماع على أنها جميعها كل في زمانه وشروطه ، أخذت أضعاف أضعاف الإستحقاق في هذا المجال. إننا نعترف أن الفكر السياسي للأحزاب الوطنية قد عرف بعد رحيل أو انسحاب المنظرين الكبار لها اهتزازا و عطالة ، إضافة إلى تراجع المنابر الإعلامية الحزبية وانتشار سياسة التكيف والدهاء والواقعية الجديدة المبنية على البراغماتية والبروباگندا للوصول إلى الحقائب الوزارية ، كما أصبح موعد انعقاد المؤتمرات الوطنية والجهوية والمحلية لانتخاب الزعماء والقيادين والمتحكمين في المفاصل والدروع فرصة و محطة للإنتقام والأنشقاق وتصفية الحسابات والمناورات وبروز رؤوس وتهميش أخرى ، مما يفتح شهية بعض الأقلام الصحفية للمزيد من النبش في أسرار هذه الجسد المنهك والخوض في مشاكله وتفاصيلة ونشر المثير من أخباره وأسراره والتي قد يكون بعضها في كثير من الأحيان مبنيا على أسانيد وروايات ذاتية مغشوشة ومهزوزة، وكأني بهذه الأقلام أصبحت اليوم لا تعرف انتعاشا ولا تتنفس ولا تقتات كي تستمر في الوجود والعطاء المتميز إلا من طعام الأحزاب المريضة ووهنها وكثرة مشاكلها. إن النظر إلى مهمة رجل الصحافة ووضعيته كفاعل سياسي في الميدان يوميا بمقالاته واستجواباته وكطرف مساهم في الإرتقاء بالعملية السياسية برمتها، يحتم عليه الوفاء لرسالته والنظر إلى مشاكل الأحزاب بنظرة الغذ لا بنظرة الأمس واليوم ،بالنظرة التي تواكب التطور ،لا تلك التي تدعو الحزب إلى التحليق عاليا لتطوير الأداء السياسي وتشد أجنحته بألف وتاد وتضع في طريقه ألغاما ومتاريس . كما يتحتم على هذه الأحزاب الوطنية أو التاريخية أن تطور أدوات اشتغالها وتفتح أبوابها لرياح التغيير الديمقراطي وتتخلص من عقدة الزعيم المنقذ والانشغال بهواجس الماضي نحن الذين أتينا بالإستقلال..نحن الذين أوصلنا المغرب إلى حقوق الإنسان والإستقرار..نحن ..ونحن..ونحن..وتنسى هذه النحن العجيبة التي تضخمت أكثر من اللازم ، أنها هي الأخرى ظلت مثقلة بالعيوب والأخطاء التاريخية الشيء الذي أدى ببعضها إلى ما نشاهده من تصدع وخراب.

0 التعليقات: