اخر المواضيع

المغرب والجزائر.. لغة جديدة في حرب المخدّرات







لم يكن من عادة المغرب أن يردّ على الجزائر في تلك الاتهامات التي كثيرا ما وجّهتها لبلادنا في ملف المخدرات. ينبغي التأكيد هنا أن هذه الاتهامات ظلت لوقت طويل جزءا أساسيا من خطاب الدبلوماسية الجزائرية إلى درجة أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ربط، أكثر من مرة، قضية فتح الحدود بين البلدين بشرط أن يكون المغرب جادا في محاربة المخدرات. وظلت وسائل الإعلام الجزائرية -لاسيما منها المقربة إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية الجزائرية- تضع في خطها التحريري هذه القضية ضمن أولوياتها، بل لا يكاد يمر أسبوع واحد دون أن تجد عنوانا أو عنوانين بالبنط العريض تتصدر صفحات الجرائد الجزائرية. وفي المقابل، عمد المغرب إلى انتهاج أسلوب تجاهل هذه الاتهامات أو انتهاج أسلوب الاتهام المضاد على اعتبار أن المنتظم الدولي يعلم جدية المغرب في مكافحة المخدرات والتزاماته الدولية بهذا الخصوص، سواء مع الأمم المتحدة أو مع الاتحاد الأوربي وشركائه في الضفة الشمالية، كما أن المنتظم الدولي يعلم أيضا مسؤولية الجزائر في تصدير الحبوب المهلوسة إلى المغرب عبر الحدود مع الجهة الشرقية. لكنْ، يبدو هذه المرة أن المغرب، عبر أجهزته الأمنية بمختلف مستوياتها وعبر الحكومة، اختار أن يغير لهجته تجاه الجزائر وأن ينتهج خطابا هجوميا يميل، من جهة، إلى توضيح البيانات والمعطيات للرأي العام، سواء منه المغربي أو الجزائري أو حتى الرأي العام الدولي، ويكشف، من جهة ثانية، الخلفيات التي تدفع الجزائر إلى انتهاج هذا الخيار. ضمن هذا السياق يمكن أن نفهم التصريح المشترك لوزير الداخلية السيد محمد حصاد ووزير الاتصال -الناطق الرسمي باسم الحكومة، السيد مصطفى الخلفي، إذ جرى تقديم المعطيات الكافية حول الالتزامات الدولية للمغرب مع الأمم المتحدة بخصوص مكافحة المخدرات، وحصيلة الإنجازات التي حققها في إستراتيجية المكافحة والتحديات التي يواجهها بلدنا بهذا الخصوص، ومدى الحاجة إلى التنسيق الإقليمي والجهوي والدولي لإعطاء فعالية ونجاعة أكبر لهذه الإستراتيجية. كما كشف التصريح المشترك الغطاء عن الجانب الخفي في هذا الملف، والذي يتعلق بالدور الجزائري، سواء من جهة تعطيل التنسيق المغاربي لمكافحة المخدرات والعمل على إبقاء الوضع على ما هو عليه، أو من جهة الضّلوع المباشر في تصدير نوع خطير من هذه المخدرات والمتعلق بالحبوب المهلوسة وكذا السجائر المهربة. بلغة أخرى، لقد اختار المغرب طريقة مختلفة للتواصل مع الرأي العام في هذه الحملة الجزائرية التي تستهدفه، فبدل أن يرد الاتهام بالتجاهل أو الاتهام المضاد كما كان يفعل من قبل، فقد اختار أن يعتمد على ثلاثة اتجاهات في الجواب عن هذه الاتهامات ليضع المنتظم الدولي والرأي العام أمام الخلفيات الحقيقية التي تحكم الموقف الجزائري: -الاتجاه الأول، وهو بيان جدية المغرب في وفائه بالتزاماته الدولية بمكافحة المخدرات. -الثاني، التأكيد على أن نجاح إستراتيجية مكافحة المخدرات يتوقف على التنسيق الإقليمي والجهوي ومسؤولية الجزائر في تعطيل هذا التنسيق بحكم مسؤوليتها في رئاسة اللجنة الفرعية المكلفة بمكافحة المخدرات التابعة لاتحاد المغرب العربي. -الثالث ضلوع الجزائر في تصدير نوع خطير من المخدرات إلى المغرب عبر الحدود الشّرقية، ويتعلق الأمر بالحبوب المهلوسة والسجائر المهربة. الواضح أن المغرب بهذه اللغة الجديدة وضع الجزائر في الزاوية الضيقة وأثار الموقف الدولي بخصوص مسؤوليتها وخرج بذلك من الزاوية التي كانت الجزائر تحرص دائما على أن تحشر فيها المغرب. فبدل أن تبقى المملكة دائما في موقع الدفاع عن هجوم الجزائر وتوظيفها للتقارير الدولية ولتصنيف المغرب ورتبته في ما يخصّ إنتاج القنب الهندي، اعتمدت اللغة الجديدة، أولا، على مبدأ الإقرار بوجود المشكلة، ثم اعتمدت ثانيا لغة المؤشّرات الرقمية والمعطيات البحثية لتأكيد جدية المغرب في مكافحة المخدرات، ثم أقر المغرب، ثالثا، بهذه اللغة الجديدة بمحدودية الإستراتيجية المعتمدة في غياب تنسيق إقليمي مغاربي، ثم كشفت المعطيات الخاصة بعرقلة الجزائر لعمل اللجنة المغاربية التي يجري في إطارها التنسيق لمحاربة المخدرات مغاربيا، وتركت الرأي العام يكتشف بنفسه الخلفيات التي تحكم الموقف الجزائري في توظيفه لملف المخدرات في معركته الدبلوماسية ضد المغرب. بوضوح أكبر، فقد أراد المغرب أن يوجه رسالة واضحة للجميع مفادها أن الجزائر لا يهمها أن تتقلص مساحة الأراضي المزروعة بالقنب الهندي في المغرب، ولا مصلحة لها في أن يحرز المغرب تقدما في مكافحة المخدرات، بدليل أنها لم تُبد أي تعاون يذكر في هذا الاتجاه، بل إن الجزائر تساهم بدور فعال في تعميق هذه الوضعية من خلال تعطيل مسار التعاون والتنسيق المغاربي لمكافحة المخدرات أو من خلال "التصدير" الكثيف والمخيف للحبوب المهلوسة والسجائر المهربة إلى المغرب. بصيغة أخرى، المغرب يريد أن يُسمع الجزائر وبصوت عال أن اتهاماتها المكرورة لا تخيفه، ما دام يعتمد لغة شفافة مع المنتظم الدولي ويبذل جهده ويقدم حصيلة إنجازاته بالأرقام، ويتعاون مع الأمم المتحدة وشركائه الأوربيين في هذا الاتجاه، وأن الكرة في ملعب الجزائر، التي لم تقدم إلى حد الآن أي بيانات بخصوص تملصها من واجبها في التعاون والتنسيق المغاربي لمكافحة المخدرات. لقد لعبت الجزائر لعبة ذكية أدارتها باقتدار لمدة طويلة، فرفضت تحسين العلاقات المغربية -الجزائرية، ورفضت الاندماج المغاربي ووضعت لذلك ذرائع ومبررات حاولت فيها وضع المغرب في الزاوية الضيقة، واستغلت قضية المخدرات شر استغلال لتبرير منع فتح الحدود.. واليوم، يبدو أن المغرب اختار أن يستعمل سلاحا فعالا في المواجهة، فبدل أن تكون مكافحة المخدرات شرطا لتحسين العلاقات وفتح الحدود كما هي اللغة الجزائرية، أصبحت النجاعة والفعالية في مكافحة المخدرات تتوقف على التعاون والتنسيق المغاربي، وهي اللغة المغربية التي تتقاسمها معنا الأمم المتحدة والشركاء الأوربيون، أي أن المغرب، من خلال هذا الرد الجديد، حوّل ملف المخدرات إلى نقطة قوة في خطابه الدبلوماسي، بعدما كان نقطة ضعف يستغلها الجانب الجزائري ويوظفها سياسيا.. وأكيد أن تحميل الجزائر مسؤولية عدم التعاون في الإطار المغاربي لتحقيق أعلى مستوى من النجاعة في مكافحة المخدرات سيدفع الجزائر إلى الزاوية الضيقة وسيساهم في جعل الموقف الجزائري يعيش عزلته الدولية، وربما يرغمها على التوقف عن الاستمرار في توظيف هذا الملف لأنه سيجرّ عليها، مستقبلا، مزيدا من الويلات. -صحيفة الناس


0 التعليقات: