حماس وجولات الحرب التي لا تنتهي
الخميس 14 غشت 2014 - 16:51
لم يوحد دول الشرق الأوسط والمغرب الكبير منذ موجة استقلالهم الوطني شيء أكثر من القضية الفلسطينية بيوميات نضالها ،وكان يكفي ان يقتل الاسرائيليون بضع شبان وأطفال حتى يتداعى الشارع العربي من المحيط حتى الخليج تنديدا وتضامنا ،وكانت الاسمنت الذي حكمت به أنظمة عربية مجاورة لفلسطين شعوبها لعقود من الزمن بيد من حديد فلا شيء يعلو على خطابة تحرير القدس أولا ،أما عنوان القضية فكان واضحا : ياسر عرفات باعتبار منظمته الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني كما قررته قمة الرباط ذات 1974 ،لكن مع قبول الزعيم الراحل بالمفاوضات السرية بأسلو وفق مبدأ خد وناضل بداية تسعينات القرن الماضي ،كان ذهن اسحاق رابين مشغول تماما بالبحث عن الطريقة التي سيحد بها من قوة ابو عمار وشعبيته الجارفة بين الفلسطينين لدى عودته لأرضه ،لم يكن هناك أفضل من غض الطرف على تنظيم اسلامي وليد في غزة ينشط به بضع متحمسين للتجربة الافغانية أيام حربها الدب السوفياتي ،فكان أن تعرض عشرات الشباب للإبعاد في شهر دجنبر القارس جدا الى مرج الزهور وتداول الاعلام قصتهم شهورا كان منهم الدكتور الرنتيسي وإسماعيل هنية وعزيز دويك ومعظم الكوادر التي تقود حماس اليوم ومنهم من استشهد في فترات سابقة ،لقد جعلتهم اسرائيل ابطالا من حيث تدري او لا تدري ،وصنعت لهم ماض نضالي ناصع في زمن قياسي،ما جعل من حماس رقما أساسيا في معادلة الفصائل الفلسطينية .ولعل اهم انجاز صنعته الحركة الاسلامية انها كانت حصاة في حذاء عرفات ابطأته أحيانا واستغلها بحنكة احيانا أخرى في مفاوضاته مع الاسرائليين وإدارة كلينتون مع كل مساومة على القدس الشريف ،لكن مع خروج ابو عمار من وضع شريك السلام في 2002 ثم من مسرح الحياة في 2004 تشعبت ارتباطات الحركة وجناحها العسكري مع ايران وسوريا وقطر وتركيا فيما عرف اعلاميا بمحور الممانعة ،وبدأت في تنفيذ اجندة بعيدة كل البعد عن جوهر القضية الفلسطينية .فقد استفادت أولا من سعة صدر محمود عباس بعيد فوزها بالانتخابات في قطاع عزة حيث حرص على احترام الخيار الديموقراطي ولم يستجب لكل الدعوات التي طالبته باقتلاع حماس وإعادة سيناريو الجزائر،وهو ما شجع الحركة فيما بعد على الانفصال بعد انسحاب شارون من أطراف غزة . الحركة التي تقوت كثيرا بفضل الدعم المالي الايراني والذراع الاعلامية لشبكة الجزيرة الأوسع انتشارا وتأثيرا وقتها خصوصا مع عدم وجود تقدم حقيقي على طاولة مفاوضات عباس واولمرت ،سعت الى تقليد حزب الله المنتشي بنصره على اسرائيل صيف 2006 ،وبعد مناوشات غير محسوبة التوقيت مع العدو وجدت نفسها تجر قطاع غزة الى حرب الرصاص المصبوب خلفت آلاف الضحايا والمعطوبين أواخر 2008 ،ومع التغطية الاعلامية المكثفة والمشاهد الصادمة لجثث الاطفال والنساء والدمار الشامل والقنابل الفسفورية اكتشف الرأي العام الدولي الوجه البشع للدولة العبرية والتي طالما قدمت نفسها للغرب على أنها واحة الديموقراطية في الشرق الأوسط وتستحق الدعم في مواجهة جيرانها المتربصين بها ،لم تنته الحرب إلا عشية تنصيب اوباما الذي اراد ان تكون المائدة ممسوحة في أول أيام رئاسته بالبيت البيضاوي ،طبعا كان لا بد أن يكون اخر الشهداء سمكة كبيرة تقدم كترضية معقولة للرأي العام الاسرائيلي لإنهاء الحرب ولم يكن سوى وزير داخلية القطاع سعيد صيام ،وهكذا فتحت أبواب تفاوض الحركة مع الغرب بوساطة كل من قطر وتركيا لتصبح حماس فعليا جزء من الصراع الايراني العربي ،وتحرج أكثر من مرة حليفها السني المصري سواء في قضية المعابر وقوافل المساعدات ،أو الانفاق والتي كثيرا ما تغاضى عنها الرجل الأول للاستخبارات المصرية عمر سليمان . ومع وصول رياح الربيع العربي لسوريا بعدما ضرب بقوة في تونس ومصر واليمن سارع خالد مشعل الى مغادرة دمشق ،ولأن الزمن السياسي كان اخوانيا بامتياز بادرت حماس الى قطع علاقتها مع ايران والدخول تحت جناح مصر مرسي باعتبارها ابنا شرعيا لتنظيم الاخوان المسلمين بفلسطين ،وهي الكفالة التي بدت واضحة غداة عدوان 2012 حيث نجح الرئيس المصري السابق في وقف الحرب على القطاع في أول تمرين سياسي خارجي له لتسويق قدرة الاخوان على التعامل مع الازمات السياسية الدولية ،وهو المعطى الذي أبهج الادارة الأمريكية والغرب ،وأقنع السفيرة الأمريكية بمصر حينها بضرورة منح الفرصة كاملة لتنظيم الاخوان لتسيير شؤون المنطقة ،ومنها تسويات الهدنة وتبادل الاسرى بين حماس واسرائيل. التطورات اللاحقة كانت مربكة جدا لحماس ،فحكم الاخوان سقط بمصر بعد سنة واحدة فقط ،والأزمة الاقتصادية مشتعلة بالقطاع نتيجة شح الاعانات وضجر الغزاويين من القبضة الصلبة لحكم الحركة المديد بشكل لا يوحي بأفق لانفراجه ،ما جعل هامش التحرك يضيق لتجد حماس نفسها في مفاوضات مباشرة مع عباس لتحقيق حلم احياء الوحدة الفلسطينية بعدما انفرط عقد تحالفها مع مصر . هل كان ممكنا توقع الجولة الحالية من الحرب ؟ الى حد كبير نعم ،فمع تمدد داعش شرقا وتهديدها المناطق الحيوية لايران من الموصل حتى بغداد وبسرعة قياسية لم تعهدها الدولة الفارسية حتى في عهد صدام ،وجدت ايران نفسها مجبرة على احياء تواصلها مع حليفها السابق في غزة ،وطلبت منها اشعال المنطقة وتحريك صواريخها التي تعرف كيف تتجنب الاسرائليين ببراعة ،وسيتكفل اردوغان وقطر بالتسويق الاعلامي لمبادرة وقف اطلاق النار وقطع الطريق عن أي مبادرة مصرية في اشارة لتجدد صراع محوري الممانعة والاعتدال حول زعامة المنطقة .لولا أن الاعلام المصري فقد صوابه هذه المرة تماما . لا حماس ولا الجهاد قادرة على ضرب تل أبيب ضربات موجعة ولا اسرائيل قادرة على مسح غزة وتغيير الوضع بالكامل ،ومن أجل الوصول الى هدنة بوساطة مصرية قد لا تختلف عن سابقاتها بين طرفي المواجهة يجد الشعب الفلسطيني نفسه في حرب لم يقرر بدايتها ولا بمقدوره صناعة نهايتها ،فقط هو مجبر ان يقدم مئات الشهداء من الاطفال والنساء والشيوخ والشباب،ومشاهد مرعبة ومؤلمة من جثث ضحاياه تتناقلها الوسائط الاعلامية كمأساة انسانية كبرى في جبين المجتمع الدولي،وان تختزَل قضيته وحقوقه الطبيعية في القدس وحق العودة والأرض والماء في الوعي العالمي لمساحة غزة الصغيرة ومطالب انسانية هزيلة وإعادة الاعمار .وسيكون هدوء مؤقتا وزعما بالنصر بحنجرة مشعل في انتظار جولة اخرى حينما سيحس احد طرفي المواجهة بقدرته على تغيير بعض تفاصيل الهدنة لصالحه ليتكرر نفس السيناريو : بضع صواريخ من حماس تقابله مئات الغارات الجوية المدمرة من اسرائيل وآلاف الشهداء الشباب فتنديد دولي واسع ،ليعود الجميع لطاولة مصرية للتفاوض حول المعابر والأنفاق والشريط البحري المتاح للصيد ،ليتأجل الحلم الفلسطيني في اقامة دولتهم الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية جنبا الى جنب مع دولة تبحث اليوم عن اعتراف دولي بيهودية دولتها ،ويشعر قسم مهم من ابنائها امتغاضه من الايغال في الدم الفلسطيني وخسارة تعاطف الغرب معها،حلم لن يتحقق إلا بتخلي الفصائل الفلسطينية عن ارتباطاتها الخارجية ،والالتحام حول فكرة موحدة مفادها ان القضية الفلسطينية هي قضية الفلسطينيين وحدهم باتحادهم ونبذ شقاقهم ،وليست قضية العرب أو ايران أو المسلمين إلا بمقدار مصلحة الفلسطينين ،وحينها لن يعدموا وسائل المقاومة والضغط لانتزاع حقوقهم ،هكذا فعلت الهند وحدها مع الانجليز ،وهكذا فعل الفيثناميون من دون مساعدة أحد مع أكبر قوة عسكرية عالمية .أما العنوان المقبل للقضية والمقبول من كل الأطراف هذه المرة والقادر على جمع شتات الفصائل الفلسطينية وتغيير سيكولوجية الشعب الفلسطيني بما راكمه من نضال حقيقي فهو الأسير الفلسطيني مروان البرغوثي ،هل تتذكروه ؟
0 التعليقات: