هل الجنين جزء من جسد المرأة ؟
الاثنين 20 أبريل 2015 - 15:57
لم يعد الحمل لغزا محيرا ، فقد تم اكتشاف أغلب أسراره وطلاسمه ،ومن الحقائق التي لا غبار عليها علميا الآن، أنه بمجرد تخصيب الحيوان المنوي للبويضة الانثوية ، تتكون وحدة جديدة كل الجدة هي البويضة الملقحة أو اللاقحة التي تحمل ضمنها مشروعها وبرنامجها المنفرد بذاته . أي حياة جديدة منفرزة منذ اللحظة الصفر. هذه الوحدة الجديدة، ليست مجرد جمع بسيط بين كروموزمات الخليتين التناسليتين للرجل والمرأة ، بل هي نتيجة لاندماج والتحام وانصهار بينهما تفقد فيهم هاتان الخليتان السابقتان كل وجود واستقلالية، لتشرع الوحدة الجديدة -المختلفة عنهما اختلافا نوعيا- في الوجود, وتبدأ في تطبيق وتنفيذ برنامج نموها وفقا للشفرة الجديدة الناشئة في الجينوم الجديد , أي أننا نكون منذ اللحظة الأولى لعملية الخلق والإخصاب أمام مشروع إنسان آخر، وأمام خلق آخر متميز عن أبويه له وجود بذاته. أي أمام حقوق للغير لا يجوز لا للأب ولا للأم ولا للطبيب ولا للمشرع ولا للمجتمع المساس بها بالإجهاض. هذه حقائق علمية لا ينكرها الا جاحدا للمنطق العلمي وللإعجاز الإلهي في عملية الخلق الذي عبر القرآن الكريم بقوله سبحانه " وخلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه" فالنطفة الامشاج هو ذاك الانصهار، الأصلي المؤسس الخالق للجنين ذو الخلية الواحدة. هذه الخلية التي هي برنامج معلوماتي مستقل عن الأم، والتي ينحصر دورها فقط في أن تهيء له الظروف المناسبة، لكي يفصح عن نفسه ويتجلى. إذ منذ الوهلة الأولى لا يكون بين الجنين والأم إلا نفس العلاقة التي بين الشريحة الالكترونية وشاشة الحاسوب أو الحاسوب. يتميز نمو الجنين منذ البداية بعدة خصائص دقيقة جدا، منها التناسق ونعني به قدرة ألاف الجينات على التنسيق المحكم بينهما، مما يمنحنا وحدة جديدة، يمكن لها أن تتطور في الزمن الذي هو مدة الحمل وفي المجال الذي هو الرحم أو جسد المرأة وكذا خاصية الاستمرارية، ذلك أن دورة الحياة الجديدة تجري بتواصل دون انقطاع ، ودون توقف أو كلل أو فتور ، فتخلق الخلايا وفرز الأنسجة وتكون الأعضاء واكتساب هذه الأعضاء لوظائفها، واكتمال أداء هذه الوظائف، كلها مراحل نمو تجري على قدم وساق، وتتم دون توقف أو التقاط أنفاس، عملية مستمرة، أطوار لا يعقب بعضها بعضا فقط ، بل إن كل طور لا حق منها يضم ويحتوي ويمتص الطور السابق. هناك تداخل وسرعة في بناء الجنين لنفسه دون انقطاع، لدرجة أنه في نهاية الأسبوع الثامن، يكون البناء النهائي للجنين قد تم , في إطار مصغر بالطبع ، فكل خصائص الإنسان بما فيها نوع جنسه تكون حاضرة بالشكل الذي ستتجلى فيه عند الولادة. يتحقق ويتأكد الجنين إذن من خلال إنتاج وتوجيه ذاتي للبرنامج الموجود في جينومه منذ الإخصاب ، لكن هذه الاستقلالية لا يجب أن تأخذ في معناها المطلق ، هذا لا ينقص أبدا من ماهية وجود الجنين في معناها الفلسفي. فهذه الاستقلالية المطلقة عن المحيط لاتوجد حتى بالنسبة لنا نحن الراشدين . نحن نحيى لأننا نتفاعل مع محيطنا أيضا ، هو الذي يمدنا بالأوكسجين لنتنفس , وبالتغذية الضرورية لنكبر ونتقوى ونستنبط الطاقة لكل الأعضاء... الخ , إن هذه العلاقة التي تربطنا بمحيطنا هي نفسها العلاقة التي تربط بين الجنين ورحم أو جسد المرأة، حيث يقول الله تعالى "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين" ففي هذه الآية الكريمة يصف الله رحم المرأة بالقرار المكين وهو ما يتماهى مع الحقيقة العلمية تماهيا مطلقا، حيث أن على الرحم مسؤولية إيواء الجنين وترويته وتغذيته، بل وحمايته و الحرص عليه بمنآى عن كل أذى أو ضرر، باعتبار الأم حاملا للجنين وفضاء لنموه لا غير. ولذلك فإن القول بأن الجنين جزء من الأم هو مجرد خطأ فادح وجهل ذريع بالعلم و الطب معا وخداع إيديولوجي يتخفى تحت طاقية العلم. هناك عدة أدلة كثيرة على هذا : 1ـ يمكن أن يتم الإخصاب خارج الرحم ( أطفال الأنابيب) وأن تتطور بعد ذلك البويضة الملقحة إذا وضعت في وسط ملائم ومغذي بميكانيزمات ذاتية بعيدا عن الرحم . 2ـ وكذلك يمكن للخلاليا الجنينية أن تتطور في حالة زرعها في أعضاء رجل ذكر وإلى مراحل متقدمة وهذا كله يعني ان نمو الجنين مرتبط برحم الام بصفته عاملا خارجيا عنه . ذلك أن العوامل الداخلية للجنين هي العوامل المحددة والحاسمة . ولتلخيص الخطاب حول نمو الجنين من خلال مقاربة جينية يمكنني أن استعين بالمثال التالي : لبناء منزل نحتاج للمهندس الذي يضع التصميم ، وللمقاول الذي ينسق ويوجه عملية البناء. وللعمال الذين يشيدون البناء و لمواد البناء ولبناء الجنين فإن البويضة الملقحة تؤمن كل هذه الوظائف مجتمعة ولوحدها : التصميم التنسيق . البناء ومواد البناء . كل هذا موجود، والبويضة الملقحة أو الاقحة مكتفية بذاتها . فكما أن ملامح المنزل تظهر منذ التأسيس، فإن بنية الفرد تظهر،كذلك بمجرد ما أن يظهر الجنين . الفرق بين المثالين هو أن المهندس والمقاول والعمال يشيدون بناء منفصلا عنهم بينما الجنين على عكس ذلك يشيد نفسه بنفسه والأم لا توفر سوى فضاء العمل ومايلزم لصناعة مواد البناء . هذه مسلمات علمية وليس أراء . وكل نقاش يروم أن يكون نزيها، ينبغي له لزوما ان ينطلق منها، أيا كانت المرجعية إسلامية، أو علمانية، دينية أو علمية، أو حقوقية محافظة أو حداثية، ولذلك فان الشعارات التي تدفع بأن الجنين جزء من الأم، وان الأم من حقها أن تتصرف في رحمها وفي الجنين . وبان الأم لها كامل الحق في ان تسير بالحمل لنهايته أو تجهضه إن أرادت . وإن الإجهاض هو كغيره من العمليات هي شعارات جوفاء ومضللة، ومغرقة في الخطأ، متعارضة مع العلم قبل أن تتعارض مع الأخلاق أو مع الدين. وفي الأخير أنه لَبِوُسْعِ الجميع حتى عامة الناس ومن دون أن يهتدوا بعلم البيولوجيا وعلم الجينات، وبالبديهة فقط أن يتوصلوا إلى الحقيقة الساطعة التي هي ان الجنين ليس جزءا من الحامل ، بدليل انه لا يتصور جنين بدون أب شارك في الإخصاب، وبدليل إن فصيلة دم المولود الجديد تكون مغايرة لفصيلة الأم الدموية. كما أن الحامل الأنثى بطبيعة الحال تلد الذكر أيضا، بل ويمكنها تأجير رحمها لتحمل فيه غيرها وتلد طفلا بالتالي من غير صلبها (علميا) ولهذا فإن الجنين هو إنسان في طور النمو. هذا النمو الذي كما نعرف جميعا هو عملية متصلة، وهو لا يتوقف حتى بعد الولادة في مرحلتي الطفولة والمراهقة. لذلك ينبغي عدم المساس به طوال الحمل،فمن هنا تبدأ حقوق الإنسان وحقوق الطفل، ومن هنا تبدأ التربية على حقوق الإنسان أيها الحقوقيون. -البروفيسور أخصائي مستشفى الولادة السويسي
0 التعليقات: