عبد الرحيم العلاّم .. باحث شاب قادته العِلمانية إلى مسار جامعي مُتميِّز
الخميس 03 يوليوز 2014 - 04:40
طوال شهر رمضان الكريم، تقترح عليكم هسبريس التعرّف على مسارات شباب مغربي مبدع في مختلف المجالات، سواء أولئك الذين نالوا من الشهرة عتيا، أو أولئك الذين يعملون في الظل غير آبهين بأضواء النجومية. وذلك من خلال الكتابة عن مساراتهم وإجراء دردشات قصيرة معهم تقدم بعض الومضات الخاصة بنجاحهم. مقالاته تتحدث عن أفكاره الجريئة، فهو يناقش على الدوام الجوهر ولا يلتفت للهوامش المضللة، يختار مواضيعه بكثير الدقة، ويكتب بشكل رصين يختزل تجربة سنوات من معاشرة الكتاب. عبد الرحيم العلام، الشاب الباحث في العلوم السياسية، هو واحد ممّن اهتموا بموضوع العَلمانية بشكل كبير، لدرجة أن ناقشها في بحث الدكتوراه الخاص به خلال الأيام القليلة الماضية، والهدف من هذا الاهتمام هو إماطة اللثام عن كثير من التمثلات السطحية عن هذا المفهوم. وُلد بقرية صغيرة بنواحي مدنية الجديدة سنة 1980، ولج إلى المدرسة وعمره لم يتجاوز خمس سنوات ونصف، في وقت كان فيه السن القانوني هو سبع سنوات، صبر على طول المسافة الفاصلة بين قريته والمدرسة والمسالك الوعرة والمخيفة وعلى المحفظة الثقيلة والزاد القليل، وكان من بين خمس فقط ممّن استطاعوا الحصول على الشهادة الابتدائية في تلك السنة، وواحد من أربع فقط ولجوا المرحلة الإعدادية، أكمل مساره التعليمي إلى حين حصوله على شهادة الدكتوراه في القانون الدستوري وعلم السياسة.يعيد عبد الرحيم سبب اهتمامه بالبحث في موضوع العلمانية، إلى ندوة حضرها قبل عشر سنوات، كانت عن هوية الدولة في الاسلام، شنّ فيها زعيم سياسي هجوما على العَلمانية ناعتاً إياها بمختلف النعوت السلبية، وخلالها سأل واحد الحضور هذا الزعيم عن سبب غياب يوم دراسي يُعمّق فيه البحث حول هذا المفهوم، لكن جواب الزعيم كان:"يا سيدي.. إننا لم نجتمع أصلا إلاّ من أجل محاربة العَلمانية والعلمانيين".ويؤكد العلام أنه درج منذ ذلك الحين على قراءة كل ما يصادفه حول الموضوع من باب القراءة الحرة، ولم يدُرْ في خلدهِ أن ينجز بحثاً لنيل شهادة الدكتوراه حول العلمانية، دون أن ينفي أن مواقفه لم تحسم رفضه المسبق للعلمانية على أساس أنه ينتمي إلى بيئة محافظة بطبعها حيال كل شيء وافد أو جديد.هكذا كان الأمر حتى اكتشف العلام كتابا مهما للفيلسوف الألماني هانز بلومانبرغ بعنوان: شرعية الأزمنة الحديثة، نبهه إلى مسألة عميقة وهي أنه كما يقول أحد الفلاسفة "ليس الجهل وحده عدو للمعرفة، بل إن أكبر عدو للمعرفة هو وَهم المعرفة"، لذلك صار اهتمامه بالعلمانية أكثر موضوعية.يستنجد العلام بما وقع في مصر سنة 1920 عندما ترشح لطفي السيد للانتخابات، وما وقع له من تشويه ونشرٍ لأخبار عن كفره لسبب وحيد هو أنه آمن بالديمقراطية التي كانت الأوساط المحافظة تراها خروجاً عن الملة، كي يؤكد العلام أن هناك التباساً خطيراً التصق بمفهوم العلمانية، جعلها في مصاف الكفر والزندقة وكل شيء سلبي. "لاحظت أن الكثيرين من رافضي العلمانية لا يعرفون عنها إلا صورتها الشائعة التي روّجت لها بعض الأوساط، كما أن أغلب الذين يدْعون إلى العلمانية في البلدان ذات الأغلبية المسلمة يسيؤون إليها سواء بأفعالهم أو أفكارهم. لذلك جاء بحثي في موضوع العلمانية للحديث عن أن هناك تواريخ للفكرة وليس تاريخا واحدا منجزا، وأن سياقات وتطبيقات العلمانية متعددة ومتنوعة بحسب الدول". يقول العلام.ويستنتج العلام أن هدف الدولة العلمانية هي إقامة الجنة الأرضية إن استطاعت إلى ذلك سبيلا، على أن تكفل للمؤمنين من مواطنيها حرية إقامة جنتهم في الآخرة، منتقداً مقولة "العلمانية هي فصل الدين عن الدولة"، فهي مقولة إعلامية مختصرة تسيء للعلمانية بشكل كبير.يتفاءل العلام بقدرة الشباب المغربي على التغيير، ويشير أن الشاب المثقف لا يعني بالضرورة أن يكون متعلماً: "نحتاج أن يتحوّل متعلمونا إلى مثقفين يمكن من خلالهم المساهمة في بناء وطن حر ومستقل عن الجميع. وطن يتّسع للجميع وفق بناء ديمقراطي يضمن المساواة والعدالة الاجتماعية، حتى لا تتكرر المآسي وتضيع الفرص السياسية والاقتصادية والاجتماعية".وعن جرأته في التحليل وتسمية الأشياء بمسمياتها، يقول العلام: "أنا أكتب في إطار ما يكفله القانون والدستور، لأن هناك ممنوعات يتواطأ المجتمع على جعلها كذلك بينما القوانين تراها من المباح. للأسف هناك ناس جعلوا لأنفسهم خطوطاً حمراء ضد ما يسمح به الدستور والقانون، وضداً على هامش الحرية الذي يحتاج من يوسعه لا لمن يضيّقه".