ترمضينة IV : حزب الاتحاد الاستقلالي للعدالة والتنمية
الاثنين 14 يوليوز 2014 - 02:26
المشهد عبارة عن مناسبة اجتماعية، دعا فيها رجل، يحظى بإجماع الفرقاء السياسيين، أمناء أحزاب سياسية مشاركة في الحكومة و أخرى معارضة. في الحديقة موائد متناثرة تنتظر ساعة أذان المغرب لكسر الصيام على إيقاع خرير مياه النافورة الرخامية المحاطة بالخضرة والى جانبها صف من "السربايات" اللائي يدخلن في فصيلة "الوجه الحسن" واقفات بقفازهن الأبيض و عرهن المصفف بعناية في انتظار صوت مؤذن مسجد "لالة سكينة" الذي سيعطي الإذن بملء البطون. جلس رئيس الحكومة في المائدة الوسطى وفق ما تقتضيه مركزية الوظيفة التي يؤديها داخل هرم الدولة وعلى يساره صاحب المناسبة فرئيس حزب الوردة الذي كان يتحدث في هاتفه النقال مطأطأ رأسه مما جعل ياقة قميصه الأزرق ترتفع الى أعلى بفعل ضغط كتلة اللحم التي تدلت من أسفل ذقنه. في يد رئيس الحكومة سبحة يداعب حباتها بدون حمدلة ولا بسملة ولا ذِكْر لأن الرجل كان منشغلا بممازحة رئيس حزب السنبلة وهو يقول: نتا عطيناك وزير التعمير وسي دريس نعطيوه وزير التعمار حيت من نهار خرج للمعارضة وهو كايعمر للأغلبية الحكومية فالشوارج..". رفع إدريس عينيه في عبد الإله باسما قبل أن يطأطأ رأسه من جديد ويختفي عنقه وسط السمنة التي تلفه مكملا الحديث مع مهاتفه. في مائدة رئيس الحكومة كرسي واحد شاغر. أشار صاحب البيت، برأسه، غير ما مرة لرئيس الخدم بأن يبقي المكان فارغا وكأنه ينتظر شخصا مهما وحده يستحق الجلوس في مائدة القيادات الحزبية الحاضرة الى جانب صاحب المناسبة. مع قول "الله أكبر" دخل زعيم حزب الاستقلال بتؤدة غير مستعجل ولا مهرول يقوده رئيس الخدم نحو الكرسي الشاغر. تغيرت ملامح عبد الإله عندما رأى حميد يتقدم نحو مائدته بينما وقف محند ودريس وصاحب البيت للسلام على صاحب الميزان. تجاوزا للإحراج خاطب صاحب الميزان الجمع بالقول "لا سلام على طعام.. حتى نفطرو عاد نسلمو". جلس الجميع دون عناق ولا قُبَل ثم نظر صاحب البيت للوافد قائلا "مرحبا نهار كبير هذا" أخرج محند نواة التمر من فمه وهو ينظر الى حمرة الحرج البادية على وجنتي رئيس الحكومة والتي يغطيها ما تبقى من شيب أبيض مر فوقه "الطاندوز" بينما أكمل إدريس مضغ "بريوة" مملوءة بالجمبري المتبل والبارد برودة الأجواء في ذلك الحفل الصيفي. فهم عبد الإله أن حميد مصيبة نزلت من السماء وأن المناسبة تقتضي كسر الجليد الذي ترسب طوال أشهر الخصام بينه وبين غريمه منذ مغادرة وزراء حميد للحكومة فخاطبه بالقول: شفت رمضان ما دّا منك والو أسي حميد؟ فأجابه حميد: تدربنا على الجوع.. من نهار وصلتي للحكومة أسي عبد الاله ولمغاربة صايمين. إنفجر الجميع ضحكا لقوة ضربات البينغ بونغ التي تبادلها حلفاء الأمس فكان الضحك فاتحة للخوض في مواضيع عدة. غير بعيد عن المائدة تبث شاشة تلفاز مسطحة ريبورتاج إحدى الفضائيات الدولية عن المعالم الإسلامية في مدينة فاس. نظر حميد الى الشاشة التي تعرض زقاق المدينة الضيقة و المنارات و القباب فقال: هاد الريبورتاج مصور قديم. أجابه عبد الاله: الحمد الله لي مصور قديم كون جاو دابا شنو غايصورو في فاس برج إيفيل المصغر أو قبة ماك دونالد اللي فالرومبوان. أحس محند بتوتر غير معلن فطلب من صاحب البيت التحول من القناة الفضائية الى القناة الثانية معترفا بإعجابه الشديد بسلسلة "الكوبل". نظر إليه ادريس لمحند فقال: الكوبل هو كون جا عبد الله باها يعاون اسي عبد الإله على سي حميد. فضحك الجميع مرة أخرى. دبلوماسية محند دفعته للقول: واش بغيتو المعقول رانتوما كاملين كأحزاب ترأستو الحكومات وانا شاركت فيهم كاملين و كلكم بحال بحال من سي عبد الرحمان حتى لسي عبد الاله و حنا حكومات تصريف أعمال لا أقل و لا أكثر.. إيوا خليونا من الشدان و الضحك و التقلاز من تحت الجلابة. قال إدريس وحميد وعبد الاله بنفس النبرة و الايقاع و في وقت واحد: عندك الصح أسي محند. ضحك صاحب البيت وقال: شي حد كايتكلم فيكم. على رأس الضيوف كان خادم شاب، يبدو أنه متتبع للمشهد السياسي بكثير من المعرفة و العمق، وضع كأس عصير أمام رئيس الحكومة ثم خاطب الجمع: الى كنتو بحال بحال أسسو حزب و سميوه حزب الاتحاد الاستقلالي للعدالة و التنمية. نظر الجميع الى الشاب بأفواه فاغرة لتنتقل الكاميرا من مشهد حديقة الإفطار الى مكان مظلم، ضيق ينبعث منه أنين جسد منهك و رائحة جثة نتنة و صوت كلاب الى جانب صوت جرافة و في كل هذه الضوضاء يسمع دعاء إمرأة، بصوت منهك، لا يفهم منه سوى "ياربي شد الحق فهاد الناس اللي حاكمينا.." تخرج الكاميرا من شقوق ضيقة فيظهر شعاع ضوء مسلط على زجاج مكسور لصورة ممثلة هاوية و بجانب الصورة ساعة توقفت عقاربها ثم ترتفع الكاميرا نحو الأعلى فإذا برجال الوقاية المدنية منهمكون في رفع كثل الحديد و الاسمنت عن أجساد لازالت مدفونة تحت أنقاض البيوت المنهارة بحي "بوركون". إقترحت هذا السيناريو على صاحب شركة إنتاج معروفة قصد تحويله الى فيلم قصير فأخبرني أن الفكرة عميقة و رائعة لكنها لن تحضى لا بترخيص أو دعم المركز السينمائي ولا بتوزيع في دور السينما ولا بث على شاشات التلفزيون. أخبرته أن مؤسسات المغرب ليست ديكتانورية إلى الحد فأجاب: سولني أنا. بعد ذلك أرسلت الفكرة الى محمد التسولي عبر الايميل. فرح الشاب كثيرا بالمقترح لكنه نبهني الى كلفة الإنتاج الباهظة التي تدفعه الى تصوير "التسوليزم" بكاميرا بسيطة و بث الحلقات على اليوتوب حيث لا عراقيل ولا تراخيص ولا رقيب إلا الضمير.