اخر المواضيع

ترمضينة III: "دانون" البرلمانية في قفة الملك







صورة لطيفة الزيواني، عضو مجلس المستشارين عن الفريق الاشتراكي، وهي "تتكرم" بياغورت على طفل فقير صحبة والدته مشهد مقزز وباعث على الشفقة. الذي يستحق الشفقة هنا هو البرلمانية وهي تنظر منتشية الى عدسة هاتفها النقال، الذي التقطت به الصورة، لأن الذي ظهر فقيرا هو المستشارة والحزب الذي زكاها والغرفة التشريعية التي تجلس فيها حيث الخلاصة هي أن الفقر في المغرب ظاهرة أفقية وعمودية تخترق القلوب والأدمغة والجيوب.فلنتجاوز مشهد البرلمانية مؤقتا و ننظر الى الموضوع بالعمق الذي يشرح ظاهرة "شوفوني أنا حنين" بما يسمح بفهم أفضل لهذا السلوك الذي أضحى شعيرة يومية يمارسها الساسة و عدد من المحسوبين على الصف الفني و الرياضي و بعض جمعيات المجتمع المدني التي تركت الممارسة التنموية الحقيقية في واد و ارتمت في شعاب الفعل الاحساني و المنة اللذان يقتضيان العرفان و شكر المنان من طرف المظلومين الذين هضمت حقوقهم الاقتصادية و الاجتماعية.إن المسؤول الأول عن هذا كله هو "الرمز"!و الرمز أو النموذج هو منتوج تنتجه آلة إعلامية ضخمة وفق استراتيجية واضحة المعالم تجعله أيقونة مميزة و متفردة حد الأسْطَرَة.

سنتحدث عن المغرب، لكن دعونا نبدأ بالغرب حيث الرموز متعددة بتعدد التخصصات و تنوع القنوات.في الغرب رموز فنية و رياضية و سياسية و أخرى دينية و غيرها لأن السوق الاعلامية مفتوحة و منفتحة و رساميلها متعددة و غاياتها تختلف بإختلاف الرساميل التي تمولها و المبادئ التي تؤطر الآلات الإعلامية المختلفة التي تصنع "الرمز".لكن في المغرب، حيث السوق الإعلامية مغلوقة و منغلقة فإن الرمز الوحيد و الأيقونة الوحيدة هي الملك. لذلك لُقِبَ الملك الراحل الحسن الثاني بـ"الأول" في كل شيء.الرياضي الأول الذي رمى كرات الغولف في كل حفر الوطن و اللاعب الأول الذي تتبرك الكرة بملامسة حذائه البراق بمناسبة المبارات النهائية في كل دورة من دورات كأس العرش. كما أنه الفنان الاول ببنديره الشهير في صورة تجمعه بالجوق الوطني للإذاعة و التلفزة المغربية.. الحسن الثاني أسطورة بفعل إعلامه المغلق الذي يذيعه في نشرات إخبارية لا تنتهي و هو الحاضر دوما بفضل سلطة ثم عقلية تفرضه في الصور المعلقة في الساحات و الجدران فتجد الملك حاملا هاتفه في مقرات البريد و محتسيا كأس شاي في صورة عملاقة على رأس "كيسيير" في مقهى أو متكأ على باب من عود "أرابيسك" عند نجار.. و قد قيل، و الله أعلم، أن "لامين" الجزارين في إحدى المدن علق لافتة بمناسبة عيد وطني كتب عليها ما معناه "أسرة الجزارين تحيي الجزار الأول بمناسبة عيد كذا.." مما استنفر السلطات هناك.

مع جلوس الملك محمد السادس على عرش المملكة، ظهر العاهل و هو يخرج عن البساط الأحمر ليسلم على الواقفين في جنبات الطرق كما شاهد المغاربة ملكا بسلوك مختلف عن والده يحدث الفقراء و يعانق أشخاصا في وضعية إعاقة.. الى آخره.قُرْبُ الملك الجديد من ذوي الاحتياجات الخاصة أحسبه، و هذا انطباع شخصي، راجع لتعاطف ظاهر من رئيس الدولة اتجاه هذه الشريحة من المجتمع و هو ما جعل فريقه في التواصل يلتقط هذا التعاطف و يبني صورة لـ"ملك الفقراء" ليجعل من فعل الإحسان و الصدقة جسرا تواصليا يعبر به الملك الى قلوب رعاياه.تكاثرت المبادرات الاحسانية و "أوراش" الصدقة فأخدت طابعا مؤسساتيا من خلال مؤسسة محمد الخامس للتضامن ليختلط مفهوم "العطاء" بمفهوم "التنمية" فيما يشبه التغطية المقصودة على كل أعطاب السياسة الاقتصادية و الاجتماعية التي راكمتها و مازالت تراكمها الدولة التي تخطو خطوها الحثيث في نفق يبدو أن لا نهاية له.يشاهد الملايين من المغاربة ربورتاجات مفصلة للملك و هو يتنقل بين مساجد المملكة منصتا لخطبة الخطباء في صلاة الجمعة كما يشاهدونه و يحمل قفة مملوءة بقوالب السكر و الزيت و الدقيق التي يساعد بها عددا من المعوزين.مع نفس المشاهد تظهر صورة زعيم حزب الاستقلال و هو يسبح بحمد ربه فوق سجاد الصلاة أو صورة وزير العدالة و التنمية لحسن الداودي و هو يجالس بعض المواطنين البسطاء على رصيف إحدى الطرقات أو عمدة مراكش عن حزب الاصالة و المعاصرة و هي توزع بعض الدرجات أو المستشارة البرلمانية عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية و هي تقترح على ذلك الطفل الفقير تذوق مذاق الياغورت اللذيذ عله ينسيه مرارة الفقر و الفاقة.تتضاعف مشاهد التدين و الصدقة عند الساسة و بعض الفاعلين المجتمعيين، فيما يشبه التشبه بالملك أو منافسة الملك، في شهر رمضان لأن بنكرياس الدولة و الأحزاب و الجمعيات يفرز هرمون التضامن بشكل أكبر في هذا الشهر الفضيل.ما الحل إذن؟يبدو لي أن المجتمعات المتخلفة، و منها مجتمعنا المغربي، في حاجة الى تعدد الرموز و النماذج كما أن مجتمعنا في حاجة الى تنشئة جيل قادر على تشكيل رموزه بحرية تامة و تربيته على أخد مسافة نقدية من سلوكيات الرموز و"الأيقونات" حتى لا يتم تأليهها والدفاع عن أخطائها مهما بلغت فداحتها.الوصول الى هذه النتيجة لن يكون الا بإعادة بناء مدرسة عمومية تنتج المعرفة و المواطنة الكاملة و تحرير الإعلام الذي بقي رهينة في يد الدولة التي تستعمله بوقا للدعاية بدل أداة للنقاش و إيصال المعلومة بكل التجرد الممكن.في غياب مدخلي المدرسة و الإعلام المُواطِنَيْنِ سنبقى إما مبهورين أمام القفة الرمضانية أو خائفين مرعوبين من انتقادها.سنعيش على إيقاع الإبداع في "تنمية التخلف" الذي ظهر جليا مع ياغورت البرلمانية التي تركت غرفة التشريع للسياسات الاقتصادية و الاجتماعية و وقفت أمام كاميرا هاتفها تتفنن في إلتقاط صور هي في واقع الأمر دليل إدانة لسياسة بلد بأكمله.


0 التعليقات: