اخر المواضيع

‏إظهار الرسائل ذات التسميات من الأمس. إظهار كافة الرسائل

صلاح الوديع: نصف قرن على 23 مارس 1965







23 مارس 1965. العاشرة صباحا. قبل نصف قرن. تجمع ضخم يلتئم رويدا أمام باب الثانوية. الهمهمات لا تنفك تتصاعد كنار هادئة. بالأمس التقينا في إحدى المنازل القريبة من ثانويتنا: "ثانوية م عبدالله" بالبيضاء. كتبنا المناشير بأيدينا الصغيرة. كل منا أخذ حصته من صرختنا الطفولية المخبأة بين الحروف. لم يكن بنا خوف ولا تردد. في الصباح الموالي، حضرنا باكرا ونحن على موعد مع أفق يكبرنا بأجيال، لكنه ملجأنا الوحيد. كأننا على موعد خارق. خرجنا من الثانوية المتروكة لقدرها جماعات جماعات. توجهنا إلى ثانوية لحلو على بعد خطوات وحين مررنا بالقرب منها خرجت إلينا أمواج أخرى من اليفاعة والطفولة الغاضبة. ثم نزلنا الممشى الهادئ وقد تقمصه خطو هادر، إلى ثانوية أخرى... الأمواج البشرية ما انفكت تتقاطر على شارع 2 مارس. دراجتي الصغيرة التي رافقتني سنوات في رحلة الذهاب والإياب إلى الثانوية، دراجتي صديقتي الأثيرة أجرها إلى جانبي، نشوان من نسيم الحرية المنتشر في المكان. الأشجار في الحديقة العشوائية قرب الثانوية تبعث أريجها الربيعي. أنا حر من كل شيء. متمرد على كل السلطات. بما فيها سلطة والدي الذي أصبح ينبه – وهو يبارك جرأتنا - إلى خطورة الوضع وضرورة الاحتياط بعد مظاهرات الأمس... وصلنا ثانوية محمد الخامس وبدأنا نقترب من وسط المدينة. كنا على الربوة التي تطل على مدار "أوروبا" انطلاقا من الثانوية. عن يميننا الطريق المؤدية إلى ثانوية فاطمة الزهراء. لقد اكتمل العقد: المؤسسات الأربع الثائرة، المعروفة بشغبها وإضراباتها تلتئم على مقربة من وسط المدينة. فجأة ظهرت طلائع الجند. في الحقيقة لم نعر الأمر اهتماما كبيرا. كنا كمن يحضر مشهدا خارج السياق. طلائع الجند تقترب ونحن نفهم أن الموضوع جد، لكن ليس إلى درجة احتمال دخول الموت على الخط. تراجعنا قليلا. كنت وسط أعداد لا حصر لها من المتظاهرين ورأيت الأكبر منا سنا ممن يتقدمون الصفوف، وهم يتوقفون عن المشي كمن يحاول أن يفهم ما يجري. تأبطت محفظتي جيدا. دراجتي إلى جانبي. تراجعت الصفوف رويدا، ثم تفرقنا بسرعة أكبر. تفرقنا ثم التأمنا في الأزقة المجاورة. وعدنا إلى الهتاف. الساعة الثانية عشرة تقترب. وأنا، كيفما كان الحال يجب أن أعود إلى المنزل لطمأنة الصفوف الخلفية : والداي وإخوتي. بعد الظهر ذهبت رأسا إلى ثانوية فاطمة الزهراء. كانت الباقات المزركشة الألوان تؤثث المشهد ببهاء الإناث اليافعات. هن في الشارع مثلنا تماما. تلاشى الخجل الذي كان يراودنا حين الاقتراب منهن. تنافسنا في إلقاء الحجارة، وفي الهرب من خراطيم المياه. هناك التقيت آسية وأسماء. لم نكن على موعد... كنا هنا بكل عفوية الحياة. في غفلة منا تقدم الجند. جرينا آسية وأسماء وأنا إلى منزل بابه مفتوح ودخلنا ثم أغلقنا الباب خلفنا وبقينا نصيخ السمع لخطوات ثقيلة. نزلت امرأة في عمر أمنا من الطابق الأول. أشارت بأصبعها الموضوع على شفتيها المزمومتين بضرورة الصمت المطبق. من ثقب الباب تناوبنا على استراق النظر إلى الخارج. عندما جاء دوري ركزت النظر جيدا. ما رأيته لن يفارقني ما حييت. كان حذاء الجندي ينزل بكل ثقله على وجه فتى في عمري بقسوة لا حدود لها. صرخ الطفل، ثم ساد الصمت. بعد لحظات كانت كأنها الدهر، عادت المرأة إلينا من مكمنها، أخبرتنا بأن الطريق سالكة وأنه بإمكاننا الانصراف. وفي المساء، عندما عدنا إلى المنزل بسلام، كانت أخبار الموت تسبقنا. جاء والدي وتحدث في نبرة لا تخلو من قلق وحزم، وأبلغنا بقراره الصارم: لن يذهب أحد منا إلى التظاهر حتى إشعار آخر، فالموتى يعدون بالعشرات... يومها لم نكن نحن الثلاثة على موعد بيننا. كنا، ربما، على موعد...مع التاريخ. 23 مارس 2015


اقراء المزيد »

تسجيل نادر يُوثق لأبرز محطات الجيش زمن محمد الخامس







يُلخص تسجيل تم بثه لأول مرة على الانترنت، أقوى المشاهد وأبرز المحطات التي شهدها الجيش المغربي في عهد الملك الراحل محمد الخامس، والذي تأسس في الرابع عشر من شهر مايو من سنة 1956، لينطلق حينها بناء أسس الدولة الحديثة، مباشرة بعد حصول البلاد على الاستقلال من نير الاستعمار. ويبدأ التسجيل النادر، الذي بثه منتدى القوات المسلحة الملكية في موقع يوتوب، باليوم الذي تم فيه تأسيس الجيش المغربي، حيث عرف أول استعراض عسكري تقوم به القوات المسلحة الملكية، تحت أنظار السلطان الراحل محمد الخامس الذي كان يرتدي بذلة عسكرية، ونجله الأكبر حينها الراحل الحسن الثاني. وبعد الاستعراض العسكري تظهر في مقطع الفيديو، الذي يمتد على أزيد من سبع دقائق تُجمل محطات الجيش في عهد محمد الخامس، مشاهد بالألوان من استعراض 18 نونبر 56 بالدار البيضاء، حيث بدا حينها ولي العهد وقائد الجيش، مولاي الحسن، يمتطي حصانا، ويقود القوات المستعرضة أمام والده الملك الراحل محمد الخامس. ويستمر التسجيل، الذي يؤرخ لمرحلة هامة من تاريخ الجيش المغربي في عهد الاستقلال، في بسط أهم المحطات التي عاشها العسكر بين 1956 و1961؛ تاريخ وفاة السلطان الراحل، حيث تبدو مشاهد لدبابات AMX13 بالمركز العسكري مولاي إسماعيل بالرباط، وذلك في سنة 1957. وبعد مشهد الدبابات العسكرية، تظهر في ذات المقطع صور تبث لأول مرة، حيث توثق لزيارة قام بها الأمير مولاي الحسن، حينئذ، للأكاديمية الملكية العسكرية بمكناس، وصورا أخرى تمثل مناورات وتمرينات عسكرية بمنطقتي أولماس وميدلت. وفي مشهد آخر من التسجيل المرئي النادر، تظهر مشاهد أخرى تجسد مشاركة الجيش المغربي في عمليات الإنقاذ بعد زلزال أكادير، حيث يبدو الأمير مولاي الحسن، وهو يتجول بين الأنقاض، واضعا على أنفه قناعا مضادا للغازات، وكان مرفوقا بالجنرال بن عمر، وهو حينها برتبة ليوتنان كولونيل. وفي آخر التسجيل يتعرف المشاهد المغربي على صور تتعلق بأول عملية حفظ سلام، تشارك فيها القوات المسلحة الملكية، وذلك سنة 1961 بالكونغو، وترأس قواتها حينئذ الجنرال الكتاني، وكان الكولونيل بن عمر نائبه، كما ترأس الجنرال المغربي القوات الأممية الدولية التي شاركت في العملية. وحري بالذكر أن تشكيل النواة الأولى للقوات المسلحة الملكية يعود إلى الملك الراحل محمد الخامس الذي كلف، بعيد بزوغ فجر استقلال البلاد من ربقة الاستعمار الفرنسي، ولي عهده آنذاك الحسن الثاني، بهذه المهمة الكبيرة، بالنظر إلى المهام الجسام التي ألقيت على عاتقها.


اقراء المزيد »

يوم قال الحسن الثاني: المدارس الفرنسية "خطر" على المغاربة







في مقطع فيديو يُبث لأول مرة على الشبكة العنكبوتية، يُبدي الملك الراحل الحسن الثاني رأيه الصريح بخصوص البعثات التعليمية الفرنسية المتواجدة في المغرب، وماذا يزعجه في أدائها وسلوكها، وذلك في حوار أجرته معه قناة تلفزية فرنسية، في 13 أبريل 1987. ويُبث هذا المقطع من الفيديو، الذي يُظهِر رأي الملك الراحل في المدارس الفرنسية بالمملكة، في خضم الجدل القائم حاليا في البلاد بين من يطالب بالحفاظ على اللغة الفرنسية لغة أجنبية أولى، بدعوى المصالح المتشابكة مع الطرف الفرنسي، وبين من يدعو إلى ترجيح كفة اللغة الإنجليزية، لكونها لغة العصر والعلوم. وبالرغم من كون الملك الحسن الثاني كان ينطق اللغة الفرنسية أفضل من كثير من أهلها، كما يقول البعض، وكان يتقن لغة "موليير" إتقانا يُشهد له بها، فإن ذلك لم يمنعه من الإدلاء برأيه علنا، وأمام الإعلام الفرنسي، بشأن السلبيات والمخاطر التي تشكلها المدارس الفرنسية المتواجدة بالمملكة على الشباب المغربي. وقال الملك الراحل، في الفيديو الذي بثه منتدى القوات المسلحة الملكية، إنه يتعين بصفة عامة اختيار الأشخاص الذين يُدرسون اللغة والحضارة لتكوين رجال المستقبل، وذلك سواء في المغرب أو خارجه، مشيرا إلى أن نقابات التعليم بفرنسا لما ينظمون إضرابا يقومون به بالمغرب. وأبرز الحسن الثاني، الذي حكم المغرب من 1961 إلى يوليوز 1999، سنة وفاته وانتقال الملك إلى الملك محمد السادس، بأنه "على المستوى التربوي، تعتبر المؤسسات التعليمية الفرنسية بالمغرب الأكثر خطورة على شبابنا"، مضيفا أنه "لا يرغب في الدخول في تفاصيل هذا الموضوع". وأورد الملك الراحل في هذا السياق واقعة قال إن لها دلالات هامة، وهي التي حدثت، خلال نفس الفترة التي أجري فيها الحوار، حيث احتج تلاميذ مغاربة صغار تتراوح أعمارهم بين 12 و13 عاما، على بعض أساتذتهم في ثانوية "ديكارت" بالرباط، فذهبوا عند مديرة المدرسة بدون جدوى". وكشف الملك الراحل، في ذات الحوار الصحفي مع القناة الفرنسية، بأن سبب تذمر التلاميذ المغاربة دفعهم بعد ذلك إلى التوجه صوب السفارة الفرنسية بالرباط، حيث تحدثوا للمسؤول هناك عن كون بعض أساتذتهم كانوا يقولون لهم بأن "ملكيتكم في انحدار وتسير نحو الهاوية".


اقراء المزيد »

فيديو نادر يُظهر محمد الخامس يُصلي بالناس في مسجد حسان







في شريط فيديو نادر، ومصور بالألوان يعود إلى سنة 1956، أي سنة واحدة بعد استقلال المملكة عن الاستعمار الفرنسي، ظهر السلطان الراحل محمد الخامس، وهو يؤم بآلاف الناس صلاة الجمعة في مسجد حسان بمدينة الرباط، وذلك لأول مرة منذ أربعة قرون خلت. وشيُد مسجد حسان بالعاصمة الرباط من طرف الدولة الموحدية، حيث يعود بناؤه على يد الخليفة أبي يوسف يعقوب المنصور، إلى سنة 1191 ميلادي، ليعتبر هذا المسجد أعظم معلمة في الغرب الإسلامي خلال القرون الوسطى، ويبلغ 185 مترا طولا، و140 مترا عرضا، رغم أن بناءه لم يكتمل بعد وفاة المنصور. ويوثق مقطع الفيديو، ومدته دقيقة واحدة و19 ثانية، وبثه منتدى القوات المسلحة الملكية على موقع يوتوب، لحدث إعادة فتح مسجد حسان للصلاة على عهد محمد الخامس، حيث قام بإمامة الناس للصلاة، وسط حضور شعبي هائل، برزت خلاله عادات سلطانية انمحت مع مرور الزمن. ويظهر في الفيديو، الذي يعلق على أحداثه مذيع فرنسي، مشهد آلاف المواطنين المغاربة ينتظرون قدوم السلطان الراحل محمد الخامس، على جنبات صومعة حسان، وفي الأماكن المحاذية للمنطقة، حيث اخترق الموكب السلطاني شوارع الرباط ممتطيا عربية في عادات لم يعد لها وجود اليوم. وقال المذيع الذي يصف حضور الملك الراحل محمد الخامس إلى الصلاة بمسجد حسان التاريخي، إن عربة السلطان مرت وسط آلاف المخلصين من المواطنين المغاربة الذين هبوا دفعة واحدة، ليعطون جوابا شافيا لغيرهم بأنهم مجندون وراء "أمير المؤمنين"، وذلك في خضم حصول المغرب على استقلاله حديثا حينها. وبدا في مقطع الفيديو المصور بالألوان، رغم أنه يعود إلى سنة 1956، السلطان الراحل محمد الخامس متردبا جلبابا مغربيا أبيض اللون،، وهو ينزل من العربة الملكية الصغيرة، متبوعا بولي عهده آنذاك، الملك الراحل الحسن الثاني، وشخصيات أخرى، قبل أن يتجه إلى إمامة الصلاة بالناس. وتبعا لذات المصدر، فإن الملك الراحل محمد الخامس حضر إلى جانب الدبلوماسي الفرنسي الراحل أندري لوي دوبوا، والذي شغل خلال فترة ما بعد الاحتلال الفرنسي للمملكة، منصب المقيم العام وسفير الجمهورية الفرنسية بالمغرب، قبل أن يتوفي سنة 1998.


اقراء المزيد »

الألمان يحتفلون بـ"اليوبيل الفضي" لسقوط جدار برلين







تحل اليوم، تاسع نونبر، ذكرى اليوبيل الفضي (الذكرى الـ25) لسقوط جدار برلين أو جدار الفصل الذي كان أفظع قرار قسم المدينة إلى شطرين غربي وشرقي ، وفرق بين أفراد العائلة الواحدة فشكل سقوطه طيا لصفحة مؤلمة من صفحات تاريخ ألمانيا. واكتسى سقوط الجدار هذه السنة، التي يستكمل فيها 25 سنة على انهياره، نكهة خاصة لدى الألمان الذين أفردوا له احتفالات شعبية كبيرة عمت جميع المناطق التي تواجد بها الجدار ببرلين ليس إلا للتذكير بأهمية هذه اللحظة من تاريخ البلاد قبل أن تنعم بالوحدة واستحضار معاناة ألمان الشطر الشرقي. وضمن أبرز الأنشطة التي خصصت للمناسبة وضع جدار الضوء (ليشت غرينتسه) بديلا عن الجدار الإسمنتي السابق من خلال بالونات مضيئة على طول أزيد من 15 كلم من مسار الجدار شملت سبع نقط هامة بالعاصمة، حيث تم توفير معلومات حول الحدث للزوار ، وهدايا تذكارية ونقاط مشاهدة وشاشات عملاقة تعرض أفلاما وثائقية تاريخية منذ بناء الجدار وحتى لحظة سقوطه. وجدار برلين الذي تم تشييده في غشت 1961 بقرار صدر من موسكو بهدف إغلاق الحدود بين شطري البلاد ومنع الهجرة بكل أشكالها إلى الغرب، لم يمر على وجوده سوى 11 يوما حتى سقط أول ضحاياه من الضفة الشرقية برصاص جيش الحدود بعد أن حاول عبوره ، فيما قتل خلال الأسابيع العشرة الأولى 15 ضحية آخرين ورغم ذلك لم تتوقف محاولات العبور فقتل إثرها المئات الذين تكرمهم ألمانيا في كل مناسبة. وشكل الجدار ، وطوله 60ر3 أمتار، منذ ذلك الحين حدا فاصلا ليس فقط بين شطري ألمانيا ولكن حتى بين المعسكرين الشرقي والغربي ، ولم يكن سقوطه بالأمر الهين فصمد قرابة 29 سنة، وهو ما كان يقض مضجع الشطر الغربي من مواطنين وسياسيين الذين قاموا بحملات لإطلاع الرأي العام العالمي على فظاعة هذا القرار اللاإنساني . وقال مرشح الحزب الديمقراطي الاشتراكي لمنصب مستشار ألمانيا الاتحادية آنذاك فيلي برانت في أول رد فعل عن بناء الجدار أن "حكومة برلين ترفع أمام العالم أجمع شكوى ضد الإجراءات غير الشرعية واللاإنسانية التي اتخذها مقسمو ألمانيا "، فيما أكد منافسه عن الحزب الديمقراطي المسيحي كونراد أديناور أنه " بالتعاون مع حلفائنا سنتخذ الإجراءات الضرورية " . وضمن أقوى اللحظات التي سبقت سقوط الجدار ، وكان لها وقع على خلخلة الوضع، خروج حوالي سبعين ألف شخص يوم تاسع أكتوبر في مدينة لايبزيغ (جنوب ألمانيا) في مسيرة سلمية وهم يحملون الشموع مطالبين بإصلاحات سياسية وبمزيد من الحريات تلتها في الرابع من نونبر تظاهرة وطنية في ألمانيا الديمقراطية حيث خرج في شرق برلين أزيد من مليون شخص يطالبون بمزيد من الحريات. ووسط ضغط الشارع لأسابيع متتالية سقط نظام ألمانيا الشرقية الذي اعتبر أقسى الأنظمة في المعسكر السوفيتي وسقط جدار برلين يوم تاسع نونبر فدخل ثلاثة ملايين ألماني من الشرق إلى برلين الغربية في عطلة نهاية أسبوع واحدة، ولم يكونوا مستوعبين أن ما يحصل هو واقع يمهد الطريق لإعادة توحيد ألمانيا. فسقوط الجدار أنهى سنوات من الحرب الباردة التي أدت ثمنها غاليا ألمانيا ، وأسقط معه معاناة الالمان في الشرق التي استمرت 45 سنة أي حتى قبل بناءه ، ولم يعد هناك ما يحد من حرية تنقلهم بين شطري البلاد التي أعلنت وحدتها في منتصف ليلة ثالث أكتوبر من 1990 أي بعد أقل من سنة على حدث انهيار الجدار. ومنذ ذلك الحين توقع العالم مستقبلا زاهرا لألمانيا بعد توحيد شطريها وهو ما تحقق لها فعلا بعد أن كانت توصف ب"الرجل المريض" ، فأصبحت برلين مركزا هاما لاتخاذ القرارات ، وتحظى بوضع متميز في أوروبا بفضل قوة اقتصادها وإسهامها بأكثر من نسبة 27 في المائة من إنتاج منطقة الأورو. *و.م.ع


اقراء المزيد »

"المغاربة حَكْرونا"..عقدة حرب الرمال بين المغرب والجزائر







"المغاربة حكْرونا"..لعلها الجملة الأشهر التي نطق بها الرئيس الجزائري الراحل، أحمد بنبلة، وظلت لاصقة في أذهان من عاصروا حرب الرمال التي اندلعت بين المغرب والجزائر، في مثل هذه الأيام من شهر أكتوبر 1963، حتى باتت "عقدة" تاريخية لم تستطع العلاقات بين البلدين الجارين الانفكاك منها بعدُ. واندلعت حرب الرمال بين المغرب والجزائر في أكتوبر1963 ، بعد عام وثلاثة أشهر من حصول الجزائر على الاستقلال، وبُعيد أسابيع من المناوشات الحدودية، ما أفضى إلى نزاع مسلح بين الجيشين في ضواحي منطقة تندوف وحاسي بيضة، ثم انتقلت المواجهات إلى فكيك المغربية، لتتوقف في نونبر 1963. منتصر ومنهزم وبدأت حرب الرمال في أكتوبر من سنة 1963 عندما انطلق الجيش الجزائري إلى الهجوم على "حاسي بيضا" و"تينجوب"، حيث عمدت قوات عسكرية جزائرية إلى إحراق أشجار النخيل، وتدمير ثكنة مغربية بالمدفعية، وهو ما رد عليه الجيش المغربي سريعا محققا انتصارا على الأرض، قبل أن يقرر الملك الراحل الحسن الثاني التراجع في آخر لحظة. الجزائريون ما فتئوا يتحدثون عن ملحمة حققها جيشهم في حرب الرمال رغم أنهم غُدروا من طرف المغاربة كما يقولون، ويؤكدون أنهم كبدوا المغاربة هزيمة عسكرية، ولقنوهم على الأرض درسا لن ينسوه، فيما الحقيقة غير ذلك تماما، فالنصر في تلك الحرب كان حليف الجيش المغربي. وزير الدولة السابق، محمد اليازغي، نفى في تصريحات سابقة لهسبريس تحقيق الجيش الجزائري لأية ملاحم عسكرية ضد المغرب، معتبرا أنها انتصارات زائفة لا توجد سوى في مخيلتهم، مؤكدا أن الجيش المغربي تفوق على نظيره الجزائري، وكبده هزيمة واضحة، وبالتالي لا داعي لسرد انتصارات وهمية". وكان الجيش المغربي، يقول اليازغي، قريبا جدا من دخول منطقة تندوف، حيث كان الجنود المغاربة على مقربة من تندوف ببضعة كيلومترات قليلة، غير أن تدخلات الرئيس الفرنسي شارل ديغول لدى الملك الراحل الحسن الثاني جعلته يأمر قواته العسكرية بالتراجع. القوة والغدر الخبير في ملف العلاقات المغربية الجزائرية والأستاذ بجامعة وجدة، الدكتور خالد شيات، قال في تصريحات لجريدة هسبريس، إن "حرب الرمال" لها مفهومان متناقضان بين المغرب والجزائر؛ فبالنسبة للمغرب كانت آخر وسيلة لحل مشكلة الحدود بين البلدين". ويشرح شيات "انقلبت الحكومة الجزائرية على كل التفاهمات التي كانت قد التزمت بها قبيل الاستقلال، وتشبثت بإبقاء الحدود الموروثة عن الاستعمار كآلية لحل نزاعاتها، وهو الأمر الذي جعل المغرب يلجأ إلى استعمال القوة". وبالنسبة للجزائر، يضيف شيات، تعتبر حرب الرمال نوعا من "الغدر"، وهي تسمية بحمولات "بروباغاندية" دعائية أكثر منها حمولات إستراتيجية، باعتبار أنها كانت حديثة الاستقلال، ولم تكن تتوفر حينها على مؤسسة عسكرية قوية". ولفت المهتم بملف العلاقات المغربية الجزائرية إلى أن الجارة الشرقية عاتبت المغرب على فرضه حربا "غير عادلة" عليها في مرحلة حساسة من بناء الدولة، رغم أنه ليست هناك دلائل على كون المغرب بدأها" يؤكد شيات. تداعيت حرب الرمال وبخصوص تبعات حرب الرمال على العلاقات الثنائية بين البلدين الجارين، أورد شيات عددا من المستويات التي طالتها نتائج الحرب بين الطرفين، منها ما هو نفسي، وسياسي، واقتصادي، وما هو اجتماعي وثقافي، وغيرها من المستويات الأخرى. وتابع المحلل بأن المستوى النفسي يتوافق مع العقلية العسكرتارية الجزائرية، باعتبار أن العداوة تبقى ثابتة اتجاه المغرب الذي لا يمكن أن تأمن جانبه، وهو أمر لا يمكن إثباته لكنه موجود بين سطور السياسات العدائية للجزائر اتجاه المغرب". ويرتبط المستوى السياسي بتشكيل عقدة غير قابلة للحل للمغرب في علاقته بالوحدة الترابية، والتي انتقلت من الحدود الشرقية إلى موريتانيا إلى الصحراء المغربية، أي إنتاج وضع غير مستقر ومهدد بالنسبة للمغرب، والذي له تمثلات عديدة منها الجانب الدبلوماسي". وزاد شيات بأن المستوى الاقتصادي، لتداعيات حرب الرمال يتجلى في تعطيل كل آليات التكامل الاقتصادي، والاستكانة إلى الريع المرتبط بالطاقة، ودفع المغرب إلى استنفاذ مجهوداته في البحث عن بدائل اقتصادية غير إقليمية". وأما التبعات الثقافية والاجتماعية لحرب الرمال فقد ارتبطت بالقطيعة على مستويات متعددة، منها غلق الحدود، وتأزيم الثقافة، والدعاية المضادة ضد المغرب، ووصفه بصفات سلبية، وتمثيله إعلاميا باعتباره قوة متخلفة ومحتلة".


اقراء المزيد »

"صبرا وشاتيلا" .. عندما استُبيح الدم الفلسطيني في عاصمة عربية







في مثل هذه الفترة من سنة 1982، شهد العالم العربي إحدى أبشع المجازر في تاريخه الحديث. مقاطع فيديو كثيرة، تقارير إخبارية غزيرة، وصور متعددة، كّلها قدمت جزءاً من الصورة: مئات الجثت المتناثرة في الشوارع لأطفال في سنواتهم الأولى، بطون نساء قُبرت، فتيات اغتُصِبن ثم قُتلن بوحشية، وشيوخ لم ينفعهم عجزهم. هي مجزرة صبرا وشاتيلا التي جعلت من الدم الفلسطيني في لبنان مستباحاً، ليس فقط من طرف الجيش الإسرائيلي، ولكن كذلك من طرف قوات لبنانية، استخدمت قتل الأبرياء كوسيلة للتفريج عن غضبها بعد مقتل أحد سياسييها. بدأت أحداث القتل يوم 16 شتنبر، واستمرت لمدة وصلت إلى 48 ساعة، قبل أن يستيقظ العالم على الجريمة النكراء التي لم يقدم مقترفوها إلى العدالة، رغم أن الكثير منهم لا زالوا أحياء إلى هذا اليوم. تنوعت أسباب القتل، لكن الأساسي منها كان واضحا، فميليشيات حزب الكتائب اللبناني كانت عازمة على الانتقام لمقتل زعيمها بشير الجميل، الرئيس اللبناني المغتال بعد أيام قليلة على تسلمه منصبه. ورغم أن الاغتيال نفذه سوري بسبب ما اعتبره خيانة من بشير الجميل بتعامل هذا الأخير مع إسرائيل وتسهيله عملية دخول قواتها إلى لبنان، إلا أن ميليشيات الكتائب، مدعومة بمجموعات يمينية أخرى وبأفراد ممّا كان يعرف بجيش لبنان الجنوبي، لم تجد من أجل الانتقام غير الأسر الفلسطينية التي بقيت في مخيمات بيروت، بعد انسحاب جبهة التحرير الفلسطيني، في أعقاب ذلك الاتفاق الذي نصّ على خروج الفدائيين من المخيمات لكسر الحصار الذي فرضته إسرائيل على بيروت الغربية. كان بعض الصحافيين الاجانب من أوائل من اكتشفوا وجود هذه المجزرة بعدما تناهى إلى أسماعهم أن هناك أشياء غير عادية تحدث في المخيمات الفلسطينية، وما هي إلا ساعات حتى بدأت مشاهد القتل تكتشف. يروي صحافيون عاينوا الواقعة في شهاداتهم التي نقلتها قناة الجزيرة في سلسلتي "حكاية ثورة" و"حرب لبنان"، مرارة مشاهدة جثث مستباحة، وكيف عمل الجيش الإسرائيلي على تسهيل عمليات القتل، بتوفيره كل الظروف المواتية للقتلة من أجل مباشرة مجازرهم. اختلفت التقديرات في إحصاء عدد القتلى، فدوائر لبنانية قالت إنه لم يتجاوز 500، وقناة البيبيسي وضعته عند تقديرات 800، والمؤرخة الفلسطينية بيان نويهض الحوت جعلته 1300، وصحافي بريطاني جعله ألفين وصحافي إسرائيلي جعله 3500. تضاربت المعطيات بشكل كبير ولم يحصل الضحايا حتى على رقم بسيط يحصيهم..أما القصاص من قتلتهم، فذلك لم يقع أبداً.

قام الجانب الإسرائيلي بتشكيل لجنة من أجل حفظ ماء وجهه، وخلُص تحقيق اللجنة إلى المسؤولية المباشرة لوزير الدفاع آنذاك، أرييل شارون، في هذه الواقعة، وهو ما دفعه إلى الاستقالة، قبل أن يتحوّل فيما بعد إلى رئيس وزراء إسرائيل ويرتكب مجازر أخرى مشابهة. أما في الجانب العربي، فلم يتم تشكيل أي شيء، وراحت دماء القتلى دون قصاص. ورغم تأكيد الكثير من الشهادات على المسؤولية المباشرة لقوات لبنانية في المجزرة، بل وحتى اعتراف بعض المشاركين فيها، إلا أن محاكمة المتورطين فيها لم تحدث، وبقي المتهم الرئيسي في هندسة العملية، إيلي حبيقة، الذي كان يشغل آنذاك مهمة المسؤول الأمني الأول لميليشيات حزب الكتائب اللبناني اليميني، دون محاكمة، وبل وتحوّل إلى وزير، قبل اغتياله سنة 2002، عندما صرّح أنه سيبيّن الحقيقة للمحكمة الجنائية الدولية. لم تنتهِ فصول محنة فلسطينيي مخيمات بيروت الغربية بهذه المجزرة التي دافع عنها بعض القياديين اليمينيين اللبنانيين، ومنهم رئيس تنظيم ما يعرف بـ"حراس الأرز، ولكنها استمرت بعد ذلك، وتكرّرت بعدها بسنوات قليلة في مجازر أخرى فيما يُعرف بـ"حرب المخيمات"، عندما قامت حركة أمل الشيعية وبعض المتحالفين معها من قوات لبنانية وسورية وحتى فلسطينية، بما قالت إنها محاولة لإنهاء سيطرة جبهة التحرير الفلسطينية على هذه المخيمات، فتسبّبت في جرائم ضد الإنسانية، لا زالت كثير من معالمها بحاجة إلى التنقيب.


اقراء المزيد »

"السيدة الحرّة".. هكذا حكمت ابنة الشاون تطوان في القرن الـ16







كانت "السيدة الحرة" تعي جيدا أنها تعيش في زمن تعد فيه ولاية المرأة للحكم شيئا غير معهود وغير مستساغ، وكانت تعلم أن مجتمعها الذي تسود فيها ثقافة ذكورية محضة لن يقبل بتقلد امرأة للحكم مهما علا شأنها. لكنها مع كل ذلك استطاعت أن تخرق هذه القاعدة الصلبة وتعتلي سدة الحكم بمدينة تطوان. فصارت مادة تاريخية خصبة للمؤرخين المغاربة والأوروبيين. لقد عاشت السيدة الحرة في زمن كان فيه الصراع محتدما بين الوطاسيين والسعديين وكانت كل من الدولتين على طرفي نقيض، تتفقان فقط في رفض الاحتلال البرتغالي، لكن ذلك لا يوحدهما.. كل هذه الظروف السياسية استطاعت السيدة الحرة أن تسخرها لترسم طريقها بثبات نحو الحكم والشهرة. ابنة أمير شفشاون ولدت السيدة الحرة بمدينة شفشاون حوالي سنة 1493 م، وربيت تحت رعاية والدها الأمير علي بن موسى بن راشد، وتلقت تعليمها على يد أشهر العلماء آنذاك. وساعدها ذكائها وسرعة بديهتها على تحصيل ثقافة واسعة انعكست على تصرفاتها وتكوين شخصيتها فيما بعد. يقول عبد الرحيم جبور في كتاب "أسرة بني راشد" :" تروي لنا الأخبار سواء البرتغالية أو الاسبانية أن هذه السيدة النبيلة كانت تتوفر على ذكاء نادر، وأخلاق سامية هيأتها لتأخذ بيدها السلطة، وذلك بسبب التعليم الذي تلقته من أشهر العلماء ورجال الدين في عصرها". فالسيدة الحرة هي ابنة امرأة اسبانية حولت اسمها إلى "لالة زهرة" بعد زواجها من أمير مدينة شفشاون علي بن راشد واعتناقها للإسلام. عندما بلغت السيدة الحرة سن الثامنة عشر زفت إلى القائد المنظري بتطوان، في حياة والدها علي ابن راشد حوالي سنة 1510 م.. وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن هذا الزواج كان بمثابة تحالف متين بين إمارة شفشاون وقيادة تطوان من أجل تقوية جبهة الدفاع ضد البرتغاليين المحتلين لثغور شمال المغرب. بزواجها من المنظري، حاكم مدينة تطوان، انتقلت السيدة الحرة من بيت والدها بشفشاون إلى حيث يحكم زوجها.. وبفضل ذكائها وثقافتها استطاعت أن تجد لها موطئ قدم في شؤون الحكم. فكان زوجها ينيبها عنه في بعض القضايا كما كانت تتولى أمور الحكم في فترات غيابه إلى أن اكتسبت تجربة في أمور الحكم والتدبير. الزواج السياسي بعد وفاة المنظري لم تترمل السيدة الحرة لوقت طويل.. إذ سرعان ما تزوجها السلطان أحمد الوطاسي سنة 1541، فقد كانت السيدة الحرة تحكم مدينة تطوان فقط قبل زواجها بالسلطان أحمد الوطاسي، لكن بعد زواجها به أصبحت لها علاقات حتى خارج المدينة كما يشير إلى ذلك محمد داود في " تاريخ تطوان". من ابرز الأحداث التي تؤكد قوة شخصية السيدة الحرة وإمساكها بمقاليد الحكم ما أورده صاحب كتاب "تاريخ تطوان".. إذ وقع بينها وبين حاكم مدينة سبتة "دُون ألفونسو" البرتغالي خلاف أدى إلى قطع المواصلات بين سبتة وفاس. لقد كان زواج السيدة الحرة بالسلطان أحمد الوطاسي ملفتا للأنظار ومثيرا للفضول ليتحدث عنه المؤرخون.. ذلك أن الطريقة التي تم بها لم تكن معهودة.. فالسلطان الوطاسي انتقل من مدينة فاس إلى تطوان في حشد كبير، ترافقه حاشيته وجيشه بعدته وعتاده، زيادة على وفد كبير من العلماء والمشايخ، كل هذا أعطى لهذا الزواج شهرة ومنحه هالة. خلال هذه الفترة التي تزوج فيها السلطان أحمد الوطاسي بالسيدة الحرة كانت العديد من الثغور محتلة من طرف البرتغاليين، وكان في المغرب آنذاك دولتان: الوطاسيون الذين تحولوا إلى مهادنة المستعمر رغم ماضيهم في الجهاد والمقاومة، ودولة السعديين التي كانت قد ظهرت حديثا وأبدت شراسة في مقاومة العدو. هكذا كان الناس يصنفون إلى وطاسيين أو سعديين كل حسب ميوله.. وكان الوطاسيون والسعديون يتنافسون في استقطاب المدن. في إطار حملة الاستقطاب هاته جاء زواج السلطان الوطاسي من حاكمة تطوان، بل إنه تعمد لفت الأنظار إلى هذا الزواج حتى يعلم الناس أن مدينة تطوان للوطاسيين.. خلال هذه الفترة كانت دولة الوطاسيين قد ضعفت كما أنها كانت تحارب من قبل السعديين، لذلك فقد كان السلطان أحمد الوطاسي يطمح إلى تقوية شوكته بكسب تأييد مدينة تطوان ونواحيها له، خصوصا أن السيدة الحرة كان لها صيت بين مدن الشمال. سحب البساط لقد سحبت السيدة الحرة البساط من عائلة المنظري بزواجها بحاكم مدينة تطوان محمد المنظري. لقد كانت المدينة تحت حكم المنظري، وبزواجه من السيدة الحرة أصبحت تنوب عنه في الحكم في فترات غيابه، وبعد وفاته تزوجت بالسلطان الوطاسي واستاثرت بحكم المدينة، ليجد آل المنظري أنفسهم خارج دائرة الحكم. يقول محمد داود إن: "كبار الرجال من عائلة المنظري وغيرهم قد استاؤوا من أن تتولى الست الحرة حكم تطوان وهم في الوجود، فقاموا بمؤامرة لقلب حكومة هذه المرأة والاستيلاء على حكم هذه المدينة".. لقد شارك في هذه المؤامرة التي دبرها أفراد من عائلة المنظري كل من محمد الحسن المنظري حفيد حاكم تطوان وقد كان من سكان المدينة، ووالده محمد الحسن الذي كان قاطنا بمدينة فاس. في العشرين من أكتوبر من سنة 1542 فر المنظري هاربا من السلطان أحمد الوطاسي وتوجه نحو مدينة تطوان مركز حكم السيدة الحرة.. وصلها رفقة أفراد عائلته وجماعة من الفرسان.. وبعد يومين من وصوله أعلن نفسه حاكما على المدينة، معلنا في الوقت نفسه استقلاله عن السلطان أحمد الوطاسي. بعد ذلك طردت السيدة الحرة بعد أن استولى محمد الحسن على ممتلكاتها.. لم يكن من السهولة القيام بهذا الانقلاب على السيدة الحرة لولا مساعدة المتآمرين عليها من سكان تطوان.. كما لا يستبعد محمد داود أن يكون هذا الانقلاب بتدبير من خصوم دولة الوطاسيين.. وهكذا رسم آل المنظري نهاية حكم السيدة الحرة واستطاعوا سحب بساط الحكم من تحت أقدامها كما سبق وأن سحبته من تحت أقدامهم بزواجها من المنظري. عاشت السيدة الحرة آخر أيامها بمدينة شفشاون ، بالقرب من أخيها الأمير محمد،و بعد موتها دُفنت في رياض الزاوية الريسونية في هذه المدينة، إذ ما يزال قبرها معروفا ومقرونا باسمها إلى اليوم.


اقراء المزيد »

إرنست هِمنغواي .. الروائي الذي قتلَه حُبّ امرأة !







"السعادة؟ هي صحة جيدة وذاكرة ضعيفة". لذلك لم يكن إرنست همنغواي سعيداً بمقاييسه الخاصة، فقد بقيت ذاكرته قوية لعقود طويلة، تتذكر قصة حبه الأولى التي لم تكلّل بالنجاح، والتي رفضت فيها حبيبته الاقتران به لأنها كانت تكبره بتسع سنوات، لذلك لم يجد من حل لنسيان "أغنيس فون كورفيسكي" سوى إطلاق رصاصة على رأسه في مثل هذا اليوم من سنة 1962 من خلال بندقية عاشت معه أغلب فترات حياته! " لم أعد أحتمل !!.. إنها تلاحقني ليل نهار.. في عينيها الجميلتين نظرة عتابٍ مروعة.. لم تكن خائفةً مني !!.. كم كنت نذلاً.. لكنني لم أكن أقصد يا (آجي)!!.. أنتِ تعرفين أنني لم أكن أقصد." تلك كانت آخر كلمات الراحل لامرأة لم يفلح في إخراجها من ذاكرته رغم تزوجه بعدها بأربع نساء، هناك من قال إنه قتلها بعدما علم بخبر زواجها من غني إيطالي، وهناك من أشار إلى أنه التقى بها بعد زواجه، وبقي يراسلها كصديق. لكن ليس شقاء إرنست هو السبب الوحيد للانتحار، فهو سليل عائلة اختارت كثيراً الانتحار نهاية للحياة، فقد انتحر والده، وأختاه غير الشقيقيتين، وحفيدته بعد ذلك. ومهما يكن من نهاية مؤلمة لهذا الرجل، فقد كان واحداً من أعظم المبدعين في القرن الماضي، فاز بجائزة نوبل للآداب سنة 1954، عن رواية "الشيخ والبحر"، وفاز كذلك بجائزة بوليتزر الأمريكية في الصحافة سنة 1953. كان إرنست يعشق أجواء الحرب، لذلك أراد أن يشارك مع جيش بلده الأمريكي في الحرب العالمية الأولى، إلا أن الأقدار جعلته يشارك في الحرب كمتطوّع في الصليب الأحمر ينقذ حياة الآخرين عوض إنهائها، وهناك في إيطاليا، تعرّف على الممرضة آجي التي كانت تداويه، نشأت بينهما علاقة حب، لم تنتهِ كما اشتهى إرنست، غير أن مقامه في المستشفى الذي امتد لأزيد من شهر، كان له عظيم الأثر في مسيرته الأدبية، فقد سكب تجربته كمتطوّع في الصليب في عدد من أعماله، منها روايته "وداعاً للسلاح". عمل إرنست في ميدان الصحافة، وحاور كبار الشخصيات السياسية بأوربا كما اشتغل مراسلاً في الحرب الأهلية الإسبانية، أثّر أسلوبه الصحفي في كتاباته، حيث تميّزت بالبساطة والجمل القصيرة، وفي ظرف قصير، تحوّل إرنست إلى واحد من أعمدة الكتابة الأمريكية، وطُبعت من أعماله آلاف النسخ، منها رواية "لمن تُقرع الأجراس" سنة 1940 التي تحوّلت إلى فيلم سينمائي. يقترن اسم إرنست همنغواي عند الكثير منا بروايته الشهيرة "الشيخ والبحر"، تلك التي تحكي قصة صياد عجوز "سانتياغو" الذي يصمم يومياً على الصيد دون أن يتلقّف زورقه شيئاً، وهو ما كان يحزّ في نفس طفل يرافقه، أجبرته أسرته فيما بعد على قطع صلته بالصياد العجوز. تمضي الأيام وتعلق بشباك سانتياغو سمكة كبيرة للغاية، هي أعظم ما اصطاده طوال حياته، وفي طريق عودته إلى الشاطئ، تهاجم أسماك القرش قاربه طمعاً في لحم السمكة الشهي، وبعد معارك ضارية ذاد فيها عن سمكته، يُهزم سانتياغو، ولا يتبقى ممّا اصطاده غير هيكل عظمي. "من حسن الطالع أننا لا نحاولَ قتل الشمس والقمر والنجوم . حسبُنا أن نعيشَ على الماءِ وقتل إخوَتنا الصادقين في الود" هي واحدة من التعابير المميزة التي تحفل بها هذه الرواية المصوّرة لرغبة رجل في تحقيق المجد حتى وهو في أرذل العمر، رغم الهزيمة الساحقة التي مُني بها أمام أسماك القرش ! تُوفي إرنست بكوبا مخلفاً مذكرات عُثر على جزء منها خلال السنوات الأخيرة، اختزلت حبه الكبير لآجي ووفاءه لها رغم مرور عقود طويلة على فراقهما. يقال إن لكل جواد كبوة، وأن الطير كلما ارتفع سيأتي يوما ويقع، فكان سقوط إرنست هو حبه لامرأة، تركته تعيساً حتى وهو يحقق أكبر أمجاد الكتابة.


اقراء المزيد »

6 يونيو 1982 .. 32 عاما على الاجتياح الإسرائيلي للبنان







يُصادف السادس من يونيو من كل سنة حدث الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982، قد يظهر الحدث متعلقاً بعدوان متغطرس ضد سيادة دولة ما، إلا أن ما تمّ توثيقه، يؤكد أن الأمور كانت أبعد من ذلك، وأن إسرائيل لم تكن لتجد الطريق سالكة للهجوم، إلا بسبب انقسام الصف العربي، خاصة داخل لبنان التي كانت مسرح معارك بين عدة أطراف استنجد البعض منها بالكيان الإسرائيلي لتحقيق النصر على مناوئيه. الأكيد أن قصة الاجتياح تعود إلى سنوات النكبة الأولى عندما اعترفت الأمم المتحدة بدولة إسرائيل وما تلاها من حرب بين دول عربية وإسرائيل سنتي 1948 و1967، إلا أن تقريب المعطيات يُرجع هذا الاجتياح إلى المواجهات الدامية بين الجيش الأردني والمنظمات الفلسطينية المسلحة في إطار ما يعرف بأيلول الأسود لسنة 1970، وذلك عندما طرد الملك حسين هذه التنظيمات من أراضي الأردن، بعدما ساءت العلاقة كثيراً بين الاثنين، وكثُّرت الاشتباكات بين الأمن الأردني والفصائل الفلسطينية. رحلت غالبية الفصائل الفلسطينية المقاتلة إلى لبنان، وتعزز وجودها هناك بفضل اتفاق القاهرة الذي مكّنها من الشرعية وسمح لها بالعمل الفدائي ضد القواعد الإسرائيلية انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، إلا أن الخلاف بدأ يتسلل مرة أخرى بين الفلسطينيين وبعض التنظيمات اللبنانية. تصاعد الخلاف ليتحوّل إلى حرب أهلية مميتة اختلطت فيها التنظيمات ضد بعضها البعض، لكن بشكل عام المواجهة كانت بين الميليشيات المسيحية اللبنانية والميليشيات الفلسطينية المقاتلة. كانت الأولى مدعومة من الحكومة اللبنانية وسوريا وحتى إسرائيل، بينما كانت الثانية مدعومة من الحركة الوطنية اللبنانية. يقسم البعض القتال بين حكومة يمينية ساعدتها سوريا وإسرائيل ومعارضة يسارية كانت ترتبط بشكل كبير بالقضية الفلسطينية. قُتل الآلاف من الجانبين خاصة بعد تطور القتال إلى مواجهات بين المسيحيين والمسلمين، وتطورت الأمور أكثر حتى داخل حلفاء الميليشيات المسيحية الذين انتظموا داخل الجبهة الوطنية، فقد غيّرت سوريا من موقفها وهاجمت القوات اللبنانية التي كانت تدعمها في البداية، وقامت إسرائيل بالدفاع عن هذه القوات. استمرت الأجواء في الكثير من التوتر المشحون بين الأطراف هناك لا سيما مع الاغتيالات المتعددة لقياديين من الجانبين، في وقت كانت ترى فيه إسرائيل أنه لا محيد عن تصفية الفصائل الفلسطيينة المقاتلة، ورغم الهدنة الموقعة بين الاثنين سنة 1981، إلا أن إسرائيل خرقتها أكثر من مرة. حاولت المملكة العربية السعودية إنقاذ الوضع من مزيد من الانفجار بمبادرة في السنة ذاتها، إلا أن منظمة التحرير الفلسطينية رفضتها وكذلك فعلت إسرائيل، لتستغل هذه الأخيرة محاولة اغتيال سفيرها في بريطانيا من أحد الفلسطينيين، وتقصف بيروت قاتلة مئة شخص، وبعد رد منظمة التحرير الفلسطيني بقصف إسرائيل، أعلنت إسرائيل بداية الاجتياح يوم 6 يونيو سنة 1982. لم يكن وراء عملية الاجتياح سوى أرييل شارون، صاحب التاريخ البشع في قتل الفلسطينيين، حيث كان حيئنذ وزيراً للدفاع الإسرائيلي في حكومة مناحيم بيغين. لم تتوقف أهداف العملية التي منحتها الولايات المتحدة الأمريكية الضوء الأخضر في نزع سلاح منظمة التحرير الفلسطيني، ولكن كذلك إخراج القوات السورية من لبنان، وتنصيب حكومة لبنانية مسالمة لإسرائيل. قاومت منظمة التحرير الفلسطينية وبعض الفصائل اللبنانية ومعها قوات الجيش السوري هذا الاجتياح، إلا أن قوة العتاد الإسرائيلي ساهم في وصول القوات المجتاحة إلى العاصمة بيروت في ظرف ثلاث أيام، وبعدها بخمسة أيام، وبالضبط في 14 يونيو، تتمكّن القوات الإسرائيلية من الدخول إلى شرق بيروت، لتحاصر غربها حيث تتواجد الفصائل الفلسطينية، ويستمر الحصار الذي منعت فيه إسرائيل كل أنواع المعونات الإنسانية إلى غاية نهاية شهر غشت من السنة نفسها. كانت نتائج الاجتياح الإسرائيلي كبيرة، فقد تمّ ترحيل آلاف المقاتلين الفلسطينيين من بيروت إلى دول عربية متعددة، وتجاوز عدد القتلى 30 ألف من المدنيين، وبعد نهاية الحصار تمّ اغتيال بشير الجميل أياماً قليلة بعد انتخابه رئيساً للبنان بسبب مواقفه المنحازة إلى إسرائيل، فضلاً عن انعقاد قمة فاس في 6 شتنبر 1982 التي أقرّت مشروع السلام مع إسرائيل. ومن نتائج هذا الاجتياح كذلك، أن استغلت إسرائيل خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، ومنحت لميليشيات لبنانية يقودها حزب الكتائب اللبناني، فرصة الانتقام لمقتل بشير الجميل، ليتم ذبح أزيد من ثلاثة آلاف مدني بمخيمات صبرا وشاتيلا، غالبيتهم من الفلسطينيين. لم يتم تقديم المتسببين بالمجزرة إلى العدالة، وساهمت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة في عرقلة جهود التحقيقات، كما مُنح أرييل شارون، بعد مرور سنوات على هذه الواقعة، فرص شغل مناصب أكبر داخل الدولة الإسرائيلة، في تغاضٍ واضح عن مسؤوليته المباشرة في توفير الغطاء لمن قام بالمجزرة المروّعة. وبعد مرور ثلاثين سنة على الاجتياح، لا زالت التوافقات اللبنانية هشة خاصة مع استحضار اغتيال رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني في سنة 2005، إلا أن نقطة الضوء هي تمكّن تنظيم للمقاومة، هو حزب الله، من إجبار إسرائيل على مغادرة الجنوب اللبناني سنة 2000، وتكبيده لها لخسائر مهمة في محاولتها الثانية اجتياح لبنان سنة 2006.


اقراء المزيد »

خَفِّف الوطء،أنت في حصن أكلكال .. ها هنا قتل محمد الشيخ السعدي







قلة هم أهل أكادير ممن عاشوا في كنف مدينة الانبعاث، بله من زائريها وعشاقها، يدركون أن الأرض لم تكن قفرا خلاء إلا من مظاهر الحداثة والتمدن التي طبعت بميسمها ميلاد حاضرة سوس في نسختها الجديدة. "تمهل، أنظر إلى جهة اليسار، توقف هنا، ألق نظرة إلى جهة اليمين. هنا، لا يحق لك أن تتسرع"، هكذا ظلت أوامر أحمد، مرافق وكالة المغرب العربي للأنباء، تنهر وترسم بكل حدتها المشوبة باللطف الإنساني مسار رحلة بحث مشوق ومضن في عمق تاريخ مدينة لا يتجاوز عمرها ظاهريا على الأقل السبعين عاما. ويتابع أحمد بنفس الحزم وبنفس اللهجة آمرا "خفف الوطء، توقف. أنظر إلى تلك الأركانة. عليك أن تتسلق كل هذا المرتفع الصخري لتصل إلى بقايا حصن أكلكال، هناك حيث قتل أبرز مؤسسي الدولة السعدية الشيخ محمد السعدي" (1540/1554). والحال أن لا شيء يوحي بأن قرية أكرض، حيث تقبع قلعة أكلكال هذه، خلف غابة كثيفة من أشجار الأركان على بعد حوالي 12 كلم فقط شمال شرق أكادير عند قدم الأطلس الكبير، تضم بين ثناياها كل هذا الغموض، بالرغم من أن الجميع يدرك أن المنطقة تضم مدارس عتيقة ومساجد يعود تاريخها إلى مئات السنين، لا زالت تتضوع منها نفحات من الورع والروحانيات وقصص لا تنتهي من وحي التاريخ. وتضم هذه المنطقة، التي تخترقها شبكة من الطرق المعبدة على طول طريق أزراراك في اتجاه جماعة الدراركة شرقا، سلسلة من المداشر والتجمعات السكنية القديمة التي تكاد لا تخلو من الجوامع والمدارس العلمية العتيقة. ويذكر الأستاذ أحمد بوشرب في "معلمة المغرب" أن هذا الحصن، الذي بات يبدو اليوم أثرا بعد عين، هو الذي التجأ إليه السعديون في سنة 1515، بعدما يئس البرتغاليون من طرد المقاومين في أعقاب حملة عسكرية كبيرة انتهت بهزيمتهم وبقتل عدد من حلفائهم، موضحا أن المصادر "تجمع على مناعة موقع هذا الحصن المسور والمشيد على جبل تحيط به جبال أخرى لا تقل عنه مناعة". لكن ما علاقة كل هذا الحكي بأكلكال وبمقتل الشيخ السعدي¿ الجواب على لسان المؤرخ محمد الصغير الإفراني صاحب كتاب "نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي" حيث يورد أن الشيخ محمد السعدي، وبعدما دانت له عدد من الأمصار، كان يقول "لا بد لي أن أذهب إلى مصر وأخرج منها الأتراك من أحجارهم وأنازلهم في ديارهم". وتروي الحكاية أن السلطان العثماني أمر بطلب رأس أبي عبد الله وبعثوا إليه برجل يقال له صالح الكاهية في شرذمة قليلة من أجنادهم مظهرين له أنهم هربوا من العثماني ورغبوا في خدمته والتحصن به، ونيتهم المكيدة والغدر. ومازالوا يتربصون بالشيخ المكيدة إلى أن أمكنتهم الفرصة فيه وهو بحركة في قصبة أكلكال إلى أن "دخلوا خباءه على حين غفلة من العسس وضربوه بشاقور ضربة واحدة أبانوا بها رأسه عن جسده وذهبوا به يخوضون في أحشاء الظلماء". ودون الخوض فيما كابده القتلة وهم هاربون برأس "الشريف" عبر سجلماسة ومن ثم إلى الجزائر ومنها إلى الباب العالي بإسطنبول، عاصمة العثمانيين آنئذ، يبقى من المؤكد، بحسب الأستاذ حسين أفا، عميد سابق لكلية الشريعة بآيت ملول وباحث في التاريخ المحلي بحكم انتمائه للمنطقة، أن "الشيخ محمد السعدي لقي حتفه ها هنا في هذه الروابي قبل أن تنقل جثته من غير رأس إلى مراكش حيث دفنت".

ويكشف ذات المتحدث، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن حصن أكلكال، الذي يدل اسمه بالأمازيغية على "الجبل الحجري"، قد يعود بناؤه إلى عهد المرابطين حين كان يوسف ابن تاشفين يتطلع إلى تأمين حماية الطرق التجارية خوفا من بطش المصامدة وهجوماتهم، قبل أن يلجأ إليه المجاهدون الذين التفوا حول الشرفاء السعديين لتصفية الوجود البرتغالي بأكادير وبغيرها من الثغور والشواطئ المغربية المحتلة. ويورد أن السعديين قاوموا الاحتلال البرتغالي انطلاقا من "أكلكال" منذ سنة 1536 حيث شرعوا في حصار المحتلين بتحصين القصبة التي أحاطوها بسور وأبراج وزودوها بأربعين أو خمسين مدفعا موجهة صوب القلعة البرتغالية بمنطقة "فونتي" أو نحو البحر لحماية المدينة، قبل تحريرها نهائيا في سنة 1541. ويضيف بأن ما يعطي لهذه الرواية رغم غموضها كل الأهمية هو كون "كل القوافل التي كانت تأتي من الصحراء محملة بالذهب والمعادن الثمينة كانت تمر عبر منطقة "مسكينة" لأنها كانت المعبر الوحيد عبر جبال الأطلس إلى جانب سجلماسة من ناحية الشرق". ويكشف ذات الباحث، في كتاب بعنوان "مسكينة بوابة سوس" سيصدر قريبا، أن هذا الموقع الجغرافي المتميز لمسكينة، التي تضم قبائل آيت عباس وآيتتاكوتوآيت القبلة، هو ما جعلها تعرف تعميرا منذ القدم كما تدل على ذلك آثار المرابطين مثل "تيمزكيداأوكرض" ، وعلى بعد خطوات من قلعة "أكلكال"، مازال إلى اليوم يضم قبورا للسعديين و ضريحين غريبين يضمان رفات موتى دفنوا بشكل يخالف اتجاه القبلة. وبهذا الشأن تحديدا، يعتبر محمد بايري، فاعل جمعوي، استنادا إلى بعض الروايات الشفوية، أن الدفن بهذه الطريقة لا ينفصل عن بناء المحراب القديم للمسجد المرابطي والذي مازال يبدو منحرفا نحو الجنوب بصورة بارزة إلى جانب المحراب السعدي، مضيفا أن بعض الروايات تشير إلى أن الموتى كانوا يدفنون وظهورهم إلى الأرض وأرجلهم باتجاه القبلة اعتقادا منهم أنهم سيبعثون يوم الحشر في هذه الوضعية. وبعيدا عن هذه "القراءة الشعبية"، يؤكد السيد أفا أنه من الراجح أن "تيمزكيداأوكرض" تأسس في العهد المرابطي لأن محرابه القديم مازال منحرفا نحو الجنوب أسوة بمعظم المساجد التي شيدها المرابطون بمنطقة الجنوب (حوالي 11 مسجدا)، لأنهم اعتمدوا في ذلك ظاهر الحديث النبوي "بين المشرق والمغرب قبلة"، عندما سئل الرسول عليه الصلاة والسلام عن القبلة في المدينة المنورة، فاعتمد المرابطون هذا الحديث في تحديد القبلة في المغرب، أسوة بمسجد الرسول بالمدينة. ويشير الحاج عبد الله، أحد سكان القرية المسنين، من جهته إلى أن المقبرة المحاذية لهذا المسجد هي أصغر مساحة من باقي المقابر القديمة الأخرى التي تنتشر على طول منحدر خلف الطريق إلى اليمين وتمتد على مساحة كبيرة تقدر بالهكتارات، معربا عن أسفه لما يتعرض له هذا الفضاء من لا مبالاة وإهمال أو من تشويه لطابعه التاريخي. وبهذا الخصوص، يكتب أستاذ التاريخ بكلية الآداب بالرباط عمر أفا، أن تيمزكيداأوكرض "يتميز بأبنيته المخالفة للأبنية المحلية وما تزال بعض مرافقه قائمة ومنها كون بعض مظاهر العمارة تحمل الطابع السعدي وكذلك زخرفة بعض القبور التي ما تزال معروفة لدى السكان باسم +تيسعديين+ مما يمكن تفسيرها بأنها قبور بعض الأمراء السعديين وهي تتميز بأضرحتها المزخرفة دون سواها من القبور المتواضعة". ويستطرد ذات الباحث قائلا إن مقبرة هذا المسجد، الذي يعد أقدم جامع قريب إلى الساحل الأطلسي في اتجاه ميناء أكادير، كانت تنقل إليها جثث المجاهدين الذين كانوا يستشهدون في المعارك التي خاضها السعديون ضد البرتغال أثناء احتلالهم لحصن أكادير (1505/1541)، معتبرا أن "ما يدل على مصداقية هذه الرواية هو الاتساع الهائل لتلك المقبرة الذي لا يتلاءم والتجمع السكني لهذه المنطقة. ولأن التاريخ عادة ما يمكر والجغرافيا غالبا ما تكون عصية فإن منطقة أكرض لم تتخلف، بعدما ضاعت أخبار حصن أكلكال إلا من بقايا مازالت بادية للعيان وتم إفراغ الحصن بعد انتقال الساكنة إلى ميناء أكادير، عن مواصلة مسارها فعرفت ازدهارا علميا في الفترة السعدية وبعدها قبل ظهور مدرسة إغيلان المجاورة لها من ناحية الجنوب الشرقي حيث انتعشت العلوم على يد سيدي يحيى بن سعيد الإيلاني بإيعاز من الشيخ محمد بن أحمد الحضيكي، إلى أن حملت مشعل العلم إلى باقي مناطق سوس على يد الحاج سيدي مسعود الوفقاوي المتوفى سنة 1947. واليوم، مازال عبد الله أحمايدو القيم على مدرسة أكرض العتيقة وخريج مدرسة إغيلان المجاورة، يسهر رفقة أساتذة آخرين على تأمين تكوين ما يربو عن ثلاثين طالبا من مختلف مناطق سوس، لاسيما من أشتوكة وحاحاوأولوزوإيمينتانوت بفضل برنامج تعليمي يزاوج بين عراقة الماضي ومتطلبات الحاضر. واعتبارا لما يكتسيه "تيمزكيداأوكرض" ومن خلفه قصبة أكلكال من رمزية و أهمية في نفسية السكان وذاكرتهم ووجدانهم لم يتخلف عدد من المحسنين والفاعلين الجمعويين عن المبادرة إلى دعم طلبة المدرسة العتيقة من خلال بناء مساكن لائقة لهم وتجهيزها بما يلزم من أغطية وأفرشة حتى يواصلوا مشوارهم التعليمي في ظروف أحسن. ودون التقليل من أهمية ما يباشر من بناء في هذا الفضاء، يشدد خالد العيوض، فاعل جمعوي وأستاذ باحث، على حقيقة لا تخلو من أهمية مفادها بأنه "مهما حسنت النية وسلمت الطوية، لا ينبغي أن ترتفع لغة المعاول على حساب معلمة تاريخية من قيمة تيمزكيداأوكرض الذي يحتاج إلى تصنيف كتراث وطني باعتباره أحد آخر معاقل الذاكرة الجماعية لساكنة مسكينة ومن خلالها مدينة أكادير". *و.م.ع


اقراء المزيد »