اخر المواضيع

صلاح الوديع: نصف قرن على 23 مارس 1965







23 مارس 1965. العاشرة صباحا. قبل نصف قرن. تجمع ضخم يلتئم رويدا أمام باب الثانوية. الهمهمات لا تنفك تتصاعد كنار هادئة. بالأمس التقينا في إحدى المنازل القريبة من ثانويتنا: "ثانوية م عبدالله" بالبيضاء. كتبنا المناشير بأيدينا الصغيرة. كل منا أخذ حصته من صرختنا الطفولية المخبأة بين الحروف. لم يكن بنا خوف ولا تردد. في الصباح الموالي، حضرنا باكرا ونحن على موعد مع أفق يكبرنا بأجيال، لكنه ملجأنا الوحيد. كأننا على موعد خارق. خرجنا من الثانوية المتروكة لقدرها جماعات جماعات. توجهنا إلى ثانوية لحلو على بعد خطوات وحين مررنا بالقرب منها خرجت إلينا أمواج أخرى من اليفاعة والطفولة الغاضبة. ثم نزلنا الممشى الهادئ وقد تقمصه خطو هادر، إلى ثانوية أخرى... الأمواج البشرية ما انفكت تتقاطر على شارع 2 مارس. دراجتي الصغيرة التي رافقتني سنوات في رحلة الذهاب والإياب إلى الثانوية، دراجتي صديقتي الأثيرة أجرها إلى جانبي، نشوان من نسيم الحرية المنتشر في المكان. الأشجار في الحديقة العشوائية قرب الثانوية تبعث أريجها الربيعي. أنا حر من كل شيء. متمرد على كل السلطات. بما فيها سلطة والدي الذي أصبح ينبه – وهو يبارك جرأتنا - إلى خطورة الوضع وضرورة الاحتياط بعد مظاهرات الأمس... وصلنا ثانوية محمد الخامس وبدأنا نقترب من وسط المدينة. كنا على الربوة التي تطل على مدار "أوروبا" انطلاقا من الثانوية. عن يميننا الطريق المؤدية إلى ثانوية فاطمة الزهراء. لقد اكتمل العقد: المؤسسات الأربع الثائرة، المعروفة بشغبها وإضراباتها تلتئم على مقربة من وسط المدينة. فجأة ظهرت طلائع الجند. في الحقيقة لم نعر الأمر اهتماما كبيرا. كنا كمن يحضر مشهدا خارج السياق. طلائع الجند تقترب ونحن نفهم أن الموضوع جد، لكن ليس إلى درجة احتمال دخول الموت على الخط. تراجعنا قليلا. كنت وسط أعداد لا حصر لها من المتظاهرين ورأيت الأكبر منا سنا ممن يتقدمون الصفوف، وهم يتوقفون عن المشي كمن يحاول أن يفهم ما يجري. تأبطت محفظتي جيدا. دراجتي إلى جانبي. تراجعت الصفوف رويدا، ثم تفرقنا بسرعة أكبر. تفرقنا ثم التأمنا في الأزقة المجاورة. وعدنا إلى الهتاف. الساعة الثانية عشرة تقترب. وأنا، كيفما كان الحال يجب أن أعود إلى المنزل لطمأنة الصفوف الخلفية : والداي وإخوتي. بعد الظهر ذهبت رأسا إلى ثانوية فاطمة الزهراء. كانت الباقات المزركشة الألوان تؤثث المشهد ببهاء الإناث اليافعات. هن في الشارع مثلنا تماما. تلاشى الخجل الذي كان يراودنا حين الاقتراب منهن. تنافسنا في إلقاء الحجارة، وفي الهرب من خراطيم المياه. هناك التقيت آسية وأسماء. لم نكن على موعد... كنا هنا بكل عفوية الحياة. في غفلة منا تقدم الجند. جرينا آسية وأسماء وأنا إلى منزل بابه مفتوح ودخلنا ثم أغلقنا الباب خلفنا وبقينا نصيخ السمع لخطوات ثقيلة. نزلت امرأة في عمر أمنا من الطابق الأول. أشارت بأصبعها الموضوع على شفتيها المزمومتين بضرورة الصمت المطبق. من ثقب الباب تناوبنا على استراق النظر إلى الخارج. عندما جاء دوري ركزت النظر جيدا. ما رأيته لن يفارقني ما حييت. كان حذاء الجندي ينزل بكل ثقله على وجه فتى في عمري بقسوة لا حدود لها. صرخ الطفل، ثم ساد الصمت. بعد لحظات كانت كأنها الدهر، عادت المرأة إلينا من مكمنها، أخبرتنا بأن الطريق سالكة وأنه بإمكاننا الانصراف. وفي المساء، عندما عدنا إلى المنزل بسلام، كانت أخبار الموت تسبقنا. جاء والدي وتحدث في نبرة لا تخلو من قلق وحزم، وأبلغنا بقراره الصارم: لن يذهب أحد منا إلى التظاهر حتى إشعار آخر، فالموتى يعدون بالعشرات... يومها لم نكن نحن الثلاثة على موعد بيننا. كنا، ربما، على موعد...مع التاريخ. 23 مارس 2015


0 التعليقات: