اخر المواضيع

‏إظهار الرسائل ذات التسميات منبر هسبريس. إظهار كافة الرسائل

استذكار وتأملات في المشهد المصري


الجزء الثاني بالعودة إلى جوانب الموضوع، تجدر الإشارة إلى أن الخسيس هو رسول فعلا، أرسله أعداء الأمة بشكل فاضح للقضاء على أي أمل في نهوضها، وذلك بتقويض كل دعائمها المؤسساتية والمدنية والفكرية والعقدية المنبعثة من تحت الرماد، وعليه تحسب له شجاعته الوقحة، وجرأته الفاجرة، ووضوحه السليط.. ذلك أنه قصد المقصود مباشرة، فعرف الداء واقترح له الدواء، هكذا وبشكل مباشر، دون لف ولا دوران: الإشكال في الأصل، والأصل إنما هو نص، ومداواة علل النص حذف.. فالنص إما يكون أو لا يكون.. استئصال راديكالي، فكيّ ليس بعده داء، ولا حاجة لدواء.. لأن الترميم هنا غير مناسب، ولا مُجد، ولا ممكن أصلا، فالإشكال كامن في مفاهيم بدائية مبدئية قارة: "الجهاد"، "القتال"، "الشهادة"، "الكفر"، "العدل"... وهي مفاهيم نصية غير قابلة لتأويل أو تحوير أو تحويل تفسير،، ولو بليّ عنق النص!! لذا يجب الاعتراف لـ"الرجل" بسابقة أن قد جلى ما حوله يدندن القوم، ويغمزون: تنقيح "الكتاب" مما يقض مضجع غالبية سكان الكوكب، وحذف تلك النصوص التي تجعل المسلمين في تصادم مع العالمين!!! ويعتبر توكيله العلني هذا للدفاع عن أعداء الإسلام مناط "نجاحه" إلى غاية الآن، تماما كما ساعده على ذلك اعتماده استراتيجية "ثورية" في محاربة الدين. فبعد فشل توظيف كل الإيديولوجيات الداخلية والخارجية،، ولأنه عرف من أين وكيف تأكل الكتف، فقد "اهتدى" الخسيس لمحاربة الإسلام بـ"إسلام" شيوخ الارتزاق(أحمد الطيبي ومظهر شاهين وعلي جمعة...)!! إلا أن الثورات مد وجزر، والحروب معارك، قد يخسر طرف جولة وقد يربح أخرى، لكن العبرة بالخواتيم، ولنا في التاريخ مواعظ وعبر، فالثابت المسلم به أن هذا المشروع المراهن عليه كونيا لن ينجح أبدا، ببساطة لأنه فوقي مفروض، ولا يمكن أن يتغلغل في أوساط الشرائح، بل هو يعتمد -كما هو شأن كل مشاريع المنطقة لحد الآن- على توسيع قاعدة الفساد عبر إرشاء خيوط التحكم في المجتمع وأعيانه من "نخب" عسكرية وأمنية وإعلامية و"دينية" ورأسمالية وسياسية: منطق العصابة الذي لن يدوم أبدا، ما دام لا يمكنه الإحاطة بالشعب كله، ويعوزه التبني والإخلاص في التنزيل والأجرأة والتنفيذ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لأن جدار الخوف المانع الذي كان يحمي الطغاة المستبدين، قد تم اختراقه عند نسبة معتبرة من أفراد الشعب، وحل محله توق كبير إلى الحرية والكرامة والقصاص والديمقراطية والمساءلة وتقاسم خيرات البلد... وفي الواقع شاهد ودليل.. فمظاهر الفشل والتيه لا تخطئها العين، سواء على مستوى الاستقرار الأمني، أو توفير حاجيات المواطنين من الكهرباء والغاز، أو ارتفاع الأسعار، أو الزيادة في الضرائب، أو طرح الاكتتابات، أو ارتفاع الدينين الخارجي والداخلي، أو الانحسار الدبلوماسي والعزلة الدولية... وكل هذا نتيجة طبيعية لما سبق، وكذا للتخبط بين الترويج للاستقرار من أجل الاستثمار، وفي نفس الوقت الترويج لـ"الإرهاب" من أجل الاستئصال، في ثنائية متضادة ماحقة لمداخيل الاستثمار والسياحة على حد سواء!!! كما أن الإفلاس والهوان والبؤس ومدعاة الشفقة تظهر على المنظومة الانقلابية عامة، وذراعيها القضائي والإعلامي بشكل خاص، في كل شبر وفي كل حين.. فقد أصبح يكفيهم البحث بـ"الفتيلة والقنديل" عن مواضع وهمية لتصدير أزمتهم، ولو تعلق الأمر بحماس والقسام، وعن مواضيع خرافية للفت انتباه الناس وتشتيت تركيزهم، ولو تعلق الأمر بـ"ذبح كلب"!!... الهيم والغي والضلال حاضر أيضا على مستوى التنظير والتعبئة والتسويغ السياسي، حيث أنه أصبح من المألوف عند القوم أنه إذا عارض طرف من الداخل أو الخارج "الإخوان" يسوّق على أنه إجماع وطني أو دولي ضدهم، أما إذا عارض أي كائن الدولة، فيقدم على أن الدولة تتعرض لمؤامرة!! المفارقة أن هذه الأحداث قد أظهرت بلاهة صادمة لدى نسبة لا يستهان بها من أهل مصر، الذين كان يروج لهم بريادية في الفطنة والنباهة والعلم والتعلم والثقافة وحسن التقدير وسمو الخلق... مثل ما كان يروج حول ريادية تونس بن علي في التعليم والاقتصاد(...) والحال أنه ليس بينهم وبين من رأى من المغاربة الملك في القمر فرق!! مغالطات فضحت.. سيل الزيغ بلغ الزبى عند افتضاح أمر العسكر والإعلام بخصوص القتل المتكرر لسرايا جنود ومجندي الجيش والأمن، حيث وصلت القناعة أن من يقتلهم هو من يصرح أنه يعرف مكان، وربما زمان، الهجمات ولا يحبطها، وهو من لا يحقق في قتلهم، ولا يعلن عن المتهمين بذلك، باختصار: من يقتل الجيش المصري هو نفسه من يقتل الشعب المصري.. على سبيل المقارنة والاستئناس، وفي إطار القلاقل الوارد حدوثها حتى في الديمقراطيات، يبقى الفرق هو طريقة تعامل الأجهزة الأمنية مع المحتجين في كل من الديمقراطيات و"الهمجيات".. ففي تزامن بين قمع عشرات الآلاف من المحتجين، وقتلهم، وسحلهم، واعتقالهم، والتنكيل بهم في شوارع المدن المصرية، وبين اندلاع مظاهرات احتجاج على قتل الشرطة لمواطن أمريكي، وقعت احتكاكات بين المتظاهرين والشرطة، فلجأت الدولة -أكبر قوة عسكرية على الكوكب، والتي تهب لإنقاذ سائح أمريكي مفرد علِق في وحل أحد مستنقعات ناميبيا- لجأت إلى إخلاء الساحة تماما من كل قواتها، فاسحة المجال للمتظاهرين كيما يفرغوا حنقهم بالأنشطة والشعارات والخطابات... ثم ينصرفون!! في مقابل من يقتل القتيل، ليقتل بعده المشيع، والمحتج والأخ، والصهر، والجار، والصديق... خلوصا إلى استنتاج بسيط: من يدافع عن شعبه، لا يستسيغ قتله، ومن خان شعبه، لا يتورع عن قتله.. كلمة إلى أطقم الإعلام البديل عبر شبكات التواصل الاجتماعي الذين يراهنون على الإحراج الإعلامي للصهاينة في القاهرة: الصهاينة لا يُحرجون، ولكم في إخوانهم في تل أبيب خير مثال وأحسن عبرة.. فالإحراج إنما يتعرض له ذو حياء ودماثة خلق وعزة نفس.. وهذه شمائل كلها منعدمة في فصيلة الكائنات هذه.. إنهم يؤمنون بتحقيق أهدافهم الدونية الحقيرة، بغض النظر عن أي ضابط معنوي أو أخلاقي أو اعتباري آخر.. وإنما غاية المتوخى هو إقامة الحجة!!!
اقراء المزيد »

من أجل نسيج مدني للمساهمة في إصلاح التعليم


تركز التقارير الوطنية و الدولية على ضرورة التعاون بين الهيآت الدستورية والسياسية والنقابية والجمعوية من أجل بلورة المشاريع التنموية لاستكمال المواطنة، و ليس هناك مشروع وطني أهم من التعليم، إنه قضية عمومية، تندرج ضمن أولويات السياسات العمومية. فما دور المجتمع المدني في إصلاح التعليم ؟ و ما مهمة السلطات العمومية والهيآت المنتخبة ؟ ألا تدخل القضايا التعليمية ضمن اختصاصاتها، من حيث البنيات و المحيط المجالي و الحفاظ على قيم المواطنة ؟ التشاركية التعليمية: إن التشاركية بين السياسي والمدني كانت وراء طرد المستعمر وتحرير البلاد، و هي وسيلة للبناء، كهم جماعي، وآلية من آليات المساهمة في التنمية، تشرك جميع المواطنين في اتخاذ القرار و الاختيارات العامة و هي مقاربة نسقية انفتاحية على جميع المستويات، تجسد ديمقراطية القرب و تعالج قضايا الأحياء والجماعات والجهات، إنها ديمقراطية تداولية. إن المواطن/ الأب من حقه التواصل مع ممثليه، كشركاء في رسم السياسات العمومية، وتقديم الملتمسات، والتواصل مع المدرسة و الجامعة، فلا تخطيط استراتيجي للتنمية المجالية دون " تشاركية تعليمية ". يؤكد الدستور على مساهمة الجمعيات في قضايا الشأن العام، بإعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، و تفعيلها وتقييمها. و يمكن تطبيق الآليات المعتمدة في " الديمقراطية التشاركية " على مجال التعليم، بخلق "مجالس الأحياء للتعليم" وتنسيق العمل بينها، و خلق "مؤسسات تشاورية" تنسق بين المجالس و بين جمعيات الآباء، وتنظم العلاقة مع السلطة التنفيذية والتشريعية والجهوية. إن أزمة التعليم ترتبط بالسياسات التدبيرية العامة، و هي نتاج لأزمة مشروع مجتمعي لما ما بعد الاستقلال، و فشل السياسات العمومية هو فشل للعلاقة القائمة بين التعليم والمواطنة في كل أبعادها الفردية والجماعية. أشار التقرير الأول للمجلس الأعلى للتعليم، إلى الاستقطاب الإيديولوجي كسبب لفشل المشروع التعليمي، وسبب ذلك يعود إلى السياسات العمومية، ففي الانتخابات الجماعية يتنافس الأحزاب على كسب ود الأعيان "الأميين في الغالب"، بثقافتهم الخاصة للتنمية والتربية البعيدة عن التنمية البشرية أو إصلاح التعليم، وهنا يغيب المشروع الإصلاحي في تصور الجماعات، و تغيب " التشاركية التعليمية ". إن "التشاركية التعليمية " تلغي منطق إلقاء المسؤولية على الدولة أو الأحزاب أو الوزارة المعنية، فكل الأطراف مسؤولة عما آلت إليه الأوضاع. و لا يمكن اعتبار النزعة التكنوقراطية، التي تعود بين الحين و الحين، حلا بديلا عن «فشل» الأحزاب ؟ فالانجازات الحالية كارثية و " كل المنبهات الحمراء قد اشتعلت" ؟ فالتكنوقراطية أخطر من الاستقطاب الايديلوجي الذي أشار إليه تقرير المجلس الأعلى؟. من هن تأتي أهمية خلق نسيج مدني للمساهمة في إصلاح التعليم. من اجل نسيج مدني للمساهمة في إصلاح التعليم: إن النسيج المدني إطار تشاركي يتكون من جمعيات و منظمات المجتمع المدني المختلفة المهام، و التي لها علاقة من قريب أو بعيد بالتعليم، تعمل على التشاور والحوار و تقدم اقتراحات ومبادرات ومرافعات أحيانا. و هو ملتقى للتحسيس والتوعية وتعبئة المواطنين و الآباء حول دورهم و مسؤوليتهم في إصلاح التعليم، و تشخيص وتحديد المشكل الحقيقي الذي يعيق هذا المشروع. كما يمكن للنسيج أن يقوم بالتكوين والتدريب و التأهيل للأفراد و المؤسسات، و خلق ثقافة المواطنة و الحكامة بالتخليق و الترشيد، و يمكنه أن يكون دليلا للكفاءات و البحث عن الطاقات. إن الدستور يخول للنسيج المدني توسيع وتطوير علاقات التشاور والتعاون والتشارك بين المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والأساتذة والأطر والطلبة والتلاميذ والمنتخبين والبرلمانيين ومسؤولي مؤسسات الخدمات العمومية ووزارة التربية والتعليم. إن الرهان هو تفعيل ما تمت دسترته و مأسسة التجربة وعقلنتها و التحسيس بالمسؤولية، و رفع الروح المعنوية و الحوافز لمشاركة جميع مكونات المجتمع المدني، ومختلف الشركاء والفاعلين في " تشاركية تعليمية" نبني بها مشروعا مجتمعيا مغربيا.
اقراء المزيد »

ثمار مشوّهة


بلغ التّشوّه العقدي والأخلاقي غايته .. ﻻ أدري في أيّ صحراء ملعونة نغرس البذور، ونرفع أكفنّا نجسة نطلب المدد ، ننشدها بساطا أخضر، تعلوه ألوان الثّمار الطّيّبة ؟ أطفالٌ لا يزالون يتحسّسون منابت شواربهم على استحياء ، يحملون أسماء اﻷنبياء ، ﻻ يتركون عمودا من الدّين والمبادئ والقيم إﻻ انهالوا عليه بكلّ ما أوتوا من قوّة الجهل والعناد .. زعما بأنّ عقولهم المتحرّرة من كلّ ضابط ، تجد سبيلها إلى الخلاص. وأنّهم نظروا إلى حقيقة الحياة الخالصة ، فوجدوها تكمن في كتب تسيلُ سفسطةً .. وفي التّلقِّي اﻷعمى عن أشخاص اتّخذوا من الشّكّ في بدهيّات العقل المنضبطِ المتّزنِ منهجا لتشويه كلّ ما هو ربّانيّ فطريّ سويّ . معذورون وربّي .. إذ كيف يُعقل أن نلومهم ، وهم ﻻ يجدون في مؤسّسات المجتمع من ألفها إلى يائها منابعَ تروي ظمأهم .. وتُسكت ثورتهم . وإن حدثَ أن وجدت ، فإنّها تفني جهودها في صراع وقائيّ مع مؤسسات اجتماعية أخرى، أبلغ منها تأثيرا وأكثرعتادا و عددا . فسؤال الطّفل والديه في مجتمعنا أسئلة تتعلق بالوجود والميتافيزيقيا والدّين والقيم – ممّا تدعوه الفطرة إليه في مرحلة نموّه - تُعدّ من الحشو الفارطِ على اللّهو و المعدة ، فاشتغالهم بجوع بطنه ولهوه يغلب اشتغالهم بجوع العقل .. ونداءِ الفلسفة ، وﻻ يُستبعد أن يرى الوالد في اﻻجابة عن تلك اﻷسئلة كسرا لوقاره وطعنا في كبريائه . فتبحثُ أسئلة الطفل هته عن مجيب عنها خلف المقاعد الدراسية .. فلا تجد ما يخمد نارها ، إمّا لعلّة في المناهج .. أو لضعف جرعة المحتوى الدّراسيّ .. أو لرتابة المعلّم واكتفائه بالتّلقين والحشو الكمّيّ للمعلومات ، ورفضه كلّ سؤال خارج المقرّر أو ضمنه، ممّا قد يسبّب له حرجا إن هو لم يحسن جوابا ، أو لم يلتزم بحدود المنهج والوقت .. أو لعجز الدّولة عن تكوين معلّمين مربّين ، والاكتفاء بالأول منهما . وبين جهل الوالدين وغياب دور المدرسة تربيةً ، يركب الطّفل سفينة بلا شراع ، مقتحما بها محيطات أخرى، يحمل معه بوصلة ﻻ يحسن استخدامها .. يبحث عن شاطئ ﻻ يعرفه !! يجلسُ خلف الشّاشات .. يتكيّف مع عالم من التّناقضات أُعِدَّ سلفًا لطمس قدرات عقله ، وزعزعة إيمانه الفطريّ ، وإخراجه عن النّسق القيميّ . فأبسط اﻷمر.. أن يرى عبرالشّاشة قناةً وطنيّة تكرّس جهودها للصق كلّ ما يمحقُ هويّته ، وتنجح في سعيها نجاحا يشهدُ له كمّ التّشوّهات الملموسة في شخصيّات كثير من الشّباب اليوم . ويقتحم شبكات التّواصل اﻻجتماعي بحثا عن نفسه .. عن الأجوبة ، فيقف عند أول عابر يلمحه ، يتربّع بين يديه ساعة .. يشرب كأس فكره .. ويُعجَب بحسن إصغائه لأسئلته .. وتفانيه في حلّها ، فيكاد الطّفل التّائه من فرحٍ به يطير، بيد أنّه يعود لسابق عهده حين تندفع أسئلة أخرى باحثة عن مسائلَ يعجز العابر عن حلّها . فينتقل الطفل من وجه لآخر .. من فكر ومنهج وخصائص شخصيّة إلى أخرى .. يبدّل الوجوه والصّفحات ، ويبحث حائرا في بطون الكتب ، إلى أن يبلغ اليأس منه تمامه . فينكر فجأة كلّ ما آمن به يوما ، ليبدأ بعدها رحلة القرصنة .. يخرب كلّ سفينة يمرّ عليها ، ويشكّك في بدهيّات الأمور فضلا عن المعقّد منها . فلا يخرج من مرحلة الطّفولة إلاّ وقد تشوّهت ملامح شخصيّته .. ليعيش بعدها رحلة الشّقاء .. بحثا عن الخلاص المجهول . فيظلّ عالقا في ظلماتٍ كان عقلُه الصّغيرُ آخرَ مَن أوصلَهُ إليها ، ظلماتٌ حدّد حجمَها ولونَها ومكانها أيدٍ كثيرة . فكلٌّ راع .. وكلٌّ عن رعيّته مسؤول . فلا تسألوا أحمد عن سبب إلحاده .. ولا خديجة عن عرّيها ، واسألوا عقولهم .. تجبكم أصواتها المبحوحة من خلف أسوار الضّياع . نسأل الله الهداية والرّشاد ..
اقراء المزيد »

الصحافة والأحزاب :عودة إلى من يهمه قتل السياسة


بات من المؤكد والواضح أن كثيرا من الأقلام ،الصواريخ المصوبة رؤوسها بحرفية ودقة متناهيتين نحو الأحزاب الوطنية والتاريخية ومنها حزب الإستقلال لا تنام .ولا يبدو في الأفق القريب على الأقل أن هذه الرؤوس الأقلام ستعدل عن خطتها ،بل إن حلقة التضييق والتشويش من طرفها على هذه الأحزاب ستزداد مع الأيام ،وأنه لن يهدأ لأصحاب هذه الأقلام بال ولن يستريحوا حتى ترفع هذه الاحزاب الراية البيضاء وتقفل مقراتها الحزبية والإعلامية والنقابية والجمعوية وتعلن الإفلاس ويذهب كل عضو فيها إلى حال سبيله. لا نقول هذا الكلام محبة في زرع الفتنة بين هذه الأقلام الصحفية المحترمة والأحزاب الوطنية .ولا نقول هذا الكلام الصريح والمباشر كذلك لكي نكبل اجتهادات هذه الأقلام ونقطع لسانها ونقف حاجزا بينها وبين وظيفتها الصحفية الحرة المتمثلة في البحث والتنقيب عن الحقيقة لتشكيل رأي سياسي عام واضح وصريح عن أوضاع ومسارات وآفاق هذه الأحزاب ، ولكن نقول هذا الكلام لنؤكد من جديد أن ما تتعرض له هذه الأحزاب- ومنها حزب الإستقلال- من ضربات صاروخية من منصات صحفية مستقلة إلى حد "الحكان على الدبرة "،لا نعتقد أنه سيعطي أكله من الناحية السياسية المحضة.قد تترك هذه الضربات نعم بعض الضحايا وهذا أكيد ، ولكن ضحايا الفهم الملتبس حتى لا نقول السيء لحقيقة ما جرى وما يجري وما ينبغي أن يكون ، وتخلق المزيد من سوء التفاهم والتوتر ودوام الضبابية بين هذه الأحزاب والصحافة .كما أن هذه الضربات المتتالية قد تؤثر -ولو في حدود معينة- على الرأي العام الخارجي قبل الداخلي بحكم أن الكلمة الحارقة أصبحت شرارتها تطير إلى كل أرجاء العالم بسرعة البرق ،ومع ذلك ليس من السهل على هذه الأقلام أخلاقيا ومهنيا ومدنيا كذلك كقوة فاعلة داخل الميدان أن تتمادى في هذا الإتجاه . فإشعال فتيل الحرب المستمرة بين السياسة والصحافة على حساب زعزعة الأحزاب واضطراباتها لن يخرج منها الجميع إلا متحسرا خاسرا . لذلك سيكون من الغباء التام التوهم أن زعزعة استقرار الأحزاب التاريخية بمثل هكذا أسلوب مقالات وحوارات ساخنة ،سيساهم في إصلاح الحياة السياسية من جذورها.فالخلل والمرض في أصله في نظرنا يعود باالأساس إلى الترهل والذبول الذي اكتسح تقاسيم الجسد السياسي المغربي منذ زمان العديد من الأطراف ساهمت فيه سياسيين وصحفيين ومثقفين ونقابيين و..و.. ،إضافة إلى التنازلات المتتالية التي قدمتها الأحزاب والنقابات كلها بدون استثناء بشكل صريح وشجاع أو مقنع من تحت الطاولة (النوار السياسي والنقابي) .لقد كان أولى في نظرنا على هذه الأقلام أن تدفع بشباب هذه الأحزاب إلى إحداث ثورة داخلية لتنظيف العمل السياسي والعمل على امتصاص المحطات الصعبة و تجاوزها بذكاء بالبقاء في الحزب لا بالعمل على تشويه سمعته والتحريض الضمني بأهمية وجدوى الإنسحاب منه .فهذا ما يريده أعداء السياسة في البلاد أي إفراغ الأحزاب من مناضليها الصناديد ومفكريها ومثقفيها (وهذا هو النزيف الذي نتمنى أن يتوقف) لتعويضهم بمناضلي بشكيطو والبترينة والشناقة والشكامة وسماسرة الإنتخابات وتابعي جيلالة بالنافخ .إننا بهذا القول لا ننصب أنفسنا طرفا مدافعا عن الضحية التي تعتبره هذه الأقلام المتهم الرئيسي في القضية (المفسد السياسي) .كما أننا لا ندافع عن هذه الأحزاب من منطلق اعتبارها مؤسسات خالية من التعفن والمشاكل والهزات و(القوالب)، فالأحزاب مثلها مثل أي تجمع بشري قد تصيبها من حين لآخر فيروسات وتظهر عليها أعراض الفشل التي يمكن أن تتعافى منها لو توفرت الشروط اللازمة لذلك ، وإنما ندافع عنها ضمن أفق سياسي أعم وأرحب، يندرج في سياق الإنكباب على استجلاء الأسباب الحقيقية التي أوصلت هذه الأحزاب إلى هذا الوضع أي الطعن المتواصل في مصداقيتها وتأليب الرأي العام عليها .فليس من المستبعد أن يكون وراء هذه الشجرة الملتفة حول أعناق هذه الأحزاب التي تثمر مع طلعة كل شمس أشواكا حادة وثمارا مُرة ، كائنات سياسية ضارية لا نقول بلغة رئيس الحكومة السيد بنكيران تماسيح أوعفاريت وإنما نقول جماعة من بني آدم من لحم ودم ، لها مصالح آنية ومستقبلية تهيء لها و لنفسها ولمن يساندها الآن ولو بالصمت المتواطئ الأرضية والظروف كي تنقض على الفريسة بعد إنهاكها سياسيا وإعلاميا ونفاقيا كذلك، بغية التخلص من جثتها ورائحتها الوطنية نهائيا، فتصبح الساحة أمامهاىبذلك فارغة إلا من هياكل سياسية كارطونية تفعل بها ما تشاء ،فتذبح وتسلخ في هذا الشعب الصبور والكريم ما يطيب لها الذبح والسلخ . إن الصورة ستزداد سوادا وقتامة في أعين المواطنين خاصة الشباب منهم ، إن ظلت بعض هذه الأقلام متمادية بشكل مفرط في هذا الإتجاه الذي لا نعتبره لحد الساعة مقصودا أو مأجورا. فضلاعن ذلك فالصحافة كانت دائما بجانب الأحزاب حتى في أحلك ظروفها ،تعاضد وتؤازر وتنتصر لقوى التقدم والتطور فيها . نعم للسياسة والأحزاب أخلاقهما والتواءاتهما .فكم من المحطات التاريخية سرق فيها الساسة من الجماهير والمناضلين الشرفاء دفء أحلامهم وبعثروا الجميع بلا رحمة على قارعة الطرقات الملآى بالشوك والحفر والإنتظارات، إما انصياعا لأوامر أو إشارات مخزنية ، أو رضوخا لأنانية القيادات الشائخة ، فهامت هذه الجماهير وعامت فرادى وجماعات في سراب الوعود الكاذبة حتى تمزق عقد النضال المتين وانفرطت حباته يمينا ويسارا ، وانكشف الغطاء عن كثير من الوجوه الخائنة وعم البلاء ،ومع ذلك ظلت بعض هذه الأقلام متشبتة بأسئلتها الحارقة الملحاحة تنسج حروفها الساطعة أمانيا وآمالا عل شيئا عظيما يورق في هذا البلد يليق بانتظارات الجميع .لقد مر أكثر من نصف قرن على ميلاد مغرب الإستقلال والحريات ،وأيا كان تقييمنا للحصيلة بين الصحافة وعلاقتها بالأحزاب فإن أحدا لن يستطيع أن ينكر دور الصحافة خاصة المكتوبة على وجه الخصوص في تعميق مجرى تطور الأحزاب السياسية على توالي المراحل والأجيال ،حيث كان لبعض الجرائد من الصدى والفاعلية والتاثير على مجريات الأحداث السياسية داخل أو خارج الأحزاب ما يفوق إجرائيا وميدانيا ركاما من التنظيرات والنظريات ،ونعني بذلك صحافة المعارضة السابقة (جرائد الإتحاد والعلم والبيان وأنوال..) التي تراجع بريق بعضها وأقبر البعض الآخر ،والصحافة المستقلة الآن التي أخذت المشعل، حيث أصبح هناك شبه إجماع على أنها جميعها كل في زمانه وشروطه ، أخذت أضعاف أضعاف الإستحقاق في هذا المجال. إننا نعترف أن الفكر السياسي للأحزاب الوطنية قد عرف بعد رحيل أو انسحاب المنظرين الكبار لها اهتزازا و عطالة ، إضافة إلى تراجع المنابر الإعلامية الحزبية وانتشار سياسة التكيف والدهاء والواقعية الجديدة المبنية على البراغماتية والبروباگندا للوصول إلى الحقائب الوزارية ، كما أصبح موعد انعقاد المؤتمرات الوطنية والجهوية والمحلية لانتخاب الزعماء والقيادين والمتحكمين في المفاصل والدروع فرصة و محطة للإنتقام والأنشقاق وتصفية الحسابات والمناورات وبروز رؤوس وتهميش أخرى ، مما يفتح شهية بعض الأقلام الصحفية للمزيد من النبش في أسرار هذه الجسد المنهك والخوض في مشاكله وتفاصيلة ونشر المثير من أخباره وأسراره والتي قد يكون بعضها في كثير من الأحيان مبنيا على أسانيد وروايات ذاتية مغشوشة ومهزوزة، وكأني بهذه الأقلام أصبحت اليوم لا تعرف انتعاشا ولا تتنفس ولا تقتات كي تستمر في الوجود والعطاء المتميز إلا من طعام الأحزاب المريضة ووهنها وكثرة مشاكلها. إن النظر إلى مهمة رجل الصحافة ووضعيته كفاعل سياسي في الميدان يوميا بمقالاته واستجواباته وكطرف مساهم في الإرتقاء بالعملية السياسية برمتها، يحتم عليه الوفاء لرسالته والنظر إلى مشاكل الأحزاب بنظرة الغذ لا بنظرة الأمس واليوم ،بالنظرة التي تواكب التطور ،لا تلك التي تدعو الحزب إلى التحليق عاليا لتطوير الأداء السياسي وتشد أجنحته بألف وتاد وتضع في طريقه ألغاما ومتاريس . كما يتحتم على هذه الأحزاب الوطنية أو التاريخية أن تطور أدوات اشتغالها وتفتح أبوابها لرياح التغيير الديمقراطي وتتخلص من عقدة الزعيم المنقذ والانشغال بهواجس الماضي نحن الذين أتينا بالإستقلال..نحن الذين أوصلنا المغرب إلى حقوق الإنسان والإستقرار..نحن ..ونحن..ونحن..وتنسى هذه النحن العجيبة التي تضخمت أكثر من اللازم ، أنها هي الأخرى ظلت مثقلة بالعيوب والأخطاء التاريخية الشيء الذي أدى ببعضها إلى ما نشاهده من تصدع وخراب.
اقراء المزيد »

أُنْبُوشَاتٌ فِي المَفَاهِيمِ الْقُرْآنِيَّةِ/ الأَحْزَابُ


ذَكَرَ صاحبُ اللِّسَانِ، أن الحِزْبَ في اللغة من حَزَبَ: أي جماعة الناس، والجمع أَحْزَابٌ، والأَحْزَابُ: جنود الكفار، تألبوا وتظاهروا على حِزْبِ النبي صلى الله عليه وسلم، وحِزْبُ الرجل: أَصْحَابُه وجُنْدُهُ الذين على رَأْيِهِ. والمنافقون والكافرون حِزْبُ الشيطان، وكل قوم تَشَاكَلَتْ قُلُوبُهُمْ وأَعْمَالُهُمْ فهم أَحْزَابٌ، وإن لم يَلْقَ بعضهم بعضا. والحِزْبُ: الوِرْدُ. وَوِرْدُ الرجل من القرآن والصلاة: حِزْبُهُ. وَالْحِزْبُ: ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة وصلاة كالوِرْدِ. وَالْحِزْبُ: النَّصِيبُ. يقال: أعطني حِزْبِي من المال، أي حَظِّي وَنصِيبِي. والحِزْبُ: النَّوْبَةُ في وُرُودِ المَاءِ. وَالْحِزْبُ: الصِّنْفُ من الناس. وَالْحِزْبُ: الطائفة. وَالأَحْزَابُ: الطوائف التي تجتمع على محاربة الأنبياء عليهم السلام. وتَحَزَّبَ القَوْمُ: تجمعوا وصاروا أَحْزَاباً. وَحَزَّبَ فلانٌ أَحْزَاباً أي جمعهم. وتتناول الدلالة اللغوية، الحزب بمعنى الجماعة، والطائفة، والمنافقون، والكافرون من حزب الشيطان، والقوم الذين اجتمعت قلوبهم وأعمالهم على شيء، والوِرْدُ، والحَظُّ والنَّصِيبُ. أما في القرآن، فقد ورد المفهوم(20مرة) منها (10مرات ) في السور المكية،ومثلها في السور المدنية. وفي هذا التطابق الكبير والملفت للانتباه دلالة وحكمة في اشتغال المفهوم، فما يأتي من الأحزاب في مجال العقيدة، من اجتماع، وتآلف، ووحدة ، يأتي مثله في المجتمع ،وإذا كان الانقسام، والتعصب، والتفرق المذهبي في العقيدة، يأتي مثله كذلك في الحياة، وعلاقاتهم السياسية والاجتماعية، وقد يصاحب الأحزاب فرح حزبي عندما تكون الكثرة والغلبة فيها، أو في قوتها التنظيرية، والاستقطابية، مما يؤدي إلى صراع بين حزب وآخر، أو هدم قلاعه. وهواهم في مثل هذه الأعمال يكون دائما واحدا، يقول الله تعالى: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) الروح/32. أما صيغه فجاءت بـ (حِزْبٌ- حِزْبُهُ- حِزْبَيَنِ- الأَحْزَابُ) من المفهوم المفرد(حِزْبٌ- حِزْبُهُ) الدال على الشخصانية، إلى (حِزْبَيْنِ- أَحْزَابٌ) التي تفيد التعدد، والتنوع. وفي المفهوم ما ينتمي إلى حزب الشيطان، وهم المنافقون والكافرون، وما ينتمي إلى حزب الله سبحانه، وهم القوم الذين اجتمعت قلوبهم وأعمالهم، على وِرْدٍ يصلهم بالله عز وجل. والدعوة الحزبية فيهما مختلفة تمام الاختلاف، كما يثير تكتل الأحزاب، واجتماعها إشكاليات في التنظير. والممارسة الحزبية، وقد عبر المنظور القرآني عن مجموعة من الأفعال التي تنشأ في الأحزاب: (الفرح، ونسيان ذكر الله، والكفر، والإنكار، والاختلاف، والظهور، والانهزام، والنار، والسعير )، فكيف تكون دعوتهم راشدة، وهم بهذه الممارسات الحزبية الظاهرة للعيان؟ إن مفهوم الأحزاب في آي القرآن الكريم، يشتغل في سياقات تبرز عمله بفئة ضالة، و بفئة مؤمنة ذاكرة لله جل جلاله. ولعل أبرز صفة لصيقة في الأحزاب، والتي أظهرها القرآن هي صفة الانهزامية. قال تعالى: (جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ) ص/11. وهو انهزام متنوع فيه العددي، والفكري، والروحي. ومن الأحزاب في الأمم الغابرة، قوم نوح وعاد وفرعون،وثمود وقوم لوط، وقوم شعيب، كانوا طغاة على رسلهم، فأصبحوا نكرة في التاريخ، وآثارهم تنطق بالهزيمة، كما يتناول النص القرآني الأحزاب الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحزبوا في جماعات مَاكِرَةٍ، ضَالَّةٍ، حتى سميت سورة في القرآن بـ"سورة الأحزاب" التي تتحدث عن الغزوة، وبني قريظة من اليهود، ومواقف الكفار والمنافقين، وتحزبهم لإيقاع الإِرْجَافِ في صفوف الجماعة المؤمنة عن طريق خلخلة الأوضاع الاجتماعية، والقيم الأخلاقية. وهو الاتجاه ذاته الذي تسلكه الأحزاب في مجتمعاتنا المعاصرة. قال تعالى: (يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا ۖ وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ ۖ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا ) الأحزاب/20 . لقد أثار هذا المفهوم، ويثر تساؤلات كثيرة حول الجماعات، وبتعبير القرآن (الأحزاب)، والبرامج التي تشتغل عليها في الأمة، بين التي يكون فيها الاشتغال بنسيان ذكر الله تعالى، والاختلاف، وحب الظهور، والتي تشتغل على الصلاح موصولا بالله سبحانه، في اجتماع، وتآلف للقلوب. بِوِرْدٍ يَرِدُونَ به على الله عز وجل، فيهم الصدق، ويهم الفلاح، والغلبة،( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)المجادلة/22.
اقراء المزيد »

ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان


من خلال مشوارنا الدراسي والعلمي، من اﻹبتدائي حتى الثانوي ثم الجامعي صادفنا بعض الأساتذة والمشايخ ذات التوجهات التكفيرية والمذهبيات الضيقة؛ بحيث كانوا -سامحهم الله وغفر لهم وهداهم – يشحنوننا بأفكار خطيرة ومتطرفة وشاذة بعيدة كل البعد عن هدي الإسلام ورسالته الإنسانية النبيلة التي أتت رحمة للعالمين، ففي الحقيقة قد مارسوا علينا ما يسمى اليوم بالإرهاب الفكري، وبوسائل متعددة ومتنوعة لعزلنا عن العلماء، وأهل الفضل والصلاح والمربين المخلصين، وخاصة الذين يخالفونهم في توجهاتهم الفكرية ومذهبياتهم الحجرية العقيمة، حتى لا يكتشف الطلبة حقيقة ما يراد بهم، وما يخطط لهم، وحتى لا تتضح لهم كذلك مفاسد تلك اﻷفكار، ولا يعرفون خطأ ما هم عليه بسبب تلك العزلة، مما كان يدفعهم إلى توجيهنا نحو شيوخ معيينين، ولقراءة كتب معينة التي تلهب حماس الشباب الطائش، وتستجيب لعواطفهم المتهورة، فيظهر أولئك الأشخاص أمام الشباب بأنهم من العلماء الكبار، فيصفونهم بأوصاف تجعل لهم في نفوس الشباب المنزلة العلية، وهكذا في سلسلة من الأعمال التي تؤكد العزلة الفكرية في مرحلة خطيرة من العمر، حتى يتشرب أولئك الشباب تلك الأفكار، فلا يمكن بعد ذلك تغيير مفاهيمهم بسهولة، لأنهم لا يعتبرون بالعلماء الراسخين، وإنما يعظمون أشخاصًا آخرين جهلة، ويعتقدون أنهم هم العلماء حقا، ولا ينظرون إلى ضعف علمهم، وضحالة فكرهم، وقلة ورعهم، وحداثة أسنانهم، وسرعة أحكامهم، وجرأتهم في المسائل الكبيرة، وتقدمهم على العلماء الكبار، بل ومخالفتهم، وعدم الاكتراث بهم، وربما ازدرائهم، وبهذه التوجيهات الخاطئة من قبل هؤلاء المتفيقهين أصبح الكثير من شبابنا الإسلامي في أوطاننا العربية دواعش وخوارج يسعون في الأرض بالفساد والإفساد، مع تتبع أخطاء العلماء وعوراتهم، ناهيك عن الطعن في حكامهم وأولاياء أمورهم؛ بل وتكفيرهم وإخراجهم من ملة الإسلام !!. ومما يزيد في الطين بلة كما يقال هو أن هؤﻻء السادة الأساتذة كانوا يحاولون دائما طمس ما يمكن طمسه من أقوال العلماء الكبار الذي ﻻ تتماشى مع أهوائهم وضلالاتهم، وعندما تريد الطالبة أو الطالب التعقيب يصنف فورا من خلال كلامه، فإن هو وافق رأيهم فنعما وهي، وإن خالفهم فالويل له أو لها..!!. فغالبا وأثناء الدرس والشرح كانت تحرف أو تطمس بعض أقول العلماء وخاصة التي تتعلق بطاعة أولي اﻷمر، فكنا ﻻنسمع منهم أي شيء في هذا، وما زلت أتذكر عندما عارضت أستاذي في الجامعة وذكرت له القصة التي حصلت بين الخوارج والحسن البصري رضي الله عنه ومفادها، أنه أتى رجل من الخوارج إلى الحسن البصري، فقال له: ما تقول في الخوارج؟ قال الحسن: هم أصحاب دنيا، قال: ومن أين قلت أنهم أصحاب دنيا والواحد منهم يمشي بين الرماح حتى تتكسر فيه؟! ويخرج من أهله وولده؟! قال الحسن: حدثني عن السلطان! هل منعك من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحج والعمرة! قال: فأراه إنما منعك الدنيا فقاتلته عليها" أ.هـ. أي أنك قاتلته على أن تكون صاحب رئاسة وصاحب سلطنة، فالخوارج أصحاب دنيا على رأي الحسن البصري وأصحاب هوى، وبمجرد ما انتهيت من تدخلي نظر إلي أستاذي الفاضل بنظرات وكأنني قتلت أمه، وقال لي: هذه قصة مكذوبة عن الحسن البصري ..!! . يقول الإمام الجليل الحسن بن علي البَرْبَهَاري في كتابه الجليل "شرح السنة": إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان، فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا سمعت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح، فاعلم أنه صاحب سنة، ويقول الفضل بن عياض: لو كان لي دعوة، ما جعلتها إلا في السلطان. قال الإمام البربهاري: فأُمرنا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم، وإن جاروا وظلموا، لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم وعلى المسلمين، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين؛ مع العلم ن أكابر علماء الإسلام وعبر التاريخ الإسلامي كانت لهم مواقف إيجابة من سلاطين المسلمين، ولهذا تعرض البعض إلى الهجوم والقذف والتكفير والإتهام ومنهم الإمام مالك رحمه الله تعالى؛ حيث كان يتهم ويصنف من قبل خصومه بأنه من علماء السلطان؛ نظرا لما كان يدعو ويحث في دروسه بالمسجد النبوي الشريف العلماء للدخول على الحكام والأمراء ، والتعاون معهم على البر والتقوى والدعاء لهم بالخير والصلاح والفلاح، ويأمرهم بالسمع والطاعة انطلاقا من قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم.." ، وعندما قيل له في معرض الاتهام: إنك تدخل على السلاطين وهم يجورون ؟! "أي يظلمون" قال: يرحمكم الله، وأين التكلم بالحق، إن لم يكن في هذا الموقع ؟! ويؤثر عنه أنه استنكر على الخليفة هارون الرشيد وجود الشطرنج عنده، فما كان من الرشيد إلا أن رماه برجله وأخرجه، كما نهى الخليفة المنصور عن رفع صوته في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ونهى المهدي عن الشرب من كوز له حلقة فضية، فما كان من المهدي إلا أن أتى بالكوز وقلع الحلقة الفضية منه، وأنكر على والي المدينة خروجه إلى صلاة العيد بالسلاح." هذا هو الإمام مالك الذي تطمس بعض آرائه وأقواله اليوم من قبل خوارج العصر الذين تسلقوا الجامعات ومنابر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضلوا وأضلوا شباب الأمة معهم، فأصبح هؤلاء الشباب وقود الحروب في ميادين القتال كمرتزقة يباعون ويشترون في أسواق النخاسة الداعشية والإمبريالية العالمية، مع أن أهل العلم والورع والتقوى قرروا على أنه من أعان السلطان على الخير والصلاح وإقامة العدل بين الناس ومساعدة المحتاج وإرجاع الحقوق لأصحابها عن طريق القضاء ونحو ذلك، أعانه الله، لأنه أعان السلطان على الخير وعلى البر والصلاح، فإذا بينت للناس مثلا، ما يجب عليهم للسلطان وأعنتهم على طاعته في غير معصية فهذا خير كثير؛ بشرط أن يكون إعانتة على البر والتقوى وعلى الخير، مصداقا لقول الله تعالى: :"وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على لإثم والعدوان". ولحكم عظيمة ومصالح كثيرة لا تعد ولا تحصى في احترام السلطان وطاعته أشار لبعضها الإمام القرافي بقوله: "قاعدة: ضبط المصالح العامة واجب، ولا تنضبط إلا بعظمة الأئمة في نفس الرعية، ومتى اختلف عليهم أو أهينوا؛ تعذرت المصلحة.." . وقد أخرج ابن عبد البر في التمهيد أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يقول: "ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن" وسئل الإمام مالك: ما يزع؟ قال يكف. هذا مما اعتبر ابن خلدون في المقدمة بأن السلطان هو نائب عن الله في تطبيق الشريعة، وقال: "إن السلطان نائب عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا"؛ لأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الواجبات كالعدل ، وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم.. لهذا روي: "أن السلطان ظل الله في الأرض" لذا كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم كالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، والفضيل بن عياض يقولون: "لو كان لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان" ، وحتى شيخ الإسلام إبن تيمية والذي يعتبر عند هؤﻻء القوم شيخ المجاهدين وكلامه ﻻ يحتمل الخطأ يقول عن السلطان: "ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان. (مجموع الفتاوى28/290 )؛ لكن نوعية هذه اﻵراء لابن تيمية رحمه الله تطمس وتقبر وتحرف، ولهذا أقبرت الكثير من آرائه ومنها موقفه اﻹيجابي من التصوف والمتصوفة.!! . للأسف الشديد، كنت أظن شخصيا أن هذا الإرهاب الفكري الذي مورس على التلاميذ والطلبة من قبل أساتذتهم وشيوخهم ماضيا وحاضرا قد ولى وانتهى زمنه في عصر الشبكات العنكبوتية المفتوحة التي حولت العالم إلى قرية صغيرة ومكتبة شاملة يمكنك التجول فيها والأخذ من معارفها والوصول إلى أي معلومة تريدها في أقل من دقيقة، لكن هذا الداء وهذه المذهبية الضيقة -حسب ماوصل إلينا من بعض الطلبة - مازالت حية تسعى تلدغ وتسمم عقول شبابنا البريء، الى درجة منع (هؤلاء الخوارج الجدد) طلبتهم من وضع إعجاب أوقبول صداقة على الفايسبوك أو تويترلأساتذة ولشيوخ معيينين خوفا من أفكارهم والتعلق بهم وبالتالي التخلي عنهم ..! . -سفير الهيئة المغربية للوحدة الوطنية في العالم الإسلامي
اقراء المزيد »

مذكرات إمام الجهاد والفتوة خطوات على منهاج النبوة







بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله علي مولانا محمد وآله الطيبين الطاهرين. في ذكرى إمام الجهاد والفتوة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعيد الإنسانَ ذاكرتُه إلى مواقف ومبادئ مستقاة من منهاج النبوة، منها المقروء في الكتب، ومنه المشهود في تاريخ رجل مازالت فضائله تتجلى وستستمر عبر الأجيال إلى ما شاء الله، فيخط الإنسان انطباعات عن توافق القول والفعل في حياة الإمام رحمه الله، وتصديق أحدهما الآخر، ثم يجيل الإنسان النظر في أئمة الهدى عبر تاريخ أمتنا فتنبهه أحداث التاريخ الرافعة الخافضة أن الإمام حلقة فيدة من سلسلة نورانية، لا ينمحي لها أثر، ولا ينقطع لها خبر، كما يعبر الأستاذ الشاعر منير الركراكي حفظه الله. فقد كان أنبياء الله ورسله، ولا يزال من سار على نهجهم صفوة الله من خلقه، تميزوا بأخلاق وشمائل أبهرت من كان حولهم، فافترق الناس فيهم عبر العصور من مقر لهم بالفضل، شاهد بلسان الإقرار مثل صاحبي سجن يوسف: "إنا نراك من المحسنين"، ومنكر جاحد لا يعرف فضلا غير ما يدعيه لنفسه الأمارة بالسوء. فلن تجد نبيا ولا وليا لله إلا وكان له أتباع محبون فانون فيما شهدت به قلوبهم قبل أسماعهم وأبصارهم، أو معاندون أبوا إلا ركوب السنة الإبليسية: "أنا خير منه".

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: "إن أنبياء الله رجال جهاد، رجال عمل وبلاغ، زودهم الله بأكثر الصفات ملاءمة لوظيفتهم الإلهية ومن أهمها السمت والتؤدة والاقتصاد..." (1) السمت والتؤدة والاقتصاد، خصال تحلى بها أنبياء الله وورثتهم المجددين فتميزوا عن الجاهلية في النيات والأقوال والأفعال معا، وهذه الخصال هي التي تنقص عالمنا اليوم في مجالات التربية والفكر والثقافة والاجتماع، لينطبع ذلك في السلوك الفردي والجماعي في جميع ميادين الحياة ومجالات التفاعل والتواصل بين كافة خلق الله! وعموما فإن الناظر في سير هؤلاء الصفوة من خلق الله فسيخرج بخصائص تميزهم عن غيرهم من خلق الله تعالى نذكر منها: شرف نسبهم فقد جرت العادة أن يُبعث هؤلاء الأخيار في مجتمعات قد انتشرت فيها أنواع الفساد حتى يصبح الفجور والفسوق مدعاة للتفاخر، فترى هؤلاء الأئمة الهداة في بيئتهم كواحة خضراء وسط صحراء قاحلة! فإذا أذن الله ببروز داعية يدعو إلى الله على بصيرة من ربه برز له من يردد بدرجة ما نفس قولة قوم لوط: "...أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ"(2).

موقع بني هاشم من قريش وسط صحراء العرب الجاهلية القاحلة، غارات يأكل فيها القوي الضعيف تغنت بها الشعراء، خمر وعهر سارت بأخباره الركبان، وأد للمرأة طفلة أو استحيائها كرها، وعبادة للأصنام وسط البلد الحرام، إلخ...! وسط كل هذا كان بنو هاشم واحة خضراء كرما وشهامة، وطهارة، يطعمون الطعام ويصلون الأرحام، وفيهم أودع الله تعالى مسك الختام، وسيد الأنام عليه وعلى آله الصلاة والسلام. وسنكتفي هنا بسرد بعض النصوص المعبرة عسى تغني عن التفصيل. فهاشم هذا الذي ينسب إليه آل بيت النبوة عليهم السلام هو الشريف النسب المنيف الحسب، واسمه عمرو بن عبد مناف، وإنما قيل له هاشم لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكة وأطعمه. وقد كانت قريش أصابتهم مجاعة وقحط فرحل إلى فلسطين فاشترى منها الدقيق فقدم به مكة، فأمر به فخُبز له ونحر جزورا وأطعمه قومه"(3). وفيه قال الشاعر: عمرو الذي هشم الثريد لقومه -- ورجال مكة مسنتون عجاف وقال وهب بن عبد قصي في ذلك: تحمل هاشم ما ضاق عنه ... وأعيا أن يقوم به ابن بيض

أتاهم بالغرائر مُتأقَّات(4) ... من أرض الشام بالبر النفيض

فأوسع أهل مكة من هشيم ... وشاب الخبز باللحم الغريض(5)

فظل القوم بين مكللات ... من الشيزى(6) وحائرها يفيض قال الطبري: "... فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وكان ذا مال، فتكلف أن يصنع صنيع هاشم فعجز عنه، فشمت به ناس من قريش، فغضب ونال من هاشم ودعاه إلى المنافرة.(7) فكره هاشم ذلك لسنه وقدره ولم تدعه قريش وأحفظوه، قال: فإني أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق تنحرها ببطن مكة والجلاء عن مكة عشر سنين، فرضي بذلك أمية وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي فنفر هاشما عليه، فأخذ هاشم الإبل فنحرها، وأطعمها من حضره. وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية".(8) لم ينقطع الحسد مع أمية بل استمر في ذريته الذين استمر كيدهم للإسلام حتى نقضوا ما أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما يسميه الإمام رحمه الله ب "الانكسار التاريخي"! وهذه نماذج أخرى تبين فضائل الهاشميين واستمرار حسد قريش لهم: روى البيهقي عن الزهري قال: "حُدثت أن أبا جهل، وأبا سفيان، والأخنس بن شريق، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي بالليل في بيته، ... (تعاهدوا ألا يعودوا ثلاث ليال ونكثوا في كل مرة) فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته ... ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. فقام عنه الأخنس بن شريق."(9) ليس المهم عند الجاهلي هل كان محمد صلى الله عليه وسلم صادقا فيما يدعي أم كاذبا، ولكن المهم هو المفاخرة والمكاثرة! فها هو أبو جهل يعلنها صريحة للمغيرة بن شعبة، فعن زيد بن أسلم، عن المغيرة بن شعبة قال: " إن أول يوم عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني كنت أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة، إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهل: يا أبا الحكم هلم إلى الله عز وجل، وإلى رسوله أدعوك إلى الله قال أبو جهل: يا محمد، هل أنت منته عن سب آلهتنا؟ هل تريد إلا أن نشهد أن قد بلغت، فنحن نشهد أن قد بلغت، فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حق ما اتبعتك. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل علي، فقال: فوالله إني لأعلم أن ما يقول حق، ولكن بني قصي، قالوا: فينا الحجابة فقلنا: نعم، فقالوا: فينا الندوة فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا اللواء فقلنا: نعم، قالوا: فينا السقاية فقلنا: نعم، ثم أطعموا وأطعمنا حتى إذا تحاكت الركب، قالوا: منا نبي. والله لا أفعل "(10). وصدق الله العظيم حين يقول: "قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ، فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ".(11) ومن فضائل هاشم أيضا أنه هو أول من سن لقريش رحلتي الشتاء والصيف، وكان هو وأخواه عبد شمس والمطلب، يقال لهم المجبرون. فكانوا أول من أخذ لقريش العِصَم عند ملوك الشام والروم وغسان، والنجاشي الأكبر، والأكاسرة، وملوك حِمْيَر، مما مكن لقريش أن تنتشر في هذه البلدان للتجارة، وأنقذوهم من الموت جوعا، أو ما كانوا يسمونه ب "الاعتفاد" بالفاء، وهو كما جاء في لسان العرب: "الاعتفاد أن يغلق الرجل بابه على نفسه فلا يسأل أحدا حتى يموت جوعا ...".(12) سنة بئيسة تتصارع فيه أنفة العربي وقسوته وغلظة كبده، لم يحسمها ويقطع دابرها إلا الكرم الهاشمي وإنسانيته، فقد روى الإمامان القرطبي وابن العربي في تفسيريهما عن ابن عباس رضي الله عنهما، في قول الله عز وجل: "لإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ". "وذلك أن قريشا كانوا إذا أصابت واحدا منهم مخمصة، جرى هو وعياله إلى موضع معروف، فضربوا على أنفسهم خباء فماتوا، حتى كان عمرو بن عبد مناف -وهو هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم- وكان سيدا في زمانه، وله ابن يقال له أسد، وكان له تِرْب من بني مخزوم، يحبه ويلعب معه. فقال له: نحن غدا نعتفد، ... قال: فدخل أسد على أمه يبكي، وذكر ما قاله تِرْبه. قال: فأرسلت أم أسد إلى أولئك بشحم ودقيق، فعاشوا به أياما. ثم إن تربه أتاه أيضا فقال: نحن غدا نعتفد، فدخل أسد على أبيه يبكي، وخبَّره خبر تربه، فاشتد ذلك على عمرو بن عبد مناف، فقام خطيبا في قريش وكانوا يطيعون أمره، فقال: إنكم أحدثتم حدثا تَقِلُّون فيه وتكثر العرب، وتذلون وتعز العرب، وأنتم أهل حرم الله عز وجل، وأشرف ولد آدم، والناس لكم تبع، ويكاد هذا الاعتفاد يأتي عليكم. فقالوا: نحن لك تبع. قال: ابتدأوا بهذا الرجل- يعني أبا تِرب أسد- فأغنوه عن الاعتفاد، ففعلوا. ثم إنه نحر البُدْن، وذبح الكباش والمعز، ثم هشم الثريد، وأطعم الناس، فسمي هاشما".(13) وتحدثت الركبان عن الكرم الحاتمي، وتجاهلت الكرم الهاشمي لأسباب يعلمها الله، ويعلمها المتفطنون لمكر البغاة الذين يبغونها عوجا! الهوامش: 1- الإسلام غدا. 2- سورة النمل، الآية: 56 3- هذه المعلومات والتي تليها كلها مبسوطة في تاريخ الطبري، ط دار المعارف بمصر، ص: 251 وما بعدها. 4- التَّأَقُ: شدَّة الامْتِلاء. لسان العرب. 5- والغَرِيضُ الطَّرِيُّ من اللحم والماء واللبن والتمر. نفس المصدر. 6- والشِّيزَى شجر تُعْمل منه القِصَاع والجِفَان، وقيل: هو شجر الجَوْز... نفس المصدر 7- ونافَرْتُ الرجلَ مُنافَرَةً إِذا قاضيتَه. والمُنافَرَةُ المفاخرة والمحاكمة. والمُنافَرَةُ المحاكمة في الحَسَبِ. قال أَبو عبيد: المُنافَرَةُ أَن يفتخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه، ثم يُحَكِّما بينهما رجلاً... والمَنْفُورُ: المغلوب. والنَّافِرُ: الغالب. ... وقال ابن سيده: وكأَنما جاءت المُنافَرَةُ في أَوّل ما اسْتْعْمِلَتْ أَنهم كانوا يسأَلون الحاكم: أَيُّنا أَعَزُّ نَفَراً؟ لسان العرب: مادة: نفر. 8- تاريخ الطبري، أبو جعفر الطبري، ط: دار التراث - بيروت. ص: 253-ج 2 9- دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للإمام أبو بكر البيهقي، ت 458هـ، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى - 405 هـ ، ج: 2 ص: 206 و 207. 10- المرجع السابق، ص: 207. 11-سورة الأنعام، الآية: 33 12- لسان العرب لابن منظور الأنصاري ت: 711هـ، دار صادر - بيروت ط: الثالثة - 1414 هـ ، ج: 3 ص: 295 13- الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي، دار الكتب المصرية، ط الثانية 1964. ج: 22، ص: 502


اقراء المزيد »

جمال بن عمر والمهمة المستحيلة







بعد أن وصلت الأزمة اليمنية إلى الباب المسدود ، وبعد أن أصبحت هذه البلاد ميدان صراع بين العديد من الدول حول مصالحها الشخصية بحيث بدت دولة اليمن كفريسة تتناهبها براثن الأسود والضباع وكل من يريد أن تستمر الفتنة في هذا البلد المغلوب على أمره.أقدم الدبلوماسي المغربي جمال بن عمر باعتباره يمثل أكبر مؤسسة دولية تعنى بشؤون الأمم ومصيرها وأعني بها الأمم المتحدة ، قلت أقدم هذا الدبلوماسي الذي كلف بنزع فتيل الاقتتال الدائر في اليمن على تقديم استقالته . والحقيقة أن فشل السيد بن عمر في تحقيق الأهداف التي بعثه بان كيمون من أجل تحقيقها كان مسألة حتمية .هذا الفشل طبعا لا علاقة له بشخصية الممثل الأممي ولا بمؤهلاته الدبلوماسية ، لأن الإعصار كان أقوى حتى من جهود الأمم المتحدة بكل وسائلها و قدراتها . الأزمة اليمنية وكما هو واضح قريبة الشبه من الأزمة السورية .وجه الشبه بين الأزمتين يتمثل أساسا في كون اللاعبين الرئيسيين في سوريا هم أنفسهم أبطال الأزمة اليمنية . فالبطل الرئيسي في ملحمة الاقتتال التي أودت بمئات الآلاف من الأبرياء في سوريا وهي دولة إيران حاضرة أيضا وبقوة في الحرب الدائرة بين الحوثيين وأزلام الرئيس السابق علي صالح ، طبعا دون أن ننسى المساندة اللوجستيكية والسياسية للدب الروسي من جهة . مقابل السعودية والدول العربية التي ساندتها كي تتمكن من وضع حد للهيمنة الإيرانية التي أصبحت تمتد يوما بعد يوم في العديد من الدول بهدف أن تتحول إلى إمبراطورية شيعية ، وقوة نووية ذات بأس تعيد للفرس وولاية الفقيه أمجادا ضاعت منهم في الزمن الغابر. وبما أن ظروف الأزمتين متشابهة كما أسلفنا فقد كان من المنطقي أن يفشل جمال بن عمر في اليمن ، كما فشل الممثل الأممي الآخر الأخضر الإبراهيمي في حمل النظام السوري والمعارضة بكل أطيافها على الوصول إلى اتفاق سواء في ملتقى جنيف واحد أو أثنين. وما كاد السيد جمال بن عمر يقدم استقالته ، حتى انهالت عليه الانتقادات من كل حدب وصوب ، ومن كلا الجانبين المتصارعين .فالحوثيون مثلا يتهمونه بأنه متورط ضدهم في هذه الأزمة ، وأنه هو من قام بتهريب الرئيس عبد المنصور هادي من صنعاء إلى مدينة عدن .كما يتهمه الحوثيون أيضا بأنه المسئول هو و أحمد عوض مبارك، مدير مكتب رئاسة الجمهورية ، عن إجهاض التوقيع على الاتفاق الذي ينص على تلبية المطالب الشعبية وفق خريطة واضحة . هذا غيض من فيض من الاتهامات الموجهة للمبعوث الأممي من قبل الحوثيين . أما الطرف الأخر ، أي الفئة المعارضة لصالح والحوثين ، فهم بدورهم انهالوا بالاتهامات المغرضة على بن عمر ، من بين هذه التهم الموجهة إليه زعمهم أن الرجل منحاز للحوثيين ،وأنه يخدم أجندة أمريكية وغربية ، وأنه يهدف إلى تعزيز مكانته الشخصية طمعا في الحصول على منصب أفضل في الأمم المتحدة .كما أن دعمه للإعلان الدستوري الذي فرضه الحوثيون بالقوة أكبر دليل على انحيازه لهذه الفئة التي تريد أن تحول اليمن إلى مقاطعة إيرانية. وقد عزز لدى بعض اليمنيين عدم حيادية جمال نبن عمر ، تسريب اتصال جرى بين هذا الأخير وحميد الأحمر رئيس حزب الإصلاح المحسوب على الحوثيين . فحوى هذا الحديث الذي أكد بن عمر أنه أجراه لإقناع حميد الأحمر بأن يظهر موقفه بصراحة في المفاوضات بدل أن يعلن ما لا يضمر حقا ، رأى فيه اليمنيون على العكس دليل إدانة للمثل الأممي . لا يسع المقام لذكر كل ما اتهم به جمال بن عمر ، إلى درجة أن بعض اليمنيين أطلقوا عليه لقب "ممزق اليمن " .فهل كان الممثل اليمني يخدم أجندة خارجية ، لا علاقة لها بمصالح الشعب اليمني الذي مزقت أرضه وشرد شعبه بسبب الصراع على السلطة .لا يمكن مسايرة هذا الزعم لأن بن عمر يمثل مؤسسة لها صيتها ، وهي تتابع بشكل دائم التقارير التي يبعثها لرئيسه ، والمشاورات دائمة مع هذا الأخير .ومن الطبيعي أن يتهم الرجل لأن كل فئة وحين لا يوافق هواها ما تم التوصل إليه من قرارات من الطبيعي أن تشير بأصبع الاتهام إلى الأمم المتحدة في شخص ممثلها . الحقيقة الوحيدة التي يمكن أن نتفق عليها جميعا هو أن الأمم المتحدة حين تدخل لحل أزمة يكون الصراع الخفي فيها هو صراع الكبار ، يتأكد أنها تعجز عن حل هكذا صراع ما لم يتوافق على حله هؤلاء الكبار أنفسهم .


اقراء المزيد »

رسالة لرئيس بلدية غرنيكا لوم، احتجاجا على توشيح محمد عبد العزيز







تقديم حول اسباب النزول: تعتزم بلدية غرنيكا لومو الباسكية منح جائزة السلم و المصالحة لمحمد عبد العزيز زعيم جبهة البوليساريو، كاعتراف منها على ما تعتبره المجهودات التي يقوم بها في مجالات السلم، حقوق الإنسان، العدالة...، و نظرا لما تشهده المخيمات من حراك،، و قمع لها و لنشطاءها يتناقض تمام التناقض مع الجائزة المقرر منه إياها، و اهدافها، لذلك كانت المبادرة لمراسلته، فيما يلي الترجمة العربية للرسالة. السيد رئيس المجلس البلدي المحترم: تبعااللتقليد الذي درجتم عليه المتعلق بتوشيح شخصيات عالمية ذات إسهام في مجال العدالة و الحرية؛حقوق الإنسان؛عليه فاننا نكاتبكم من أجل تبليغكم استياءنا من ما تردد من خبر نيتكم توشيح السيد محمد عبد العزيز بجائزة السلم و المصالحة، مما يجعلنا نتساءل حول مدى إسهام هذه الشخصية في المجالات المرتبطة بحقوق الإنسان و السلم العالمي؛ خاصة إذا ما علمنا التطورات الأخيرة داخل المخيمات؛ و كذا وضعيتها الحقوقية. إننا اليوم نتوجه اليكم بهذه الرسالة ليس للتأثير عليكم بل للترافع أمامكم و أمام التاريخ في اللحظات العصيبة التي تجتازها المخيمات خاصة على مستوى الحريات الفردية، و الجماعية. السيد الرئيس المحترم: يكفي فقط الاشارة هنا الى ان محمد عبد العزيز الأمين العام لجبهة البوليساريو الذين تنوون توشيحه بهذه الجائزة هو نفسه الذي قام بترقية الجلادين وحمايتهم من مئات الجرائم المرتكبة مند 1976 في حق مواطنين موريتانيين وصحراويين واسبانيين وفي حق أسرى مغاربة منهم من زال يعاني من آثار الاسر المنافية للمواثيق الدولية، و الكثير منهم استشهد بمعتقلات البوليساريو بسبب سوء المعاملة و التعذيب الذي تعرضوا له. و ما يتعرض له العديد من النشطاء حاليا من تضييق و قمع و اختطاف و اعتقال في ظروف لا إنسانية دون أية محاكمة بالمخيمات،و جزء كبير منهم اضطروا للهروب خارجها بل يتواجد بإقليم الباسك كلاجئ سياسي يتقدمهم المناضل المحجوب السالك الذي قضى سنوات من الاعتقال في قبو أشبه منه لقبر بسبب مواقفه السياسية. كما أنه لحدود اللحظة مازالت المخيمات يحكمها دستور ينتمي لعهد الأنظمة الشمولية البدائية؛ الذي يفرض الجبهة كاطار وحيد و أوحد بل يجرم في مواده العمل التنظيمي و السياسي خارج الإطار الوحيد الذي يقوده محمد عبد العزيز منذ اكثر من ربع قرن دون أي تداول ديموقراطي حقيقي على هذا الجهاز ليفتح الآفاق للاجئي المخيمان في العيش الكريم. لسيد الرئيس: بالتأكيد حالة المحجوب السالك ليست الوحيدة فهناك حالات أخرى تعرضت لانتهاك سافر لحريتها التي اختفى كل أثر لها دون أن تقدم قيادة الجبهة على رأسها محمد عبد العزيز أية توضيحات في ذلك و يمكن الإشارة كمثال على ذلك حالة اختفاء الخليل أحمد منذ 2009 التي عائلته إلى اليوم مازالت تبحث عن الحقيقةحقيقة رب أسرتها فزوجته و أبناءه مازالون ينتظرون قدومه إليهم؛ و عودته. ..و رغم كل المحاولات التي قامت بها لدى محمد عبد العزيز و ادى السلطات الجزائرية إلا أنها لم تقدم اية توضيحات و ترفض الافراج عنه. أضف لذلك العشرات بل المئات من المواطنين الموريتانيين الذين اختفوا في ظروف غامضة بالمخيمات و تعمل أسرها اليوم من خلال جمعية ذاكرة و عدالة في النضال من أجل كشف مصيرهم و معرفة الحقيقة، التي سبق لها أن تقدمت برسالة احتجاج للسلطات الجزائرية تتعلق بالتعبير عن استياء الضحايا على توشيح السيد محمد عبد العزيز بجائزة حقوق الإنسان التي نرفق لكم نسخة منها. كما أن حالة الشابين الصحراويتين هما محجوبة محمد داف، درجة مبارك اللواتي تم احتجازيهما بداية هذه السنة بالمخيمات، و سحب منهما جوازي سفرهم في خرق سافر لمبدأ حرية التنقل الذي لولا ضغط المجتمع المدني و الإعلام الاسباني لما تم تمكينهم من حقها في السفر، يكشف الوضع الحقيقي داخل المخيمات. و ما يتعرض له الشباب القائد للحراك داخل المخيمات طيلة الثلاث السنوات الاخيرة، من اتهامات تتعلق بالعمالة و الخيانة لتبرير ما يتعرضون له من تنكيل، و قمع و احتجاز دون محاكمة...نسوق على سبيل المثال لا الحصر حالة محمود أحمد أبريه الذي تعرض للاختطاف و الاحتجاز التعذيب قبل أن يطلق سراحه بضغط من عائلته بشرط أن يغادر المخيمات، لخير دليل على ان السيد محمد عبد العزيز بوصفه قائد الجبهة، هو المسؤول الاول داخل المخيمات و ما يجري فيها من انتهاكات لحرية التعبير و الراي. عليه، نحيلكم هنا السيد الرئيس المحترم، على شهادات ضحايا جرائم قيادة البوليساريو لتدركوا بأن الأمر يتعلق بمجرمي حرب استغلوا القانون الدولي الانساني ليرتكبوا جرائم وانتهاكات جسيمة داخل وخارج المخيمات وفي تحد سافر للقوانين والاتفاقيات التي تعتبر الدولة التي تأويهم طرفا فيها. السيد الرئيس: لابد من الإشارة هنا إلى تقرير المكتب الاروبي لمكافحة الغش الذي صدر بداية هذه السنة و يتعلق بحالات ثابتة لتحويل و سرقة للمساعدات الإنسانية التي كانت موجهة للاجئي المخيمات الذي نرفق لكم نسخة منه مع هذه الرسالة؛ و هو التقرير الذي أدان قيادة الجبهة على رأسها محمد عبد العزيز لسياسة التجويع ممنهج حقيقية تمارس على اللاجئين؛ في خرق سافر لحقوق الإنسان و لكل المواثيق الدولية المتعلقة كما انه، يمكنكم ان تسألوا عن شخصيات قيادية قامت بجرائم التعذيب والقتل والاغتصاب والاختطاف تحت إشرافه وبتعليماته، وهم جلادون ما يزالون يتحملون المسؤولية الى جانبه بمخيمات تندوف، منهم من هو مطلوب لدى المحكمة الوطنية الاسبانية بسبب الجرائم التي ارتكبوها و يتعلق الأمر بأكثر من 39 جلاد هم قيادات و مسؤولين بالجهة يتزعمه السيد محمد عبد العزيز. السيد الرئيس : إن مبادرة من قبيل مبادرتكم حيث يتم تتويج مجرمي الحرب ومرتكبي الانتهاكات الجسيمة هو ما يقلص اليوم من مصداقية الخطاب الحقوقي، ويدفع بالشباب في اتجاه التطرف. فبينما تنتظر ساكنة المخيمات أن تقبل قيادة البوليساريو والجزائر عملية الاحصاء وتحديد وضعها كلاجئين بدل محتجزين، وبينما ينتظر الرأي العام حث السيد محمد عبد العزيز على قبول ذلك فإنكم اخترتم معاكسة التاريخ بتوشيحكم لأحد المسؤولين المباشرين على الجرائم المرتكبة من طرف قيادة البوليساريو لمايقارب 40 عاما. لذلك فإنني اضعكم امام مسؤوليتكم و أطالبكم بالتراجع عن هذا القرار؛ بل مسؤوليتكم الإنسانية السياسية، تفرض عليكم العمل على إنهاء معانات اللاجئين بالمخيمات و بضمان حرية التعبير و التنقل و التنظيم داخلها، لا توشيح أحد الذين يجب أن يسألوا على الجرائم التي ارتكبت في حق الموريتانيين، الأسرى المغاربة، ضحايا انتفاضة 1988، وصولا للشباب المنتفض حاليا بالمخيمات.


اقراء المزيد »

الوصايا المغربية العشر







كانت أول زيارة لى للمملكة المغربية فى العام الفائت 2014 حيث ذهبت لحضور منتدى إجتماعي يناقش قضايا الهوية والمواطنة،وقد بدأت الإعداد للرحلة باستخراج التأشيرة من مقر السفارة المغربية بالدوحة، وأول ما لفت انتباهي أن المراسيم الرسمية الحكومية المعلقة فى المبني مكتوب أعلاها -سلام تام بوجود مولانا الإمام دام له النصر والتأييد– وهذا كان مُثيراً بالنسبة لى وطرح على عديد الأسئلة عن شكل وطبيعة النظام السياسي فى هذا البلد؟؟ ،وحقيقة الاستقرار والحرية فيه ؟؟،فقلت فى نفسي لاتتعجل غدا تذهب وترى الواقع بنفسك، وتسمع رأى الناس بأُذنك، وتبصر طبيعة الوضع الإجتماعي والإقتصادي بعينك، وقد كان فهبطت فى مطار الدار البيضاء، ومن ثم تنقلت فى جغرافيا المملكة المغربية ومررت بالعديد من المناطق والمدن مثل مكناس، والرباط، وبوزنيقة التى تطل على المحيط الأطلسي الصاخب، ثم توجهت فى رحلة طويلة وممتعة لجنوب المغرب وصولا إلى مدنية كلميم، وتينغير و مدينة أزور، ومرزوكة، والريصاني التابعة لإقليم الراشدية، وجلست مع أهلها الطيبين الضاربين بقوة فى ىسويداء الكرم و فسطاط حسن الضيافة، وتنقلي فى جغرافية المملكة ترافق معه حسن الاستماع والإصغاء للعديد من المثقفين، والقوي السياسية، والشباب من كافة الأطياف، والفئات، والمشارب التاريخية والجغرافية، وقد تمخض حصاد هذه الجولات الجغرافية والثقافية والنقاشية مع الأخوة المغاربة فى العشرة فوائد المعرفية التالية: أولاً: هناك فجوة معرفية تحجب أبناء المشرق العربي عن فهم سيكولوجية وطبيعة أبناء المملكة المغربية ثقافيا وإجتماعيا وسياسياً. ثانياً: المغاربة بشكل عام يعرفون عن المشرق العربي أكثر مما يعرف المشارقة عن المغرب خاصة فيما يتعلق بالجانب الثقاقي والإنتاج الفكري،والأيديولوجيات السائدة. ثالثاً: معظم الأسئلة التى تشغل العرب المشارقة لا تأخذ حيزا وجدانيا، أوفكريا ،أو إجتماعياً عند المغاربة، فقضايا مثل إقامة الدولة الإسلامية،واستعادة الخلافة الراشدة، وتحكيم شرع الله، والقلق على مستقبل الدولة،والصراع بين الجماعات الإسلامية والسلطة وغيرها من الملفات لاتشغل بالهم بالمرة . رابعاً: علاقة المجتمع المغربي والقوي السياسية والقيادات الثقافية والفكرية مع النظام الملكي القائم بقيادة الملك/ محمد السادس قائمة على التقدير والإحترام والإعتراف بأهمية دور الملكية فى استقرار وتماسك المكونات الإجتماعية المغربية. خامساً:النظام الملكى المغربي يتسم بالمرونة ولايميل للتصادم ولديه قدرة عالية على الاستيعاب السياسي، وحسن التعاطي مع المستجدات السياسية والإجتماعية، ولذلك تعامل باحتراف مع مطالب الحركات الإحتجاجية فى العام 2011 وسارع بانجاز تغيرات دستورية وقانونية سريعة تتناسب مع مطالب الشارع السياسي . سادساً: الخطاب الثقافي المغربي يتسم بالتوازن الوجداني والإنفعالي، ومسكون بالنفس الفلسفي التأملي، ومهموم بالبحث عن المآلات، ومتقدم جدا فى فقة المقاصد الإسلامية؛ لانه متحرر من حيز الأيديولوجيات الضيقة الغارقة فى تقديس الوسائل والأدوات وعبادة المقولات التراثية. سابعاً: مقاربة الكثير من المثقفين المغاربة لقضايا الحكم والسلطة والدولة قائمة على فلسفة أن النظام السياسي له مقاصد كبري وأغراض عظمى إذا حققها للمجتمع وللناس فلا يهمهم شكله الإجرائي وطبيعتة السياسية؛ فهم يرون أن النظام السياسي مهمته أن يحقق هذه الثلاثية المركزية ( الاستقرار،والتوزان، والتنمية) وهذا ما بدأ يتجسد بشكل كبير فى عهد الملك الحالي محمد السادس. ثامناً: الجسم الأبرز فى الحركة الإسلامية المغربية وخاصة جماعة التوحيد والإصلاح، وحزب التنمية والعدالة الحاكم خطابهم السياسي والدعوى واضح ومنحاز للنظام الملكي، وقد قطعوا شوطا كبيراً فى التمييز بين الدعوي والسياسي ولم يخوضوا معارك صفرية مع الدولة، وهذا ساهم بدرجة كبيرة فى استقرار المجتمع، والفريق الإسلامي الأخر الذى ينادي بنظام جمهوري - جماعة العدل والإحسان- لم تتورط فى أعمال عنف تهدد استقرار وسلامة المملكة وإنما تعمل بسياسة التراكم والانتظار وأنشتطها متاحة للشعب ومفتوحة للمجتمع . تاسعاً: المرأة المغربية تساهم بقوة فى الحياة السياسية على مستوى الحضور والتمثيل السياسي والمشاركة الحزبية وخاصة فى الأحزاب ذات المرجيعة الإسلامية،ولها نصيب وافر على مستوي الانتاج الفكري والثقافي وخاصة فى شمال المغرب وهذا بطبيعة الحال عكس الحالة العربية المشرقية،، وأما فى جنوب المغرب فقد وجدت أن مساهمة المرآة المغربية فى الحياة الإجتماعية متقدم جدا ومدى انفتاحها على أنشطة المجتمع يعد كبيراً جداً. عاشراً: الحالة العربية المشرقية بحاجة ماسة للتواصل المعرفي والثقافي والإجتماعي مع دول المغرب العربي للاستفادة من التجربة المغربية فى الاصلاح السياسي الذى بدأ يتحرك للإمام بدرجة معقولة ومنفتحة على المستقبل وبكلفة سياسية وإجتماعية وإقتصادية خفيفة الوطئة على المجتمع والنظام حتى الأن. فى الختام كانت تلك عشرة فوائد كاملة خرجت بها من زيارتي الأولى للمملكة المغربية والتى جعلتنى أميل بدرجة كبيرة نحو تعميق النظر الفلسفى والمقاصدي للأشياء بعيدا عن الانجذاب السريع للشعارات والمسميات التى أحيانا ما تحجب الرؤية وتمنع من الاعتبار والإستفادة من تجارب الأخرين


اقراء المزيد »

حديث النملة







خرجت " ربيعة " من المطبخ تجري، بسنها المكسورة التي أكلها السكر و ليس الفار، صارخة : )هجوم .. هجوم. .) لم تفزع الأم بدلالة الكلمة، لكثرة ما سمعتها في الأخبار، بقدر ما أثارها الصراخ المزعج، انفعال طفولي غير معهود، نمط غذائي غير منتظم، إفراط في الشكولاتة التي ليست من سكر بلدي... النمل يكتسح الطناجر النحاسية و الأواني الفخارية و الكؤوس البلورية، التي اشتراها الأب، رحمه الله، في أيام العز، يوم كانت الصناعة التقليدية تنمية لبلدي.

لم يترك النمل مؤونة إلا أخد حظه منها، أصبح الشغب في المطبخ، الشغل و " الشقا " معطل بإرادة النمل، و المصالح المطبخية بيد النمل، و المصير الخبزي للعائلة يحدده النمل. أكيد انه ليس النمل الذي كان يعطي الدروس للصرصور المحترم الذي لا يظهر إلا صيفا، ليجني المحصول دون جهد، و قد يكون الآن في مهمة خاصة. قالت الجدة: "لا تقتلوا النمل فهو رمز الخير و السلطة"، و امتعضت الأم، فالمطبخ أصبح عالما غير مرغوب فيه، لا طعم للأكل أو الشرب، و وجبات الأبناء لا غنى عنها، و إن لم يأكلوها، فالشكلاطة "الملعونة" تذهب بالشهية و بالنقود. أصبح النمل هاجسا و مشكلة، و بحثا عن الأسباب، و التهمة موجهة ل"سكر بلدي"، فالجدة صاحبة "الحكمة " تؤيد الحكم التاريخي، و تنتصر لإفراد العائلة الذين مات أغلبهم ب"مرض السكر"، فأصبحت من " أنصار اللاسكر" و تعادي "السكرية"، و تصرخ باستمرار : (لا تكثروا من السكر..فهو يقتل )، لكن السكر بريء من تهمة العائلة. جلس الأب يفكر ، كأنه يهيئ محاضرة، ما سر هجوم النمل ؟ لماذا ظل البيت في مأمن مدة طويلة قبل هذا الهجوم؟ ما رسائل النمل الواقعية و التاريخية ؟ و لماذا يكون سكر بلدي سببا ؟ و متى كان السكر مشكلا ؟ إن سكر بلدي حلو و لا يمكن أن يكون متهما، ف"السكر قياس و حلاوة" و"من زاد في القياس فقد خرق معادلة السكر"، و النمل بريء من تهمة السكر، و السكر بريء من أكل سن "ربيعة"، و بريء من أمراض المغاربة. فالمشكل شيء آخر غير السكر، إنه مشكل المطبخ و حصانة المطبخ التي تركت النمل يدخل، أما السكر فهو طعم المطبخ، و كل شيء زاد على حده انقلب إلى ضده، و من حكمة السكر أن يوضع بالقياس المناسب و في المكان المناسب. إن سكر بلدي لا يعبأ بالتهم، فهو سكر و سيبقى سكرا و لن يغير من حلاوته، و مهمة النمل شيء آخر إذا أصبح "القياس السكري"، فهي تعرف متى تدخل إلى بيوتها حتى لا تحطم، و تعرف دورة الفصول و وقت الجد و العمل و وقت المحصول، و تخبئ الصيف للشتاء، و تستوعب "زمن العاصفة" و ربيعها، وتميز بين غناء "الصرصور" و "الزنبور" و "اليعسوب"، و تعفو عن سخريتهم في الشتاء، وتعرف معنى التسكع و الجوع و الغم و قلة الحاجة و كيف تتخلص منها، و تدعو بالهداية لسائر "الصراصير".


اقراء المزيد »

تكاد مدننا تتحول إلى دواوير !







عوامل عديدة ؛ ومستجدة باستمرار ؛ تساهم في " ترييف " مدننا ، وتحويل أحيائها ومناطقها إلى دواوير ومداشر ، لكن بالمعنى الأنثروبولوجي العميق لعقلية ساكنيها . والدوار ؛ في الذاكرة المغربية ؛ هو جزء من قرية صغيرة ، تضم عددا محدودا من الدواوير ؛ غالبا ما تطلق عليها أسماء تبعا لاعتبارات إثنية وقبلية تعود ؛ في الأصل ؛ لإسم الأسرة أو العائلة الأولى . بيد أن هناك ثمة عوامل اقتصادية بحتة طارئة ، حملت هذه الأسرة البدوية على الهجرة إلى المدينة . وحركية الهجرة هذه ، تضم الموروث الثقافي من العادات والتقاليد ، وأساليب التفكير والتعامل .. كلها تنتقل معه وتلازمه ؛ وهو قاطن بالمدينة ـ ومفهوم المدينة هنا محصور في البناء والعمران وتسمية الأحياء والأزقة والشوارع وترقيمها ـ . وقد يتساءل الباحث وهل تنتفي عن الفكر البدوي مؤثرات الاندماج المدني ؟.. قد نعثر فقط على وسائل مادية ، كالمرافق الاجتماعية والاقتصادية والتربوية يتحكم فيها نمط من السلوك الصوري في التعاطي معها ، لكن دون أن تمس أساليب التفكير والتطور والترقي بها إلى مستوى التمدن والتحضر .. لطغيان وجود شرائح اجتماعية بدوية ؛ سكنت عدة أحياء في المدن ؛ تتقاسم نفس العادات والتقاليد وأساليب التفكير ، ويتلخص لها نموذج المال هو المرجعية الوحيدة في الترقي الاجتماعي الذي لا يخلصه أبدا ؛ في هويته الأخلاقية ؛ من بداوته المتصفة أحيانا ؛ وإلى درجة التميز؛ بالعنف والفوضى وخرق القانون والهمجية التي يصدر عنها في معظم سلوكه ومواقفه . أما التعليم وباقي المؤسسات التربوية الأخرى ، فقد أثبتت الأبحاث والملاحظة الإمبريقية عدم قدرته على تعديل سلوك المتعلم أو الطالب ؛ في اتجاه الارتقاء الحضاري والاجتماعي ، لسواد وشيوع أنماط الفكر البدوي ، وما ينجم عنها من سلوكيات ؛ هي أقرب إلى البربرية منها إلى الهمجية . عينة من السلوك البدوي وهذه عينة من أنماط السلوك البدوي داخل المدن كما تم رصدها : ـ الانفعال السريع والعنيف تجاه أبسط المواقف ؛ ـ الفضاضة في الحديث ، واستعمال الهاتف ، والتدخين ، والتسوق ..؛ ـ عدو النظام ؛ داخل المرافق الإدارية ، في أسفاره وتنقلاته ، والسير في الشوارع ؛ ـ أسلوب سياقته ، كثيرا ما يخلف حوادث جمة ؛ ـ عنصر شغب وإذاية وقلق ، وإزعاج لجاره في السكن ؛ ـ جنوحه إلى الإجرام , وينتشر هذا النمط بين شبابه ؛ ـ النهم والشره ؛ في الأكل والشراب ، والمعاشرة ؛ ـ القذارة والعفونة ؛ في استعماله لمرافق النظافة والصحة ؛ ـ العنجهية والتعصب والتمسك برأيه حتى ولو كان يعلم أنه على خطأ ؛ ـ الاحترام لا وجود له في قاموسه إلا مع وجود العقاب (كايخاف مايحشم) ؛ ـ حملقته وتفحصه لكل الوجوه الغادية والرائحة ؛ وقد انتبهت عديد من الدول ؛المستقطبة لموجات الهجرة ؛ إلى الإنسان العربي ؛ بهذه الأنماط السلوكية ؛ فاستصدرت قوانين ، ضمن ترسانتها الحقوقية الخاصة بالهجرة ، بضرورة توفر المهاجر على مؤهلات وقدرات تمكنه من الاندماج الاجتماعي ، بما فيها اللغة ، وقابلية الاندماج والتحضر.. بيد أن هذه القوانين بقيت حبرا على ورق ، ولم تستطع المجتمعات الأوروبية تعديل سلوك هذا المهاجر الوافد الجديد عليها .. لوجود بيئات ، وأحياء وتجمعات سكنية " أشبه بالغىطوهات " ، داخل مدنها ومحافظة ومتمسكة بموروثها البدوي ، وكان من تداعياته وقوع العديد من الأحداث الجنحية والإجرامية ، وراءها أطراف تنتمي إما إلى العنصر العربي أو تيارات عنصرية .. وقد ساهمت الميدبا في ترسيخ نماذج من هذه السلوكات البدوية ؛ من خلال استهلاكها للغة العامية ذات الحمولة الشعبية الواسعة ، أو تنظيمها لموائد مستديرة ؛ أكثر ضيوفها يتقن لغة الخشب والقذف المبطن .. ويصدر عن فكر شعبوي فظ . - باحث ومفتش منسق بوزارة التربية الوطنية سابقا


اقراء المزيد »

إبنك في الباكلوريا.. ماذا تختار؟







تعمدت أن أتوجه بسؤالي هذا للآباء خلافا لما اعتدت القيام بها خلال مزاولتي لعملي من التوجه للتلاميذ وسؤالهم عن اختياراتهم وميولاتهم وبالتالي مساعدتهم على التوجيه الصحيح بالنسبة إليهم. الاباء خلال هذه الفترة من السنة يعانون أكثر من أبنائهم، الابناء لا يعانون أغلبهم غارق في عوالم افتراضية: المنتمون الى الطبقات المتوسطة منهم يكتفون بهواتف ذكية ويعيشون مغيبين في عوالم الفيسبوك وانستغرام وتويتر يتبادلون السلفي، الطبقات الاكثر غنى تستعمل وسائل إضافية مكلفة شيئا ما، نتحدث هنا عن سهرات البلاي ستايشن والإكسبوكس. الاباء يعرفون اخر تحديثات البلاي ستايشن فهو من يدفع اثمنتها الغالية، الأمهات يعرفن ثمن الهواتف الذكية لجميع الماركات، كيف لا و كل هذه الرغبات تمت تلبيتها لغرض واحد ووحيد، أن توفر الظروف الكفيلة لفلذة الكبد في التحصيل، لن أخوض في شعبوية مقيتة و أبدأ في انتقاد التكنولوجيا و سب مواقع التواصل و الحديث بكلام لا يطبقه أحد بضرورة ترشيد استخدام السمارتفون و تحديد ساعات معينة لاستعمال الألعاب الإلكترونية، الأمر خارج تماما عن سيطرة دول غربية انفقت الكثير من أجل خلق أجيال ذات مناعة ضد اشكال الإدمان و تربية شخصية بشكل سليم، فما بالك بمجتمعاتنا التي تنمو فيها أجيال كاملة بالصدفة، لا مجال لمحاولة التصدي لهذه الهيمنة على الأقل في السنوات المقبلة، كلام مؤسسات التنشئة الاجتماعية كالأحزاب و الجمعيات و الإعلام يمحوه في رمشة عين فيديو شبابي يحقق ملايين المشاهدات خلال أسبوع بينما يقبع فيديو تحسيسي وضع منذ سنوات في عدد المشاهدات المحدد في 301، عودة إلى سؤال ابنك في البكالوريا ماذا تختار؟ هل تعلم أيها الاب أنه ليس من حقك أن تختار، لست أنت من يجب أن يختار، ذلك الشاب الذي تعتبره طفلا قد كبر و نضج، لا يعني أنك تراه دائما صغيرا و قاصرا وتوصله صباح مساء للمدرسة أنه لا يحق له أن يختار، هل سألت نفسك و أنت تستقبله في باب الثانوية مباشرة الى معهد الانجليزية ومنه الى الساعات الاضافية ثم المسبح فالموسيقى إن كنت تلبي رغباته أم أنك تنتقم لماض من الحرمان ربما، أو عنادا لجار أو صديق، هل سألت نفسك وأنت تخطط لابنك أن يتابع دراسته في الطب إن كان لمصلحة ابنك أو أنك تريد بكل أنانية أن يقال أن ابن فلان طبيب، أو مهندس المهنتان الأكثر تداولا بين الالسن في الرغبات التي يعبر عنها الإباء. هل تعلم وأنت تفرض على ابنك دراسة الرياضيات و الفيزياء و معادلاته المعقدة وتدعمه بكثير من الساعات الإضافية في سوق سوداء مفتوحة على كثير من المخاطر، أن ابنك ربما قد يكون ميوله أدبيا فكم من طبيب وجد نفسه مضطرا بعد تخرجه الى البحث عن ذاته التي خطفت منه بين جبال من الاوراق و البحوث لم يكن يسايرها الا مضطرا بحكم المنافسة بين أقرانه، وكم من مهندس انتهى به الامر في إحدى الوظائف التي لا علاقة لها بتخصصه، ليس لأن الدولة لا تقيم الكفاءات بل لأن امكاناته محدودة جدا و هندسته لا تتعدى الحفظ و لا تتجاوزه الى الابتكار، التخصص الادبي والذي يفرز القاضي و المحامي وهي مهن جد محترمة، غير أن لجوء السواد الأعظم من التلاميذ المحدودي الإمكانات لهذا التوجه الأدبي كون حوله تمثلات سلبية جعلت منه ملجأ من لا ملجأ له، أتذكر دائما أن المجالس التي نعقدها في اخر السنة لتحديد توجيه التلاميذ ذلك الجواب الذي يخلص إليه بعض الأعضاء و هم يقيمون نتائج تلميذ أقل من المتوسط حيث يكون الجواب بأن هذا التلميذ لا يستطيع أن يساير في العلوم يجب توجيهه إلى الأداب وهنا السؤال: وهل يستطيع أصلا المسايرة في الاداب، سؤال جوابه واضح، التلميذ ليس له أي بروفيل أصلا و هذا ما يجب العمل عليه من البداية، أي الإشتغال على مشروع واضح لهذا التلميذ بعيدا عن الأحكام الجاهزة والتمثلات الخاطئة وهذا دور الأسرة بالأساس وبعده تأتي المدرسة، أين نحن من تلاميذ السنوات القليلة الماضية أين نحن من تلميذة قالت بكل ثقة لقد تأثرت بوفاة والدي العسكري أمامي وسأصبح طبيبة، لم تقل أريد أن أصبح طبيبة بل قالتها بكل ثقة وهي الان تزاول مهنتها، أين نحن من التلميذة التي سألتني عن الأوليغارشية وعمرها 15 سنة و التلميذة التي كتبت موضوعا عن فلسطين فيه حقائق كان أستاذها يجهلها أين نحن من التلميذة التي سألت عن القوى الصاعدة و القوى الضاغطة من منظور فلسفي و فزيائي نماذج لا شك أن كل من مارس التدريس يمكن أن يسرد لنا أمثلة عنها وأكيد أنه يحفظ أسماءهم رغم السنين الطويلة كما أحفظها الان، والأكيد أن جزء كبير هؤلاء التلاميذ كونوا رصيدهم هذا من خلال أسرهم من خلال اباءهم و من خلال مكتبة البيت، هذه المكتبة التي انقرضت من بيوتنا ليحل محلها ذلك الأثاث الغالي الثمن الفاقد لأي قيمة، هل تعلم أيها الأب أن مكتبة في البيت تغنيك عن تلك المصاريف التي تهدرها في الساعات الإضافية، تابعوا أبناءكم منذ الصغر صححوا مساراتهم بذكاء و ليس بعناد ابنك ليس بالضرورة صورة طبق الأصل منك و ليس أيضا مشروع حلم تريد أن تحققه من خلاله، ابنك شخصية مستقلة تماما لها ميولات خاصة وله بالأساس مؤهلات و قدرات قد تكون محدودة جدا فلا تغرك أبدا تلك النقط الصاروخية التي يحصل عليها في الفروض شبه المحروسة في مؤسسات التعليم الخاص و العام وتجعلها محددا ومعيارا لتقييم أداء إبنك - مستشار في التوجيه التربوي


اقراء المزيد »

ابن بطوطة في دبي







في لقاء حميمي بمدينة فاس ،أهدى لي صديقي الشاعر الأستاذ عبد الكريم الوزاني، نسخة من مشروع كتيب ينوي نشره في المقبل من الأيام تحت عنوان: "دبي ابن بطوطة :ألف عام من الإكتشاف والمعرفة والتسوق." أول ما يثير فضول القارئ في هذا الكتيب اللطيف ويفتح شهيته للإطلاع عليه وقراءته هو عنوانه الذي يجمع بين عالم الإكتشاف والمعرفة الممثل في شخصية ابن بطوطة الرحالة المغربي المعروف وعالم التجارة والتسوق الممثل في مدينة دبي كمركز عالمي ذائع الصيت في ميدان المال والأعمال . في صدر الصفحة الأولى لهذا الكتيب ،يطالعك طابع بريدي للمملكة المغربية في حلته الكلاسيكية من قيمة أربعين سنتيما ،تتوسط إطاره صورة بالأسود والأبيض لابن بطوطة ،بلحيته الكثة وعمامته البيضاء(الرزة المغربية) وسلهامه الصوفي الفضفاض، على يسار كتفه اليسرى خُطت بالأرقام سنتا مولده ومماته(1378/1304 ( .ينظر إليك من عمق التاريخ بعينين متقدتين صافيتين ،يشع منهما عتاب خفيف وكأني به قد أحس بالإهمال الذي طاله من بني جلدته فأراد أن يقول بلسان حاله إلى كل أولائك الذين يتبجحون بالدفاع عن الإرث الحضاري والثقافي الذي تركه الرواد الأولون في المغرب :أهكذا تحترم الأمم المتحضرة عظماءها!!؟ في الصفحات الموالية خصص المؤلف لكل بلد زاره ابن بطوطة خلال رحلاته التي دامت زهاء سبع وعشرين سنة كما هو قائم وموجود داخل أروقة المركز التجاري المسمى مول ابن بطوطة بدبي ، ساحة يصف من خلالها ما تحتوي عليه من "مجسمات ومنحوتات ومعروضات وبنايات تعكس المميزات الحضارية لكل شعب زاره ابن بطوطة . فهذه ساحة بلاد الهند بفيلها ومهرجاها وآلاتها الوترية "تشين"وغيرها .".وهذه ساحة بلادفارس بقبابها الراقية وألوانها اللازوردية وأقبيتها الناصعة ذات الطراز المعماري الإسلامي التي تذكر بمساجد أصفهان ،تتوسطها ألة الإسطرلاب التي طورها الفلكيون المسلمون..وهذه ساحة بلاد الصين وما أدراك ما بلاد الصين التي كتب عنها ابن بطوطة الكثير بتعدد ثقافاتها وأحقابها وأنماط عيش سكانها " .".وهذه ساحة بلاد مصر بفراعنتها الحافلة بمجسمات تعيد الماضي للحاضر تتوسطها آلة "ذات الحلق"منحوتة من خشب الصندل المزخرف وهي إحدى أكثر الأدوات فعالية من حيث تسجيل وعرض الحركات بعبقرية فذة بما يراعي الدورات اليومية للكرة الأرضية على محورها وحول الشمس..".."وهذه ساحة الأندلس بنافورة الأسود الإثني عشر ، يسبح في أجوائها الطيار العربي عباس بن فرناس تزينها لوحة مصحوبة بتعليق للموسيقار زرياب ".".وهذه ساحة بلاد تونس ببناياتها المقرصنة وبزخارفها التي تذكرنا قبابها بجامعتي القيروان والقرويين .".و على مقربة من هذا المركز التجاري "مول ابن بطوطة " انتصب فندق تحكي عمارته نهضة اليمن السعيد..ليختم المؤلف هذه الرُّحَيْلة عبر هذه الساحات بالحديث "عن المسجد الفسيح الأرجاء الزهي الألوان "الذي وجد فيه كمغربي مسلم حسنة أخرى اعتبرها من حسنات الأبرار ..." والسؤال الذي يعيدنا نحن المغاربة إلى ذواتنا ويضعنا وجها لوجه أمام حقيقة هذا المنجَز :ماذا يفعل ابن بطوطة المغربي دفين طنجة في أحضان "مول دبي" بالإمارات العربية المتحدة ؟ هل تم استقدامه من بلده الأصلي لاستغلال اسمه وشهرته التي طبقت الآفاق كرحالة عربي مسلم متميز لم يجد بين أهله وذويه المغاربة من ينتشله من تحت أطباق الإهمال والنسيان ويجعل منه رمزا متقدا وقدوة للتواصل والتلاقح الثقافي والحضاري ؟ ثم لماذا تم اختيار اسمه مقرونا بمركز تجاري عالمي "مول ابن بطوطة" ،هل لإعادة الإعتبار له كرمز من رموز الحركة والأسفار والتنقل واختراق الحدود والآفاق للتعرف على الشعوب وعلى أنماط حياتها انسجاما مع الآية القرآنية "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا " ؟ هل هي سياسة جديدة لتحفيز ثقافة الإبتكار والإجتهاد في مجال استثمار الرصيد الثقافي والحضاري للشعوب ودمجها في سيرورة الدورة الإقتصادية والتجارية العالمية ؟. يقول المؤلف في حق هذا المركز التجاري العالمي :"صَرْح يغري بالسفر إلى الماضي عبر الحاضر ...صُـمِّمت مرافئه على نمط الأمصار التي حل بها أو زارها ابن بطوطة "الرحالة المسلم"كما تسميه أطلس جامعة كومبريدج.مركز يحلو به التسوق والتفسح بمجاورة عبق التاريخ التليد ... من زاره غدق ومن لم يزره غسق.."هنا يظل الباب مفتوحا للنقاش وتتعدد الآراء والتفسيرات .ومهما حاولت وزارة ثقافتنا أن تبرئ نفسها فهي الأجدر بان تتحدث عن نفسها كطرف مقصر لم يجتهد بما فيه الكفاية للتعريف بهذا الرجل وتسويق صورته ومخزونه الثقافي و استثمار عطائه الحضاري وإشعاعه العالمي في مجال التجارة والإقتصاد والمعاملات وفي كل ما له علاقة بالأسفار والرحلات السياحية والثقافية ، وأنه آن الأوان لهذه الوزارة أن ترفع عن درته "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار " أطباق النسيان ،ليس بالمحاضرات والدراسات النظرية المستفيضة التي تملأ مطبوعاتها رفوف الجامعات والمكتبات إلى درجة التخمة ،ولا بإطلاق اسمه على باخرة أو شارع أو عمارة أو محلبة فقط، وإنما بابتكار الأساليب الحديثة لاستنطاق إبداعات الماضي المتميزة في رحلات وأسفار ابن بطوطة كموضوع حيوي يتجدد باستمرار وإدماجها في الحياة العصرية العامة ،إيمانا بحاجة المجتمعات الساعية إلى التطور -ومنها المغرب -للتعريف بذاتها وبثقافتها وتجديدهما لمواكبة تحديات العصر ومستجداته. ولو لم يجد ممولو و مصممو هذا المركز التجاري ومبدعو افضيته -مهماكانت جنسياتهم- في شخصية ابن بطوطة ما يعزز توجهاتهم ويحقق أحلامهم وأرباحهم ،لترددوا ألف مرة قبل أن يقدموا على هذا التحدي ،أي الجمع بين عبق العمق التاريخي القديم (رحلات وأسفار ابن بطوطة عبر البلدان والأمصار ( ودينامية الحركة التجارية المتطورة عبر أقطار العالم باستمرار.. وهكذا يصل هذا الربط السلس والذكي بين الماضي (الإرث الحضاري) والحاضر (عالم التسويق الحديث) في مثل هذه المراكز التجارية العالمية إلى نتيجة لا مفر منها وهو أن إلقاء أهل العلم والمعرفة والفن في أحضان هذا النوع من المراكز من الممكن أن يرفع من أذواق العديد من الأجناس ويلبي متطلباتهم المجتمعية والثقافية والجمالية المتطورة عبر الزمان والمكان.وإذا كان المال يعتبر حجر الأساس في انطلاق هذا النوع من المراكز التجارية سواء في دبي أو في غيرها من مناطق العالم فإن المال لن يجد تجسيده الأمثل إلا في إبداع طرق وأساليب استثماره بالشكل الذي لايفكر في الربح بمعزل عن إحداث المتعة لدى الزبون. فما قيمة أن يكون لنا في المغرب بلد الاثني عشر قرنا من الوجود والحضارة مليارديرات كبار على المستوى العربي، ولا يخطر ببالهم مثل هذه المشاريع التجارية التي تجمع بين روح البيزنيس ومتعة السفر والإبحار في عوالم التاريخ والثقافة والفن والإبداع؟! كفانا من ثقافة الموت والإسمنت والحجر والحديد المانعة للتفكير الخلاق التي لايزال أصحابها عاجزين عن تحقيق أي نوع من المصالحة والتوازن بين مطالب الجسد ومطالب الروح.لو كانت بلادنا تعرف أقدار الرجال الذين صنعوا بعرقهم ودمائهم ووقتهم هذا المغرب الذي نتفسح الآن فوق أرضه ونتبجح بموروثه التاريخي أمام السياح والزائرين ، لتفرغت مؤسساتها المالية قبل الثقافية للمساهمة في إظهار الوجه البهي لحضارتنا التي يحاول البعض تمزيق أوصالها وطمس معالم رجالاتها .إن شيطان المال سرق من أغلب أغنيائنا ومسؤولينا وطنيتهم يضربون صمتا قاسياعلى آذانهم وعماءا سميكا على أبصارهم ،كلما تعلق الأمر برموز الثقافة والإبداع المحليين .فهذه بلاد مَن ودولة مَن إذا لم ننتبه جميعنا باستمرار أغنياء وفقراء ،سياسين ومثقفين وفنانين ومبدعين ودبلوماسيين ،إلى رجالاتنا الذين لا ينبغي أن نعتبرهم موتى وأشباحا من الماضي ندفنهم تحت أرجلنا ثم نتغنى بهم وبأفضالهم على البلد في المناسبات ؟؟!.دفناهم مرتين :مرة حين وضعنا جثتهم في أضيق حفرة، ومرة أخرى حين أهلنا على عطاءاتهم تراب النسيان. يقول المؤلف متحسرا على مآل ابن بطوطة :"...إلى أن عاد إلى مدينة فاس ،يحكي أحداث رحلاته على ملك المغرب "أبو عنان المريني "1358/1348 ليدفن رحمه الله بمسقط رأسه بمدينة طنجة ببقعة ضيقة لا تتسع لصلاة ركعتي التحية ترحما عليه ...."


اقراء المزيد »

كتابة " ستاتو" تضامن، أهون بكثير من كتابة اسم قريب على شاهد قبره !







تخيل معي غياب كلمة ماما و بابا عن البيت دون سابق إنذار.. تخيل بيتا كانت تملأه حركات وأصوات طفل صغير.. هل جربت من قبل إحساس أم بعثت بفلذة كبدها يحمل معه حلم بطل في المستقبل متمنيا وضع علم الوطن على كثفه وهو يقوم بدورة شرفية على حلبة الملعب يحي من خلالها الجمهور، ليعود محمولا على الأكتاف في نعش.. قد نوظف كل أساليب الاستنكار والشجب والتنديد بالفواجع التي تحدث ونجعل من فضاءات المقاهي والحافلات والقطارات وفي قاعات " السّخون" بالحمامات الشعبية والأسواق بلاطوهات تحليل للحدث، قد نغير صور البروفيلات على حساباتنا الفايسبوكية ونلبس السواد، لكن نبقى في الأخير معادلة صغيرة من بين معادلات الألم والحرقة التي تعيشها الأم ويبكي لها الأب بعيدا عن أنظار من يقدمون العزاء. قد يحس أهل الفقيد بوطن يتضامن أبنائه الواقعيين والافتراضيين معهم ينددون بـ "الحبر الافتراضي" ويدعون دعاء الرحمة والمغفرة، لكن هل تعرف أن مدة التضامن والبكاء في وطننا قصيرة جدا، تتراوح كأقصى تقدير ما بين أربعة أيام إلى سبعة أيام " المشمش" لننسى و ينسى الجميع الفاجعة في انتظار أخرى اشد ألما و حرقة. ننسى كل الحوادث فقط لأنها لم تأخذ عزيزا من بيننا، ويأتي أيضا أحمق يدّعي الكرامات فينسينا الفاجعة ويجعلنا نتداول حماقاته صباح مساء.. لكن هل بإمكان أم فقدت ابنها في حريق حافلة طانطان أن تنسى المشهد حين تريد إشعال نار الطهي داخل مطبخ البيت وهي تعرف جيدا أن شاحنة التي صدمت الحافلة لم تكن تحمل شحنة أسماك كما نقلوا لها عن طريق التلفاز، وتجربتها في التردد على الطبخ جعلتها تعرف جيدا أن الأسماك ليست بمادة قابلة للاشتعال ! هل سننتظر تذوق مرارة فقدان قريب عند وقوع كل حادث تم ننظم رسميا إلى لائحة أقارب ضحايا تجاوزات المسؤولين في هذا الوطن و نحس حينها أن كتابة "ستاتو" تضامن على الفايسبوك أهون بكثير من كتابة اسم قريب على شاهد قبره !


اقراء المزيد »

قصة من الجمهورية اللادينية "كفارستان"







أعرف أن الكثيرين سيكتفون بقراءة العنوان، وسيشتاطون غيضا من "وقاحته".. وبناءاً عليه سيتبنون موقفاً عاماً من المقال وكاتبه. كما أعلم أن ثلة من القراء الأفاضل لهم مدافع مجهزة ومصوبة سلفاً، لقصف أي شخص يستهل حديثه بما قد يثير حفيظتهم، أو "يزعزع" عقيدة الإقصاء والرأي الواحد التي يؤمنون بها. مع ذلك أرجو أن يكون بين القراء رجل رشيد، يقرأ إلى النهاية محاولا تمثل إشكالية المقال بملكة العقل لا بالعواطف. . سأحدثكم اليوم عن دولة تقع في قلب بحر الظلمات، من شدة اشمئزاز باقي الدول منها قرروا أن لا يشاركوها أية حدود، اقتصادها منحط وهش ولا مكان فيها لما يسمى بـ"منظومة حقوق الإنسان"، حاكمها لا ينتخب ديمقراطياً، بل يعينه مجلس مكون من ذوي الحل والعقد في البلاد. إنها جمهورية "كفارستان" اللادينية، وطن قومي للـملحدين والدهريين ومن هم على شاكلتهم من الكفرة، وعاصمتها "الحادأباد". إليكم مقتطفاً من دستورها : "كفارستان دولة لادينية، والإلحاد معتقدها الرسمي". في دستورها أيضاً نص يضمن لكل المواطنين حرية ممارسة شعائرهم الدينية، لكن سلطاتها الأمنية تمارس محاكم التفتيش بانتظام، فقد اعتقلت قبل أيامٍ مواطناً اعتنق الإسلام، وتابعته بتهمة "زعزعة عقيدة ملحد"، وحكمت عليه بالسجن مدى الحياة. كما فككت في شهر رمضان الماضي، مظاهرة أقلية مسلمة، طالبت بمنحها الحق في المجاهرة بصيام رمضان، وذلك اثر اعتقال شاب أبى أن يغادر مقر عمله أثناء فترة الغذاء، ما أثار الشكوك حول "ارتداده عن ملة الإلحاد" واعتناقه دين الإسلام. وكانت هيئات دينية، وخاصة ما يعرف هناك بـ"هيئة الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف"، قد طالبت بإدانته وتطبيق "حد الإيمان" عليه وهو القتل، عملاً بمقولة مؤسس الدولة الذي عاش في العصر الحجري :"من آمن بوجود اله فاقتلوه"، لحسن حظه أن كفارستان تدعي الحداثة والديمقراطية واحترام الحريات أمام المجتمع الدولي، فكان عقابه بضعة شهور سجناً فحسب. تقول الأغلبية الملحدة من مواطني هذه الدولة إن المجاهرة بالصيام وعدم تناول الطعام نهاراً في رمضان يخدش مشاعرهم، وعلى المؤمنين أن يقروا في بيوتهم إن أرادوا الصيام. بعيداً عن جهاز الدولة، المواطنون في هذه البلاد أكثر تشددا من سلطاتهم، فقد تلقى أحد المفكرين تهديدات بالقتل، لكونه نشر مقالا يشكك في "نظرية التطور" لتشارلز داروين الذي يعتبر هنا نبيا، لقول المفكر إن النظرية خاطئة مقدماً أدلة واقعية و تحليلا أكاديمياً، يفيد بكون الصواب هو أن الله قد خلق الإنسان وصمم الأكوان. وقبل بضع سنوات، قام رسام كاريكاتير في إحدى الدول العربية برسم النبي الآخر "كارل ماركس"، فقام متطرفون ملحدون بسفك دمه ومن معه من عمال الصحيفة وسط فرحة عارمة بين عموم مواطني كفارستان، وفي غمرة الفرح قالوا :إن العملية عبارة عن مؤامرة إسلامية لتشويه الإلحاد. الأحزاب الليبرالية واليسارية لا تحظى بشعبية هنا، فالمواطنون يعتبرونها أحزاباً "مؤمنة"، تهدف إلى إرساء قواعد "العلمانية"، والعلمانية في نظرهم إيمان وفسق وانحلال أخلاقي، لأنها تدعو لفصل المعتقد عن المجال السياسي، و منح حرية الإعتقاد للجميع، وهو الأمر الذي تعارضه بشدة جماعة "الإخوان الكافرين"، وخاصة الشيوخ "الداروينيون" و"النيتشويون" بدعوى أن أعظم كتاب وهو "وهم الإله" لصاحبه ريتشارد دوكينز لا يقر بالأمر، كما أن 90 % من المواطنين هم ملحدون بالفطرة، و على بقية الأطياف الدينية أن تتقبل وضعها كأهل ذمة أي "مواطنين من الدرجة الثانية" ولا تعبر عن إيمانها أو تمارس أياً من طقوسه كالصلاة والزكاة وغيرها..، بل يذهب بعض هؤلاء الشيوخ، والذين لهم صيت ذائع في أوساط المجتمع الملحد، إلى ضرورة فرض الجزية (غرامة مالية) على كل من يؤمن بالله. نخبة البلاد المثقفة مقتنعة تماما أن القرآن أكثر الدساتير عدلاً، وأن شكل تنظيم الدولة الإسلامية هو المناسب للتقدم والتحضر، مستندين في ذلك على ازدهار الدول الإسلامية وتقدمها في كل المجالات، لكن السواد الأعظم من الشعب يعارضون فكرة الاحتكام لبعض القوانين الإسلامية، لأن مصدرها "الشرق الإسلامي الكافر"، أي نعم، الكافر بفكرة أن "الله قد مات" التي جاءت في "صحيح نيتشه"، والذي يكفي التشكيك فيه أو في "صحيح لينين" لتطالك الشبهات هنا. (بالمناسبة، نسبة الأمية في هذه الدولة تفوق الـثمانين بالمئة).. كما أسلفنا الذكر اقتصاد الدولة منهار وشريحة هامة من المجتمع تتخبط في الفقر والجهل، يحلم المواطنون هنا بالهجرة إلى أوروبا العلمانية أو المشرق الإسلامي ليعيشوا شيئاً من إنسانيتهم المفقودة في وطنهم ولو عن طريق الهجرة السرية، لكنهم مع ذلك يكرهون أفكار الغرب العلماني والشرق الإسلامي لأنها تسعى "لزعزعة ثوابت الأمة" ويفضلون الجهل والفقر والتخلف على مخالفة أحكام شيوخ وأعلام الإلحاد الكبار. رعايا هذه الدولة لا يكرهون فقط كل من ليس ملحداً، من مسلمين و يهود ومسيحيين..، بل الأكثر من ذلك أنهم يكرهون بعضهم البعض، فالـطائفة "الداوكينزية" ترى أن أتباع المذهب "الدارويني" من النواصب، كما يسمي الداروينيون اخوتهم في العقيدة الالحادية "الداوكينزيين" بـ"الروافض"، و "يؤمنونهم"، أي يقولون أنهم ليسو ملحدين، بل مؤمنين يمارسون التقية. وللإلحاد أيضاً متطرفوه، هنالك تنظيم إرهابي ملحد، يعتقد أن الدولة رغم كل ما ذكر "دولة مؤمنة"، و السبب في ذلك أنها لم تُعدم كل من يعتقد بوجود خالق للكون، و قامت هذه المجموعة المسلحة بالهجوم على دولة عربية وذبح رجالها واغتصاب نساءها بعد أن عجزوا عن الإجابة عن سؤال "ما اسم زوجة اسحاق نيوتون عليه السلام ؟"... نكتة كئيبة أليس كذلك ؟ صحيح أن كل ما كتب ليس إلا من وحي الخيال ولا وجود لدولة كهذه ولن توجد أبداً لحسن الحظ، لكني على يقين أن قيامي بقلب الصورة سيساهم في جعل القراء الأفاضل ينظرون إلى مسألة حرية المعتقد من زاوية مختلف وبنظرة مغايرة، فأي مؤمن قرأ المقال قد تنفس الصعداء بكون دولة كهذه بريئة من الوجود.. أرى بعضكم قد قام يسجد سجدة شكر حمداً لله أنه لم يولد في مثلها خوفاً على حريته في الاعتقاد والإيمان. إلى من قرأ، تصور أنك مواطن في دولة كهذه، تؤمن بدينها وتعتنق معتقداتها..، ذات صباح جميل غيرت قناعاتك، لقد شرح الله صدرك للإيمان، أنت متحمس جداً لدينك الجديد وترى أنه خير، وتريد إخبار كل من حولك ليشاركوك الخير الذي صرت عليه، تريد أن تصوم وتصلي و تذبح الأضحية و تذهب للحج... لكن دولتك للأسف تمنعك من فعل كل ذلك، ومجتمعك مستعد لنبذك إن فعلت..، حاول أن تضع نفسك في هذا الموقف المقرف.. ألن يدفعك هذا لأن تصبح علمانياً جداً ؟ العلمانية ليست كفراً ولا إيماناً، العلمانية تحمي المؤمن من تسلط الملحدين من حوله، كما تحمي الملحد من تسلط المؤمنين المحيطين به، العلمانية تضمن لك عدم تغير حقوقك مهما تغيرت قناعاتك الدينية، ومهما تغير المكان الذي تعيش فيه.


اقراء المزيد »

ثنائي الموت بالصحراء







ابتداء من اليوم.. لم يعد محلا للشك أو التهويل، القول أن "الماء والنار" هو ثنائي الموت والفواجع بالصحراء.. فلم يمر 60 يوما عن فاجعة "وادنون" الدامية، التي راح ضحيتها 35 مواطنا، غرقا، حتى بزغ هلال فاجعة أخرى، هي أكثر شناعة وتراجيدية من الأولى.. راح ضحيتها، 34 مواطنا، 14 منهم أطفال، في عمر الزهور، حرقا حد التفحم.. وتقطّعت معها أكباد أمهات، كان أملهن، عودة فلذات أكبادهن في غير الصناديق الخشبية .. طبعا إنه قضاء الخالق البارئ، اللهم لا اعتراض على قدره.. غير أن منطق حجم الفاجعة، يقتضي فتح تحقيق جدي في من كان يقف وراء هذه "الإبادة الجماعية"، ومحاسبة مقترفيها والقصاص لذوي الحقوق.. لكن المؤشرات التي بزغت مساء يوم الأحد 12 أبريل الجاري، توحي بـ"عدم الجدية" في محاسبة جناة الفاجعة.. بل ومحاولة لـ"طمس معالم وخيوط الجريمة".. المشهد الأول يبدأ مع اليوم الأول للفاجعة.. يصدر الديوان الملكي، بلاغا مقتضبا، يعرب فيه الملك عن تعازيه، لأسر الضحايا، ويعلن تكفله بمصاريف الدفن والعزاء للضحايا، والعلاج للمعطوبين،.. هي خطوة نبيلة أن يتفاعل ملك البلاد مع "رعاياه".. لكن لنختلف قليلا مع البلاغ .. فقد كان بالأحرى على البلاغ الصادر عن الديوان الملكي، أن يصيغ فقرة من ست كلمات، يطالب فيها بفتح تحقيق في ملابسات الفاجعة، تعبيرا عن حزم القصاص لذوي الحقوق .. خاصة ونحن نعي جيدا كيف يشمر القضاء على ساعديه حينما يأتي طلب التحقيق من الملك .. المشهد الثاني، يأتي مع تاريخ اليوم الثاني للفاجعة، يوم السبت 11 أبريل الجاري، حلّ وزير الداخلية، محمد حصاد، بـ"أمر من الملك"، بمسرح الفاجعة، وصرح بعظمة لسانه، للتلفزيون المغربي، بأنه سيتم فتح تحقيق، و"لا يمكن أن يدلي بأي معطيات، قبل انتهاء مجريات التحقيق القضائي"، الأحزاب السياسية، أصدرت وابل من البلاغات الصحفية، وشددت على ضرورة فتح تحقيق، جمعيات المجتمع المدني، قدمت التعازي لأهل الضحايا وطالبت هي الأخرى بفتح تحقيق. افتتاحيات الصحف، أعربت عن تأثرها، وطالبت بفتح تحقيق... والكل هنا يجمع على المطالبة بفتح تحقيق وكشف مقترفي الإبادة ومحاسبتهم .. لكن في اليوم الموالي، يبرز مشهد غاية في التناقض .. أصدرت وزارة الداخلية، بلاغا رسميا، مثيرا للجدل، نشرته وكالة الأنباء الرسمية، تستبق فيه الوزارة، مجريات التحقيق القضائي، وتنفي بالمطلق وبشكل قطعي فرضية "وجود خزان إضافي لتهريب المحروقات.."، وهو ما يطرح أسئلة استفهام، قانونية أولا، وأخلاقية ثانيا.. فأولا، لا يمكن لوزارة الداخلية، أن تستبق مجريات التحقيق، وتحسم في فرضيات هي في الأساس جوهر الفاجعة.. بذلك تضع الداخلية الحكومة، في موضع خرق لسرية التحقيق القضائي، والتأثير عليه .. وثانيا، كيف لوزير الداخلية، محمد حصاد، أن يصدر بلاغا بهذا الحزم، وهو الذي صرح بقواه العقلية، أنه لا يمكن أن يدلي بأي معطيات، قبل انتهاء مجريات التحقيق القضائي ؟! ..وإلا سيفتح عليه باب النار للتساؤل حول الجهة التي كانت وراء صياغة وإصدار البلاغ الصحفي الذي يقف مع الحارق ضد المحروقين ؟ وبعيدا عن النوايا المبيّتة لبلاغ الداخلية.. فواقع تاريخ التحقيقات القضائية حول الفواجع التي عرفها المغرب، لم يكن واقعا صادما اليوم فقط، نتذكر جميعا سقوط صومعة على المصلين بمكناس، في فبراير 2010، وراح ضحيتها 40 مواطنا، وعقب الفاجعة تحقيق، لم نقرأ عن نتائجه لليوم.. وفي أبريل 2008 احترق أكثر من 50 عامل وعاملة، في مصنع "روزامور" للپونج بالدار البيضاء، وكان هناك تحقيق، ولم يفرج عنه.. وفي يناير 2008 بالقنيطرة سقطت عمارة في طور البناء، على رؤوس العمال خلفت 18 قتيلا، وكان هناك تحقيق، لم نسمع عنه أيضا لليوم.. وفي سبتمبر 2012 سقط 43 مواطنا مغربيا قتيلا في حادثة سير "تيشكا"، وكان هنالك تحقيق.. وفي نونبر الماضي، راح حوالي 35 مواطنا مغربيا، غرقا، إثر فاجعة ضحايا "فيضانات وادنون"، وكان هناك تحقيق، لم تعلن عنه السلطات لحدود الساعة.. اليوم أضحت قناعة لدى الرأي العام، مفادها أن مؤسسة الملك، هي المحرك الحقيقي للتحقيقات الحازمة والجدية..وليس القضاء وليست الحكومة وليس البرلمان .. نتذكر جميعا كيف استنفرت الأجهزة الحكومية والإعلامية قواها من أجل الكشف عمن يتحمل مسؤولية ما بات يعرف بـ"حادثة السطل والكراطة" في المركب الرياضي بالرباط، والنتيجة كانت عزل وزير عن مهامه في الحكومة .. وهذه أيضا ما كانت تكون .. لو لا الطابع الدولي الذي بدأت تأخذه الفضيحة .. بعين دامعة خاشعة .. نقول عذرا لكل أم ذرفت عيناها على فلذة كبدها ..عذرا لحبة قرنفل ضاعت..عذرا لبسمة طفل احترقت في نار النهايات القاسية.. عذرا للطفولة التي ارتفعت نحو السماء في نصف الطريق...عذرا لا نملك لكم سوى هذا القلم العقيم ..


اقراء المزيد »

التعليم بالمجتمع المغربي ...







التعليم بالمجتمع المغربي بين منطق التواطؤ الاستراتيجي ومنطق الاضطلاع بالمسؤوليات نحاول من خلال هذه الورقة، طرق قضية غاية في الأهمية تستدعي ضرورة مواجهتا، ويتعلق الأمر بالقضية التعليمية بالمجتمع المغربي والأزمة المصاحبة لها، والتي تتعدد أسبابها بتعدد الرهانات بخصوص قيمتها المجتمعية. بيد أن التعليم كقضية بالمجتمع المغربي هي قضية إشكالية بالأساس، والنقاش حولها لا ينتهي؛ ذلك أن المغرب في شكل مؤسساته لم يجد بعد الصيغة النهائية لملف التعليم، ما جعل القطاع في أزمة إصلاحات تخترقها العديد من الأسئلة ذات البعد الإشكالي حول القضية بالموازاة مع الواقع الموضوعي الذي تظهر معه بجلاء تام مؤشرات الأزمة ومظاهرها. وهو ما يبدو اليوم في المؤسسات التعليمية، والمؤسسات المعنية بصياغة البرامج والتوجيهات التربوية، وكذا في مجموع السجالات حول ملف التعليم. فما المنطق الذي يحكم الممارسة التعليمية بالمجتمع المغربي؟ وكيف يتم التعاطي مع القضية التعليمية؟ يعتبر العلم تمثلا للعالم ونظرة إليه، يسمح بالرقي الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وذلك عبر ما يقدمه من إنجازات ودراسات وما ينتجه من قوانين للحياة العامة للإنسان في جميع أبعاده، وسواء تعلق الأمر هنا "بالعلوم الدقيقة" أو العلوم الإنسانية والاجتماعية. ويمكننا في هذه المرحلة، أن نقيم مماثلة بين العلم والتقنية من منظور السوسيولوجي مانيال كاستلز الذي يؤكد على أن التقنية مسألة اجتماعية، فيما يخص تبنيها من طرف مجتمع دون آخر، ولا يمكن أن تقوم لها قائمة إلا إذا تبناها، وهو الشيء الذي يحصل عندما تغير حياته وتطور مستوى العيش لدى أفراده. إذا تأملنا في مسألة التقنية هاته، سنجدها تنسحب على العلم الذي لايمكن، من منظورنا، أن يقوم وتكون له نتائج إيجابية على سائر المجتمع دون تبنيه من طرف المجتمع سياسة وقانونا وتدبيرا وإرادة...إلخ. إن الملاحظ والمتتبع لما يجري في واقع حال المؤسسات التعليمية بالمجتمع المغربي، سيجد أنها تعاني اليوم في جميع بنياتها ومستوياتها. ويتضح ذلك من خلال تفاقم مجموعة من الظواهر التي تجسد تلك المعاناة منها: الهدر المدرسي، الغش وتفشيه في الأوساط التعليمية، تدني المستوى التعليمي، وضعف الكفايات التربوية... ناهيك عن ظواهر أخرى مرتبطة بالمجال التربوي كالتعنيف الذي بتنا نسمع عنه كثيرا بين المتعلمين والمدرسين وتناول المخذرات، وما يرافق ذلك من ارتفاع في مؤشرات الجريمة في الأوساط التعليمية. نفهم من خلال كل هذه المؤشرات، أن المؤسسة التعليمية بالمجتمع المغربي يطالها الابتذال ولم تعد مغرية في ظل غياب منطق واضح المعالم عن أفقها المستقبلي. لكن، كل هذه المعطيات وجب وضعها داخل كلية نسقية totalité systémique نفهم من خلالها طبيعة العلاقات بين مجموع الفاعلين في العملية التعليمية التعلمية بالمجتمع المغربي، وهو الأمرالذي يتيح إمكانية الكشف عن الأسباب الموضوعية التي تفسر لنا ضعف المردودية التعليمية، ويمكننا من فهم مسألة غاية في الأهمية ترتبط بمعنى الابتذال الذي باتت تواجهه المدرسة المغربية. إنه رهان. وحتى يكون النقاش أكاديميا وجادا، سنعمل على تضمين مقالتنا هاته بأهم خلاصات الدراسة الميدانية، التي أجريناها لنيل شهادة الإجازة، والتي حملت عنوان « المردودية التعليمية بين ثنائية البرامج البيداغوجية والأطر التربوية-دراسة سوسيولوجية»، وهي دراسة كانت تروم الكشف عن سبب أو أسباب تدني المردودية التعليمية وفق منظور جديد بمنطلقات منهجية مغايرة؛ أي محاولة فهم الظاهرة التربوية بربطها بالفضاء الذي يحتضنها، وطبيعة العلاقات القائمة بين مجموع الفاعلين الذين ينخرطون فيها ويؤثرون فيها من قريب أو بعيد، وذلك من خلال دراسة حالة ثانوية تأهيلية. وهو الأمر الذي نفهم من خلاله أن قضية التعليم وما تواجهه من أزمة بنيوية هو نتاج للنسق التعليمي في كليته. وبناءا عليه، توصلنا إلى خلاصة مفادها « أن مجموع الفاعلين المتواجدين في المؤسسة التعليمية يتواطؤون في تدني المردودية التعليمية وفق رؤيا استراتيجية. فكل واحد يلقي باللائمة على الاخر ويحمله المسؤولية بين كل من المدرسين والمتعلمين ومكونات الإدارة التربوية، موجهين هذا التواطؤ إلى المؤسسات المعنية بصياغة البرامج والتوجيهات التربوية، وكل ما له صلة بالتخطيط التربوي، وما يشوبها من تهافت وظيفي». فماذا نقصد بالتواطؤ الاستراتيجي؟ وكيف يظهر؟

نقصد بالتواطؤ الاستراتيجي la connivence stratégique شكل من أشكال التفاعل في العملية التعليمية التعلمية القائم على مسألة تحميل مسؤولية تدني المردودية التعليمية وعدم تحقيق أهداف تنظيم المؤسسة التعليمية الكامنة في التربية والتكوين، وهذه المسألة يقوم بها جل الفاعلين داخل المؤسسة التعليمية. فليقي أحد الفاعلين باللائمة على الفاعلين الاخرين مخرجا نفسه من المسؤولية كما لو كان لاينتمي للنسق التعليمي الذي هو في الواقع جزء منه، وتكون طبيعة هذا التحميل في المسؤوليات حاملة لاستراتيجيا ذات بعد عقلاني يبرر بها الفاعل عدم اضطلاعه بمسؤولياته ومهامه. ويظهر هذا التواطؤ حينما يقول المدرس التربوي على المتعلم أنه « غابت مواصفاته ولم يعد مهتما، وقد فقد خصائصه؛ ذلك أنه لا يعرف لماذا هو في المؤسسة التعليمية؟ وماذا يجب عليه القيام به؟»، ويقول على الأطر الإدارية بأنها «لا تضطلع بمهامها ولا تساعد على الاشتغال من خلال ما توفره من إمكانيات للعب داخل تنظيم المؤسسة التعليمية». ونجد الإدارة التربوية، في نفس الوقت، تقول على المدرس التربوي » بأنه كيف يمكن أن نحقق الضبط داخل المؤسسة والمدرس لايساعد على ذلك حينما يسمح للمتعلمين بالبقاء في الساحة إلى حدود وقت يتجاوز المدة المسموح بها في فترة الاستراحة؟ ويقول عن المتعلم «بأنهما في حرب دائمة». وأخيرا، نجد المتعلم بدوره يدخل حلقة التواطؤ الاستراتيجي عندما «يعتبر نفسه خارج إطار التنظيم، منطلقا في هذه الرؤيا من تفسير ذلك بكون الإدارة التربوية لا توفر الأمن والحماية باعتبارها هي المسؤولة على ذلك. كما أنه يورط المدرسين في المسألة حينما يقول عنهم بأنهم لا يكترثون لأمره ولا يقومون بمهامهم التربوية من بيداغوجيا وديداكتيكا». ولايقف هذا التواطؤ الاستراتيجي عند حدود المؤسسات التعليمية، وإنما يصل للمؤسسات المعنية بصياغة البرامج والتوجيهات التربوية عبر مجموع سياساتها وإصلاحاتها وتخطيطاتها، التي لا زالت تمارس البيروقراطية مع غياب لإشراك حقيقي للفاعلين التربويين. ونسجل هنا ملاحظة أساسية مفادها أن تواطؤ المؤسسات المعنية بصياغة البرامج والتوجيهات التربوية الذي هو نتيجة بيروقراطيتها وعدم إشراكها للفاعل التربوي، يمثلا "ذريعة" يفسر بها هذا الأخير عدم اضطلاعه بالمسؤوليات حينما يقول «لا يتم إشراك المدرس في بناءها- المقصود هنا هو البرامج والتوجيهات- وهو أكثر شخص مرتبط بواقع التعليم والأكثر وعيا بمشاكله »، وله العديد من التعلقات حولها بكونها غير ملاءمة ولا تتماشى مع الحاجيات المجتمعية. والأكثر من ذلك، أننا وجدنا بعض المدرسين عندما سألناهم عن سبب الاستمرار في العطاء والتدريس، عبروا عن المسألة « بأن أجرهم مع الله»، ما يؤكد غياب المهنية l’absence de la professionnalité التي لايتحملوا وحدهم مسؤولية غيابها. يعبر هذا التفاعل عن طبيعة عمل المؤسسة التعليمية، والتفاعل القائم بين الفاعلين المتواجدين داخلها، الذي ينم على غياب التجانس بينهم من حيث وظائف كل فاعل منهم داخل التنظيم ككل، ما ينعكس مباشرة على الممارسة التعليمية لديهم، سواء على من يصوغ البرامج، ومن يعلم، ومن يضبط، ومن يتعلم. ما نفهمه من خلال كل هذه المعطيات، هو أن المنطق الذي يسود الممارسة التعليمية بالمجتمع المغربي هو منطق التواطؤ الاستراتيجي وليس منطق المنهية la logique de la professionnalité والاضطلاع بالمسؤوليات حيث الارتجالية ومواكبة اليومي فقط. وهو منطق يجعل من المسألة التعليمية والممارسة التربوية اليوم مبتذلة وغير مغرية البثة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على واقع التعليم؛ ذلك أن الابتذال لا يأتي من فراغ وإنما هو نتاج تظافر مجموعة معطيات لعل أهمها هو عدم اضطلاع الفاعلين التربويين – نقصد بالفاعلين التربويين كل من له علاقة بقطاع التربية والتعليم- بالمهام الموكولة إليهم والملزمة التطبيق بقوتها القانونية. ونختم ورقتنا هاته بالقول أنه ينبغي تجاوز منطق التواطؤ الاستراتيجي حيث تبادل الاتهامات وتحميل المسؤوليات في تدني المردودية التعليمية وضعف الكفايات التربوية إلى منطق المهنية والاضطلاع بالمسؤوليات كل من موقعه للرفع من مستوى التعليم وتجويد الخدمات التعليمية حتى نرقى بالثقافة ونتقدم بين الأمم، على اعتبار أن الرهان من العلم والممارسة التعليمية تتجاوز الارتباط بسوق الشغل، الذي يجب أخذه بعين الاعتباركمعطى رئيسي إلى اعتباره رهان التقدم والرقي المجتمعي عموما، الأمر الذي يستدعي النظر للعلم والممارسة العلمية كقيمة في ذاتها من الناحية الثقافية والاجتماعية. * طالب باحث في السوسيولوجيا


اقراء المزيد »

مذكرات كاتب فاشل .. الشهرة







2/ الشهرة فجأة وجدت نفسي دون سابق ميعاد، اسما مشهورا تكتب قصائد المدح الطوال على رجاحة عقلي وحصافة اختيارتي في النصوص والإبداع. حقيقة بالصدفة ، صدفة القراء، اكتشفت نفسي مبدعا. وهل حقا أنا مبدع ؟ هل هناك من يستطيع أن ينازعني في هذا الأمر؟ لا تنهمكوا كثيرا في البحث عن تاريخي الأدبي وعدد كتبي ورواياتي التي أسقطت بها الأنظمة الديكتاتورية ، فقط يمكنكم أن ترجعوا إلى تعليقات القراء المفبركة من أصدقائي الذين يمطرونني بالتعليقات الجميلة، ومن باقات الورود التي تنعش الروح وترفع من اسمي وكتاباتي عاليا كالجبل. فعلا أصبحت جبلا خلال أيام قليلة . إنها مشيئة القراء الحكماء. هل هناك من يريد أن يحرز على هذا اللقب الذهبي، إنها ليست بالمهمة المستحيلة، بحكم التجربة القصيرة، فيمكن أن أقدم الوصفة بسرعة للشباب الصاعد، وأهم قاعدة ذهبية قلة الحياء، وأهم ملعب يمكن استعراض مواهبك المدهشة هو العالم الافتراضي، ولاتنسى دائما جمهورك الافتراضي. والجميل في هذا الجمهور الرائع أنه يقدر الظروف ولا يشترط شروطا قاسية وعصية على الكاتب، كأن تكون أكاديميا وذا مستوى معرفي أو تكون قد راكمت تجربة وباع طويل في الكتابة في تخصص معين، يمكنك أن تقول باسم الله، وتكتب سواء في القصة أوالشعر أوالرواية أوالتاريخ أكتب ولا تكثرت من أحد، حطم قواعد الشعرواهجم على القصيدة بسيفك اللغوي الركيك، وإياك أن تستحضر مشاعرك ومعاناتك، فالشعر نظم فيزيائي، والقصة اسبح في نهرها بملابسك وإياك أن تخاف من الغرق، فقد ستكتب شهيد الكلمة في تاريخ الكتابة. و يمكنك أن تكتب في كل الأجناس وقد تكتب في الصحافة مند اليوم الأول، فهي ميدان لايحتاج الى مواهب ولن تجد فيه متاعب فهو مفروش بالورود والأناشيد. واعمل مثلي وسر على خطايا، إياك أن تسمع نصائح الأصدقاء وتحليلات المتفيقهين وأراء الباحثين والنقاد فهم مجرد شرذمة من الفاشلين الذي سيملؤون مسارك بالأشواك والعراقيل وتموت كالجنين. والمثير في الأمر أنك ستجد جمهورا من القراء يتفاعل معك في كل شئ فقد يصبح شاعرا وقصاصا وباحثا حيث ما تميل يميل، والأورع أنه قد يتحول في رمشة عين إلى ناقد ويمطرك بأمطار الحب والزغاريد، ولا تنسى دائما أن تستحضر مواد التجميل ومعهم الحليب والثمر،فأنت عريس افتراضي . الم ترى معي أن باب الشهرة مفتوح أمامك على مصراعيه، لا تنبهر بالأسماء التي أفنت نفسها في الدفاع عن قضايا أمتها حتى ترسخت في ذاكرة الشعوب وأصبح يضرب بها المثل وتدرس كمواد تعليمية وتربوية فهذه بدعة وكل بدعة سوف تقف حجرة عثرة في طريقك الإبداعي. واحذر أن تسقط في تقليد الكتاب العصاميين، فيشمت فيك الليل والقرطاس والقلم ،ويبيض شعرك ويسقط كأوراق الخريف فتصبح من النادمين. وإياك أن تبحث في تجديد من سبقوك من الكتاب سواء في الشكل أو المضمون، أو أن تبحث عن توليفة موسيقية تنغم القلب والروح فقد تثقل كاهل جمهورك الذواق إلى الوجبات الخفيفة والتي لا تضر بمعدته. واحترس من الكتابات ذات النزعة التغييرية، إياك تم إياك أن تحمل هم التغيير أو هم أحد ، فهذا ضرب من الجنون الإديولوجي والذي لن يقودك في نهاية المطاف سوى إلى السجن أو المنفى أو مستشفى المجانين. عليك أن تلتزم بمبادئ الحياد السلبي حتى يكثر محبيك ويأمَر بتوشيحك، فيتم ترشيحك، وتتعدد ألقابك. واعلم أنه سيتكاثر حسادك، وسيعلنون عنك الحرب لنجاحك، فلا تلتفت يمينا ولا يسارا واعلم أنك تؤدي ضريبة نضالك الصغير، الذي غرسته خلال أيام قليلة وفاض من حوض كأسك. لا تفكر في شئ تقطفه من كتاباتك سوى الشهرة ولا غير الشهر فهي مفتاح نعمتك ومركز احترامك، وانتبه أن تعير اهتماما إلى جودة نصوصك أو احترام ذاتك أو قراءك فهم جميعا مجرد تفاصيل صغيرة عليك أن تجعلها سلما لصعودك.لا تتريث ، فجمهور بالملايين ينتظرك والمجد يناديك، إنها فرصتك، ولا تنسى أبدا أن الكتابة فرصة الحياة ، وباختيارك هذا ستعيش مثلي أكبر وهم في حياتك.


اقراء المزيد »

بلاد لا تبكي لرحيل فلذات أكبادها







في بلادي لا تساوي أرواح الناس مثقال بعوضة.صبيحة الجمعة الماضي نزل خبر الفاجعة صادما ومؤلما.في مهنة كالصحافة يمكن أن تسمع يوميا أكثر من خبر عن حوادث مماثلة، لكن في الجمعة الماضي، كان حادثا غير الحادث. كان صادما أن تزهق فجأة أرواح 33 مواطنا، ثم تستمر الحياة..بكل بساطة. الطريق تقتل، لكن في المغرب يكاد يكون في كل بيت قتيل زهقت روحه في حادث سير. ومع ذلك فإن يوم الجمعة كان مختلفا جدا. الضحايا هذه المرة أطفال لا يتعدى عمر أكبرهم 12 عاما. هؤلاء الذين كانوا عائدين إلى ديارهم بعد المشاركة في الألعاب المدرسية لعلهم رسموا كثيرا من الأحلام في رحلتهم. قد يكون بعضهم تمنى أن يكون يوما مثل سعيد عويطة أو لاعب كرة بشهرة ميسي ورونالدو، وقد تكون منهم من تمنت أن تكون نجمة مثل نوال المتوكل ونزهة بيدوان، ولعل المؤطر محمد إسنكار، العداء الذي ركض إلى جانب عويطة، حكى لهم قبل الفاجعة، أسرارا كثيرة عن مشواره الرياضي، وربما يكون قدم لهم الكثير من الوصايا والنصائح. ومع ذلك فإن رئيس الحكومة الذي لايدع مجلسا للغو إلا تحدث فيه، لزم الصمت بعد الفاجعة، وكأنها بعوضة قضت..وكفى.كان حريا بالدولة أن تقوم عن بكرة أبيها، وأضعف الإيمان أن تعلن حدادا وطنيا. أما التحقيق الذي أعلن وزير الداخلية عن فتحه، فلايهم الناس في شئ، لأن الكثير من الأحداث والحوادث فتحت بشأنها تحقيقات، لكن لم تنته سوى إلى طي الملف أو إلى تقديم صغار المسؤولين للمحاسبة. صمت بنكيران، كدأب المسؤولين في القضايا الكبرى، لكن شرائط الفيديو التي تم تصويرها في مكان الحادث ظلت تشعل الناس حنقا على بلاد لا تبكي لرحيل فلذات أكبادها.لو كنا في بلد يحترم مواطنيه لكانت توالت استقالات المسؤولين، ابتداء من رئيس الحكومة وانتهاء بكبار المسؤولين الأمنيين. أليس رئيس الحكومة مؤتمنا على أرواح الناس الذين يدفعون من جيوبهم الضرائب؟ ثم، هل كان صعبا عليه الانتقال إلى مكان الحادث فور العلم به؟ هو الذي زار كل مداشر المغرب، في حملة انتخابية سابقة لأوانها؟ مؤخرا في تجمع مماثل، قال رئيس الحكومة لمواطن:"صرفقني باش يبرد قلبك..والله منحيد وجهي"؟ هكذا هو بنكيران، رجل سياسة لا يكاد ينفض الناس من حوله، لكن هل رحل كل ما في هذا البلد من عقلاء وبقي فقط الحكواتيون؟ وفي الأصل هل يصح التشبيه؟ فالحكواتيون حاربوا الجهل والظلم والاستبداد بحكاويهم. ثم ليت الأمر تعلق فقط بأهل "السياسية"، لهان الأمر، لأن المغاربة يكاد يتملكهم اليقين أن لا فائدة ترجى من أمثالهم، لكن حين يصير خطيب الجمعة مثل عون السلطة، لا يقيم صلاة الجنازة إلا بأمر من السلطان، يصبح الأمر أكثر مدعاة للحنق. أما مناسبة القول فلأن بعض الأئمة ممن يقرؤون على الناس خطبة الجمعة من على ورقة، لم يكلفوا أنفسهم الجمعة الماضي ذكر ضحايا الحادث، فقط لأن وزارة الأوقاف كانت بعثت بمضمون الخطبة، ولم تشر إلى الحادث.


اقراء المزيد »