اخر المواضيع

‏إظهار الرسائل ذات التسميات كُتّاب وآراء. إظهار كافة الرسائل

عبد الرحمان اليوسفي وعبد العروي


الجميع كان ينتظر اللحظة التي سيشرع فيها عبد الرحمان اليوسفي في سرد سيرته السياسية، وبالأخص في فترة حكومة التناوب، إحدى اللحظات الحاسمة في تاريخ المغرب الجديد. الانتظار كان سياسيا ونفسيا في نفس الوقت.. سياسيا، لأن الرجل عايش لحظات دقيقة من حكم ملكين مختلفين وقاد مرحلة انتقال العرش من الملك الراحل الحسن الثاني إلى الملك محمد السادس. وبعد أن حادت الدولة عن «المنهجية الديمقراطية»، اختار أرض الله الواسعة.. ثم صمت؛ نفسيا، لأن اليوسفي خلق نوعا من حالة الترقب لدى الجميع: فهو لم يرد على منتقديه ومهاجمي تجربته الحكومية وعلى شخصه أيضا، رغم أن الانتقادات كانت قاسية جدا، وكان يعتذر بابتسامته الهادئة إلى الصحافيين. قبل أيام فقط، آثر اليوسفي أن يكسر «طوق الصمت» الذي لازمه لسنوات عديدة، ولم ينس أن يذكر محاوره، بشير البكر نائب رئيس تحرير صحيفة «العربي الجديد»، بأنها المرة الأولى والأخيرة التي سيدلي فيها بحديث إلى الصحافة. من الواضح أنه جرى الاتفاق على الإطار العام لهذا الحوار، وألا تتعدى الأجوبة هذا القدر من «الجرأة». مع كل المساحات الفارغة والأجوبة المقتضبة وبعض التلميح، يجب أن نصيخ السمع إلى عبد الرحمان اليوسفي. لقد أنصتنا كثيرا للكلام المسترسل للسياسيين المغاربة، وقد حان الوقت لننصت قليلا لهذا الحكي المتقطع لليوسفي. حوار اليوسفي جاء مباشرة بعد إصدار عبد الله العروي للجزء الثالث من «خواطر الصباح». وإذا لم يكن ممكنا أن نتحدث عن تزامن مقصود، فإن الصدفة الوحيدة هي أن «تاجر السلاح» قال إن آخر ما قرأه هو مذكرات العروي؛ فالعروي رجل فكر ينظر إلى السياسة من فوق ويرصد ذبذباتها دون أن ينخرط فيها، وقد بدا ذلك واضحا في كل خواطره الصباحية؛ أما اليوسفي فقد اقترب من ماكينة السلطة وعرف جيدا كيف تشتغل وإلى أين تؤول. إنهما رجلان يتقاطعان ويختلفان في الآن نفسه.. يتقاطعان لأنهما ينتميان إلى مدرسة حزبية واحدة دخلت في صراع عنيف مع المؤسسة الملكية طيلة عقود من القرن الماضي؛ ويختلفان لأنهما ينظران إلى ما يجري في المغرب من منظارين متباينين. في «خواطر الصباح»، سدد العروي بعضا من الدَّيـْن العاطفي لحكومة عبد الرحمان اليوسفي، وكان من الواضح جدا أنه لم يبتلع هو، أيضا، صدمة تعيين إدريس جطو وزيرا أول، بيد أن بعض الشذرات التي تضمنها الكتاب لا تفتأ تخفي تعارضا بيـِّنا بين الرجلين. يسأل الصحفي عن الملك الشاب، ويجيب اليوسفي باقتضاب شديد: «شباب المغرب اليوم موضع اعتزاز، لأنهم يقبلون على العلم والثقافة بنهم وانفتاح، فقد باتت لدينا ثروة شبابية كبيرة، والشباب يحتلون مواقع هامة في البلاد. يؤدي الشباب دورا ثقافيا واقتصاديا متميزا، ويشكّلون مصدر قوة المغرب. وأملنا أن يعي هؤلاء الشباب مسؤولياتهم تجاه بلدهم وينفتحوا على العهد الجديد». الذين قالوا إن اليوسفي خرج غاضبا من تجربة التوافق الديمقراطي وإن علاقته بدار المخزن ساءت بسبب تعيين التكنوقراطي إدريس جطو وزيرا أول ربما أخطؤوا التقدير، فالرجل مايزال على يقين بضرورة الإيمان بالعهد الجديد والانخراط فيه، قد خص حكم محمد السادس، في الحوار، بأفضلية بينة. العروي يؤمن، أيضا، بانخراط الشباب في العهد الجديد، لكنه انخراط مختلف جدا عن الذي تحدث عنه اليوسفي بكثير من التفاؤل. يقول العروي: «كان علال الفاسي لا يقبـِّل يد الملك وقبـَّلها محمد بوستة.. كذلك يلاحظ أن اليوسفي لا يقبل يد الملك الجديد وقبلها مرتين الوزراء الشبان. تنتعش المخزنية بتجدد الأجيال حيث تكثر المنافسة». إنهما، في نهاية المطاف، يحملان نفس الأمل: الثقة في العهد الجديد، لكنها ثقة تنهض عند اليوسفي على ثقة الشباب في المؤسسات القائمة دونما اعتبار لمعايير التنافس والوصول إلى مراكز القرار؛ وعند العروي تعني شيئا واحدا: الشباب في خدمة المخزن - صحافي بجريدة المساء
اقراء المزيد »

من يصدق حسن روحاني؟


أدلى الرئيس الايراني حسن روحاني مؤخرا بتصريحات لافتة للانتباه، واصل فيها حالة الانكار لأي علاقة لإيران بتسلح جماعة الحوثي في اليمن، كما قال أن قوات التحالف "قصف الشعب اليمني البرىء" وتساءل بشكل استفزازي "ماذا يعني قصف الشعب اليمني البريء ؟ أي أهداف تسعون لتحقيقها ؟ هل قتل الأطفال سيزيد من قوتكم ؟ لقد زرعتم بذور الكراهية في هذه المنطقة وسترون الرد عاجلا أم آجلا".!! وتابع روحاني قائلا "لا تقصفوا الاطفال والشيوخ والنساء في اليمن، فمهاجمة المظلومين ستعود بالعار على المعتدين" وهنا يبدو واضحا أن إيران تريد تكريس صورة ذهنية سلبية عن الوضع في اليمن، وتسعى إلى تلطيخ سمعة المملكة العربية السعودية وبقية دول التحالف واتهامها زورا وبهتانا باستهداف الاطفال والمدنيين في اليمن، مع أن أبسط قواعد القتال تشير إلى أن اعتماد القصف العشوائي منهجا للضربات الجوية لمقاتلات دول التحالف كان كفيل بتحقيق أهداف الحملة الجوية في أيام معدودوات، حيث كان سيتم قتل كل ماهو متحرك على أرض اليمن من حوثيين ومدنيين وابرياء وغير ذلك، أي انتهاج استراتيجية "الارض المحروقة" في الصراع، ولكن هذا ليس من مبادىء وثوابت دول مجلس التعاون، التي تعتمد منهجا دقيقا ينطلق من تحقيق أهداف الضربات الجوية مع الحفاظ على حرمة دماء الشعب اليمني الشقيق، وعدم استهداف المدنيين، فالجيوش الخليجية وقادتها هم أول من يدرك طبيعة الوضع في اليمن بل هم من يمتلك صلات قربي ورحم مع الاشقاء في اليمن، وبالتالي يصبح من العبث اتهام هذه الجيوش بقتل المدنيين!!. صحيح أن دول التحالف ذهبت إلى الخليج من أجل المدنيين ولكن لغرض مغاير تماما، وهو الحفاظ على مصالح هؤلاء المدنيين وحقن دمائهم وصون أعراضهم في مواجهة عدوان حوثي طائفي غاشم، ومن العبث أن يصدق أحد اتهامات يحاول على خامنئي مرشد الثورة الايرانية تلفيقها لدول التحالف بشن حرب إبادة ضد الشعب اليمني الشقيق، ولا نقول لخامنئي وبقية رفاقه : ارفعوا أيديكم عن إخواننا وأهلنا في اليمن ولا تحاولوا تبرئة أنفسكم من فعلكم الشنيع في اليمن بمحاولة قلب الطاولة على دول التحالف، فالعالم يدرك الحقائق ويعرف حقيقة ماحدث في اليمن، وكانت الرسالة قوية وواضحة في قرار مجلس الأمن الأخير. يقول خامنئي أن مايحدث في اليمن هو "جريمة كبرى وحرب إبادة" ضد الشعب اليمني (!!) متناسيا أن دور إيران في تزويد الحوثيين بالسلاح مستمر منذ سنوات مضت، وأن من أشعل الفتنة وأشرف على الحروب الطائفية في اليمن وغيرها ليس دول التحالف، بل إن كان هناك تهمة يمكن أن توجه إلى هذه الدول فهي تهمة الصمت على الاختراق الايراني لدول عربية عدة من دون رد فعل مناسب من هذه الدول. من عجائب الأمور أن يتهم الرئيس الايراني، الذي كان البعض في دول مجلس التعاون يراهن على وسطيته وعقلانيته السياسية، المملكة العربية السعودية بتزويد الحركات الارهابية في الشرق الأوسط بالمال والسلاح(!) وإذا سلمنا جدلا بصحة هذا الاتهام السخيف، فعلى الرئيس روحاني أن يقول لنا وللعالم أجمع من يزود حزب الله اللبناني بالسلاح والعتاد ومن يزود الميلشيات الشيعية في العراق بالسلاح والرجال بل والقادة من الحرس الثوري الايراني ممن يقودون المعارك في العراق في وضح النهار؟. يقول روحاني أيضا في تصريحاته أن الجيش الايراني هدفه دفاعي بحت، وهذا أمر نوافقه عليه ونسلم به فعلا فالرجل لا يقول في هذه الجزية تحديدا سوى الصدق، ولكنها نصف الحقيقة والنصف الآخر أن استراتيجية إيران الاقليمية تعتمد منهج الحروب بالوكالة، فهي قد قررت زعزعة الاستقرار في العديد من دول المنطقة وتوسيع نفوذ طهران الاقليمي اعتمادا على وكلاء طائفيين متشددين، وليس عن طريق التدخل المباشر، وكان يمكن لدول مجلس التعاون مواجهة ذلك بالوسيلة ذاتها لو صح قول روحاني أن المملكة العربية السعودية تزود جماعات ارهابية بالسلاح، ولأنه اتهام مغلوط يستهدف خلط الاوراق وإرباك المشهد الاقليمي، فقد اعتمدت دول مجلس التعاون في ردع إيران عن محاولاتها وخططها التوغل في اليمن الشقيق وهدر مصالح شعبه وتسليم البلاد إلى فئة باغية، اعتمدت هذه الدول منهج التدخل العسكري المباشر تحت غطاء الشرعية الدولية حفاظا على مصالح الشعب اليمني ودفاعا عنه في مواجهة عدوان طائفي بشع. *كاتب إماراتي
اقراء المزيد »

ملاحظات على مشروع القانون الجنائي


توطئة استغرقَ مسلسل إعداد مُسوَّدة مشروع القانون الجنائي مدة ناهزت الستّ سنوات تداول على وزارة العدل خلالها ثلاثة وزراء، ويعود الفضل في إعداد هذه المسودة للفقيه ذ محمد علمي مشيشي بتكليف من المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وتمت مراجعتها وتنقيحها من طرف لجنة ضمَّت مجموعة من الفاعلين في حقل العدالة الجنائية. والحقيقة أن المشروع يُعَدُّ في جزء كبير منه رائد في تبني سياسة جنائية حديثة زاوجت بين الخصوصية المغربية والانفتاح على التجارب المقارنة، لكن أي عمل إنساني شابَه قصور من عدة أوجه غلب عليها الطابع المحافظ تحت ستار "الدين" أو "التقاليد والأخلاق " وشبه غياب للمقاربة الحقوقية الدولية ومرتكزات الدستور المغربي وطابعه المدني المحض على مستوى ضمان الحرية الشخصية وحرية العقيدة والحق في الحياة وغيرهما. عقوبة الإعدام من وجهة نظري يعتبر الإبقاء على عقوبة الإعدام في مشروع القانون الجنائي مسألة مخالفة للدستور الناص على الحق في الحياة في الفصل 20 منه الذي يعتبر الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان. ويحمي القانون هذا الحق. فعقوبة الإعدام عقوبة همجية، وقاسية وغير إنسانية وتمسُّ بالضمير الجمعي العالمي، لأن الدولة لا يمكن أن تقبل بقتل مواطنيها، فضلا عن أنها لا تحقق لا الردع العام ولا الردع الخاص، ولا يمكنها إصلاح وتأهيل المعني بها، وخطورتها أن تنفيذها يمس حتما بالحق في الحياة بالنسبة للأبرياء إذا ثبتتْ براءتهم بعد تنفيذ حكم الإعدام عليهم. فمن يعيد لهم الروح والحياة، وما ذنبهم، وكيف سيتم تعويضهم عن هذه الأخطاء القضائية وقد انصبت على أعز ما يملكه الإنسان حقه في الحياة، إنها جريمة بحق المجتمع وليس فقط الجاني المفترض، لأن الله وحده من يملك نزع الروح عن الإنسان. رغم أهمية إنقاص مسودة مشروع القانون الجنائي من عقوبة الإعدام وتخفيض عدد حالاتها إلى نطاق ضيق فذلك لا يلبي الحاجات المجتمعية والدولية لإلغاء العقوبة،لاسيما وأن هذا التشبث بالإعدام يعكس نوعا من النفاق التشريعي لأن العقوبة أصلا لا يتم تنفيذها، فما جدوى الحفاظ عليها والتهديد بها، مما يسبب أزمات نفسية للمحكوم عليهم بها ويقضي على آمالهم في الحياة والإصلاح والتوبة، فيتسبب ذلك في الانتحار، وكأننا ننتقم منهم بتشريعها والتهديد بها والحكم بها وانتظار تنفيذ معلق ومقلق، فيموت الإنسان كل يوم وليلة، مفضلا الموت على شبهة الحياة. لقد اختار المغرب التفكير جديا في التعامل مع هذه العقوبة وقد وعد صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه التاريخي للمنتدى العالمي لحقوق الإنسان بمراكش بمعالجة الظاهرة وفتح نقاش عمومي حولها، وهو ما نحتاجه وندعمه فعلا. تجريم التحرش الجنسي إن التحرش الجنسي يعد فعلا ظاهرة مقلقة اجتماعيا وهو شكل من أشكال الإساءة المعنوية للكرامة واعتداء على الأخلاق العامة، ومسا بحق الآخرين وحرياتهم، ويجب ضمان الموازنة بين حماية الأخلاق وحماية الحرية الشخصية. وقد أحسنت مسودة مشروع القانون الجنائي صنعا المادة 503-1 في تدقيق تعريف التحرش وأشكاله وربطته بالإمعان في المضايقة أو المعاكسة بما يدل على كون الفعل لا يعد مسألة عابرة أو مجرد هزل محدود في زمنه بل هو فعل قصدي بإرادة عمدية وبأقوال أو أفعال لا لبس فيها تهدف مباشرة إلى ارتكاب الجريمة في الفضاءات العمومية أو غيرها، بأفعال أو أقوال أو إشارات ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسي. وهكذا إذا كانت الفقرة الأولى لا إشكال حولها لأنها مرتكبة ضد الغير، فإن الفقرة الثانية ستثير من الناحية العملية عدة إشكالات في التأويل والتفسير وستفتح بابا يصعب سده، فكيف يمكن اعتبار مجرد توجيه رسالة تحرشا إذا كانت بين أطراف تجمع بينهم محبة أو صداقة ولا يعتبرون من الأغيار، ولا يعد الفعل مضايقة أو معاكسة أو إزعاجا بالنسبة لهم بل ضرورة اجتماعية وحاجة للآخر، فهذا سيعد انتهاكا لحرمة العلاقات الاجتماعية بين الجنسين التي لا يحظرها القانون، واعتداء على الحرية الشخصية، لاسيما وأن التحرش يعاقب عليه سواء ارتكب من طرف الذكر أو الانثى، مما وجب معه إعادة صياغة الفقرة الثالثة عن طريق إضافة لفظ زميل أو زميلة طبقا لمبدأ المساواة في التجريم وعدم التمييز، مع إضافة عبارة "من وجه رسائل للغير عمدا..." حتى لا نصل إلى تجريم علاقات الحب والصداقة بين الجنسين، ولا أن نمس بمبدأ التربية الجنسية، لأن التشريع الجنائي لا يجب أن يحجب الحقائق الاجتماعية، ولا أن يغطيها بغربال الخوف والتزمت والانغلاق، كما لا يجب أن يسترسل في تطوير فكرة الانتقام من الآخر عند أول صدام. تجريم الإفطار العلني في رمضان إن الحفاظ على تجريم الإفطار العلني في رمضان في مسودة التشريع الجنائي يحيلنا على مسألة حرية العقيدة المكرسة دستوريا، فقد نص الفصل الثالث على أن الدولة تضمن لكل شخص حرية ممارسة شؤونه الدينية، كما نص الفصل (25) أيضا على "حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها..." مما يشكل تناغما مع المادة (18) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان "لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين". كما وافق المغرب مؤخرا دون أي تحفظ على مشروع قرار أممي تقدمت به أزيد من ستين دولة في مجلس حقوق الإنسان حول حرية الدين أو المعتقد، وذلك ضمن التوصيات الختامية للدورة الخامسة والعشرون التي احتضنتها مدينة جنيف السويسرية ويشدد القرار الذي تم تمريره بالتوافق دون اللجوء للتصويت، "على حق كل فرد في حرية الفكر والوجدان والـدين أو المعتقـد، بما يشمل حريته في أن يكون أو لا يكون له دين أو معتقد، أو في أن يعتنق ديناً أو معتقـداً يختاره بنفسه، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعليم والممارسة والتعبد وإقامة الـشعائر، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة، بما في ذلك حقه في تغيير دينه أو معتقده". وهذا ما كرسه الدين الحنيف مصداقا لقول الله عز وجل: "وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" (الكهف 29). وقال: "إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً" (الإنسان 3). وقال: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" (البقرة 256). وواضح أن هذه الآيات تقرر حرية الإنسان في الاعتقاد، فهو حُر في أن يعتنق الإسلام من عدمه. وقد سبق للقضاء المغربي أن أقر بحرية المعتقد "حرية الإنسان في دينه وحقه في إقامة شعائره مبدأ إسلامي راسخ ومضمون أقره الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وسائر المواثيق الدولية. إن المغرب الذي تتوفر تشريعاته على ضمانات في هذا الباب يلتزم في دستوره باحترام حقوق الإنسان (قرار محكمة الاستئناف بالبيضاء الغرفة الجنحية عدد 12136/15100/93 صادر بتاريخ 14/12/1993منشور بمجلة المحاكم المغربية عدد 98 ص 186). وتأسيسا على ذلك يكون تجريم الإفطار العلني في رمضان مخالفا للدستور والاتفاقيات الدولية لتعلق ذلك بحرية الاعتقاد، وبعلاقة الإنسان بربه، لماذا إذن لا نعاقب تارك الصلاة والممتنع عن دفع الزكاة؟ تجريم زعزعة عقيدة مسلم إن الحفاظ على تجريم زعزعة عقيدة مسلم يطرح مسألة حرية الاعتقاد بالشكل المتعرض له آنفا لأن الدعوة لدين بعينه للناس وشرحهم له لا يشكل جريمة، كما أن استبدال شخص معين لدينه لا يعتبر جريمة، لأن التجريم يجب أن يقتصر على الوسائل الاحتيالية والغش واستغلال الدين لأهداف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. كما أن ذلك يثير إشكالية تحويل المسيحي أو اليهودي للديانة الإسلامية والدي لا يعد فعلا مجرما مما يقتضي إعمال المساواة في التجريم أو الإباحة إعمالا لمبدأ عدم التمييز. وقد سبق للقضاء المغربي أن أقر بحرية المعتقد " حرية الإنسان في دينه وحقه في إقامة شعائره مبدأ إسلامي راسخ ومضمون أقره الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وسائر المواثيق الدولية. إن المغرب الذي تتوفر تشريعاته على ضمانات في هذا الباب يلتزم في دستوره باحترام حقوق الإنسان (قرار محكمة الاستئناف بالبيضاء الغرفة الجنحية عدد 12136/15100/93 صادر بتاريخ 14/12/1993منشور بمجلة المحاكم المغربية عدد 98 ص 186) * عضو جمعية عدالة
اقراء المزيد »

الموت بعينين مشتعلتين في عرض الطريق


إلى ذكرى أطفال طانطان أطفالنا جميعا أطفال البلاد النار تبكي من هول ما صَنَعَت غولة الهزيع الأخير من الويل منفوشة الشعر تندب حظها : -كيف التهمتُ أجساما غضة وأوديتُ برشاقة الحياة. هاهم حطبا للذكرى يعودون إلى ظلمات أرحام أمهاتهم هاهم طيور ابيضت أجنحتها تلملم وجودها من عدم لتغرد في الملكوت وترفرف على شجر مخضود صرخاتها أجراس في كل الجهات إلى النار سدت مَنافِذَه ُ يدُ الغيب. أسمع موتهم يرتفع نشيدا من بين الجمر والحطام وفرحة اللقاء بالأهل التي أَجَّلَهَا قدرٌ أحمق الخطى لم يَأْبَهْ للطيور المحلقة الطيور التي قبل قليل خضبت قمصانها بريش المجد الذي تناثر في الغياب ريش تلألأ برهة ثم احترق. فماذا قلت لهم يا نار لَمَّا تداعوا إليك لائذين أين كنتَ يا ماء ُ يا دعاءُ وأين اختفيتِ يا سماء ؟. الأرضُ لا تَسَعُ الأرضَ من الندم الوجود على نصل الغيلة يَنْزِفُ قال الفجر لليل : -لِمَ كَمَنْتَ في المنعطف وما اليد التي ساقت المَنونَ إلى عرض الطريق؟ مَنْ بعثر الأوراق وداس البراعم بشهب النار وهي تضحك للربيع؟ مَنْ أسرى بالموت في رِكَابِهِمْ مِنْ مَرَحٍ يشهق بالألوان إلى فُرْنٍ أحرق السماء التي مرت في خاطرهم وأزهق الروح والعظام وهي تلملم بياضهم وترنو إلى المباغتة المَهُولَةِ تحصد بمنجل الخديعة عيونهم التي تحضن أحلامهم وتحرص على غد يقطفون فيه أزاهير المنى من مشتل ظلال تغدق عليهم فاكهة الأصحاب والأحباب والبلاد .. حتى الدمُ لَعِقَ الدم َ فلم يَسِلْ سوى سوادهم حتى الهلعُ رَوَّعَهُ الهلعُ فَطَيَّرَ صَوابَهُم .. صمتٌ غزير أبيض رَانَ .. سكن المآقي أخْرَسَ ضجيج الملاعب وطوى عهد الشغب والمدرسة... صمت حسير أسود غنى للصمت الكسير الذي ما أدركه أَحَدٌ ولا مَدَدٌ ولا بَلَدٌ. ويحي .. ! ما الذي دار، في الهنيهة التي بقيت لهم، بينهم؟ وماذا رأوا ؟ ماذا غَمْغَمُوا – ماذا وَشْوَشُوا ؟. يضع الموت رأسه بين يديه ويُجْهِشُ بالبكاء ... !
اقراء المزيد »

دعم أمريكا للتشيع محاولة تفتيتية للعالم العربي


منذ فترة الاستعمار تتوالى مظاهر تفتيت الأمبريالية (المنتظم الدولي) للدول العربية واستضعافها، آخر وجوه ذلك التفتيت، وليس الأخير، هو انتصار أمريكا للتشيع. كيف ذلك؟ بعد أحداث ما يسمى الربيع العربي، ظهر للقوى الأمبريالية بالملموس أن العالم العربي بمئات ملايينه من أهل السنة، وليس إيران الشيعية وحزب الله اللبناني، يشكلون خطرا على استقرار ولائها بما يمثلون من قوة فكرية وعقدية قادرة، لو تم استنهاضها، على التحرر من الهيمنة التي دامت أزيد من قرن من الزمن وقادرة على تحقيق سيادتها على أوطانها ومقدراتها. لقد أبانت الثورات المضادة للثورات الشعبية التي وراءها الحكومات الغربية في كل من مصر وسوريا والعراق واليمن وليبيا عن مراجعات عميقة للمنتظم الدولي الأمبريالي لمفهوم الارهاب، تمت على أساسها مراجعة لقواعد لعلاقات الدولية. بعد الحرب الطويلة بين الغرب وإيران التي صنفت فيها الأخيرة بالراعية للإرهاب ومحور الشر، أدركت أمريكا وحلفائها أن التحدي الأكبر الذي يواجهها هو صعود القوى الاسلامية السنية الممتدة من المشرق إلى المغرب الاسلامي في أمان من خطر النزاعات الطائفية، وأصبحت الاستراتيجية الجديدة هي التفتيت العقدي والاجتماعي لخريطة هذا العالم الديموغرافي المسمى "أهل السنة والجماعة" بدعم التشيع ونشره وخلق تجمعات طائفية تنشغل إلى الأبد بالنزاعات والاختلافات والبحث اللانهائي عن التوافقات برعاية من القوى المهيمنة على العالم. لذلك تحالف الغرب مع إيران في العراق وسوريا ثم في اليمن، ثم أعطت الضوء الأخضر للدول الأخرى في المشرق والمغرب للتطبيع معها (إيران) ولتسهيل نشر التشيع وتسريع وتيرته باسم حرية المعتقد؛ كل ذلك لغاية تحجيم عدد أهل السنة والقضاء على عنصر الوحدة بينهم وبالتالي الحد مما يسمونه خطر صعود الاسلاميين بدون منافس. بالنسبة للأوروبيين ولنقل الأمبريالية، هناك حاجة ضرورية لهذه الاستراتيجية بعد سقوط قلائع التيارات العلمانية التي أصابها الوهن ولم تعد قادرة على ضمان ولاء الشعوب؛ وهي حاجة ماسة إلى تعميم تجربة الطائفية في لبنان ليظل التناحر والاختلاف قائما ولتتسع دائرة دمار البنيات الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة العربية بأسرها، وتظل حاجة البنيات الجديدة إلى الاستعانة بالقوى المهيمنة وأموالها لتؤمنها من الخوف والجوع . نتيجة هذه الاستراتيجية، إذن، هي تراجع أوربا عن وصف إيران بالدولة الراعية للإرهاب والتعاون معها، بل السكوت عن الجرائم البشعة التي يرتكبها الشيعة في حق الملايين السنيين، في مقابل تضخيم أخطاء وانزلاقات تنظيم الدولة الاسلامية (د.ا.ع.ش) وأعماله الارهابية، بل الترويج له إعلاميا وتوسيع رقعته على قاعدة "الممنوع بالقوة مرغوب فيه" بالعداء المبالغ فيه على حساب القوى الاسلامية الوسطية المعتدلة. ومن أسوأ مظاهر هذه الاستراتيجية السماح لإيران بالتدخل المباشر في كل ربوع العراق والشام واليمن، بينما الحكومات العربية خصوصا السعودية ودول الخليج ممنوعة هي وشعوبها من حقها في الدفاع عن أهل السنة، بل فُرض على بعضها الانخراط فيما يسمى الحرب على الإرهاب خوفا من تهمة دعمه ورعايته؛ وأكبر دليل على ذلك هو "عاصفة الحزم" التي لم تسمح بها الدول الغربية ولم تخطط لها إلا بعد فوات الأوان ولغرض التعقيد و"التوازن" بين الشرعية والانقلاب في اليمن؛ وإلا لمَ لا أولا "عاصفة حزم" لاستعادة الشرعية في مصر ؟! وربما تأتي في يوم من الأيام بناء على هذه الاستراتيجية لاستعادة التوازن لصالح الانقلابيين، وليس لدعم غير مشروط للشرعية. إن الحالة الراهنة تستدعي وقفة جادة من المفكرين والسياسيين المخلصين للنظر فيما تخططه القوى الامبريالية لبلدانهم من النزاعات المهلكة للجميع والشيطنة التي لن يستفيد منها إلا "الشيطان الأكبر" والكيان الإرهابي الصهيوني.
اقراء المزيد »

هل الجنين جزء من جسد المرأة ؟


لم يعد الحمل لغزا محيرا ، فقد تم اكتشاف أغلب أسراره وطلاسمه ،ومن الحقائق التي لا غبار عليها علميا الآن، أنه بمجرد تخصيب الحيوان المنوي للبويضة الانثوية ، تتكون وحدة جديدة كل الجدة هي البويضة الملقحة أو اللاقحة التي تحمل ضمنها مشروعها وبرنامجها المنفرد بذاته . أي حياة جديدة منفرزة منذ اللحظة الصفر. هذه الوحدة الجديدة، ليست مجرد جمع بسيط بين كروموزمات الخليتين التناسليتين للرجل والمرأة ، بل هي نتيجة لاندماج والتحام وانصهار بينهما تفقد فيهم هاتان الخليتان السابقتان كل وجود واستقلالية، لتشرع الوحدة الجديدة -المختلفة عنهما اختلافا نوعيا- في الوجود, وتبدأ في تطبيق وتنفيذ برنامج نموها وفقا للشفرة الجديدة الناشئة في الجينوم الجديد , أي أننا نكون منذ اللحظة الأولى لعملية الخلق والإخصاب أمام مشروع إنسان آخر، وأمام خلق آخر متميز عن أبويه له وجود بذاته. أي أمام حقوق للغير لا يجوز لا للأب ولا للأم ولا للطبيب ولا للمشرع ولا للمجتمع المساس بها بالإجهاض. هذه حقائق علمية لا ينكرها الا جاحدا للمنطق العلمي وللإعجاز الإلهي في عملية الخلق الذي عبر القرآن الكريم بقوله سبحانه " وخلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه" فالنطفة الامشاج هو ذاك الانصهار، الأصلي المؤسس الخالق للجنين ذو الخلية الواحدة. هذه الخلية التي هي برنامج معلوماتي مستقل عن الأم، والتي ينحصر دورها فقط في أن تهيء له الظروف المناسبة، لكي يفصح عن نفسه ويتجلى. إذ منذ الوهلة الأولى لا يكون بين الجنين والأم إلا نفس العلاقة التي بين الشريحة الالكترونية وشاشة الحاسوب أو الحاسوب. يتميز نمو الجنين منذ البداية بعدة خصائص دقيقة جدا، منها التناسق ونعني به قدرة ألاف الجينات على التنسيق المحكم بينهما، مما يمنحنا وحدة جديدة، يمكن لها أن تتطور في الزمن الذي هو مدة الحمل وفي المجال الذي هو الرحم أو جسد المرأة وكذا خاصية الاستمرارية، ذلك أن دورة الحياة الجديدة تجري بتواصل دون انقطاع ، ودون توقف أو كلل أو فتور ، فتخلق الخلايا وفرز الأنسجة وتكون الأعضاء واكتساب هذه الأعضاء لوظائفها، واكتمال أداء هذه الوظائف، كلها مراحل نمو تجري على قدم وساق، وتتم دون توقف أو التقاط أنفاس، عملية مستمرة، أطوار لا يعقب بعضها بعضا فقط ، بل إن كل طور لا حق منها يضم ويحتوي ويمتص الطور السابق. هناك تداخل وسرعة في بناء الجنين لنفسه دون انقطاع، لدرجة أنه في نهاية الأسبوع الثامن، يكون البناء النهائي للجنين قد تم , في إطار مصغر بالطبع ، فكل خصائص الإنسان بما فيها نوع جنسه تكون حاضرة بالشكل الذي ستتجلى فيه عند الولادة. يتحقق ويتأكد الجنين إذن من خلال إنتاج وتوجيه ذاتي للبرنامج الموجود في جينومه منذ الإخصاب ، لكن هذه الاستقلالية لا يجب أن تأخذ في معناها المطلق ، هذا لا ينقص أبدا من ماهية وجود الجنين في معناها الفلسفي. فهذه الاستقلالية المطلقة عن المحيط لاتوجد حتى بالنسبة لنا نحن الراشدين . نحن نحيى لأننا نتفاعل مع محيطنا أيضا ، هو الذي يمدنا بالأوكسجين لنتنفس , وبالتغذية الضرورية لنكبر ونتقوى ونستنبط الطاقة لكل الأعضاء... الخ , إن هذه العلاقة التي تربطنا بمحيطنا هي نفسها العلاقة التي تربط بين الجنين ورحم أو جسد المرأة، حيث يقول الله تعالى "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين" ففي هذه الآية الكريمة يصف الله رحم المرأة بالقرار المكين وهو ما يتماهى مع الحقيقة العلمية تماهيا مطلقا، حيث أن على الرحم مسؤولية إيواء الجنين وترويته وتغذيته، بل وحمايته و الحرص عليه بمنآى عن كل أذى أو ضرر، باعتبار الأم حاملا للجنين وفضاء لنموه لا غير. ولذلك فإن القول بأن الجنين جزء من الأم هو مجرد خطأ فادح وجهل ذريع بالعلم و الطب معا وخداع إيديولوجي يتخفى تحت طاقية العلم. هناك عدة أدلة كثيرة على هذا : 1ـ يمكن أن يتم الإخصاب خارج الرحم ( أطفال الأنابيب) وأن تتطور بعد ذلك البويضة الملقحة إذا وضعت في وسط ملائم ومغذي بميكانيزمات ذاتية بعيدا عن الرحم . 2ـ وكذلك يمكن للخلاليا الجنينية أن تتطور في حالة زرعها في أعضاء رجل ذكر وإلى مراحل متقدمة وهذا كله يعني ان نمو الجنين مرتبط برحم الام بصفته عاملا خارجيا عنه . ذلك أن العوامل الداخلية للجنين هي العوامل المحددة والحاسمة . ولتلخيص الخطاب حول نمو الجنين من خلال مقاربة جينية يمكنني أن استعين بالمثال التالي : لبناء منزل نحتاج للمهندس الذي يضع التصميم ، وللمقاول الذي ينسق ويوجه عملية البناء. وللعمال الذين يشيدون البناء و لمواد البناء ولبناء الجنين فإن البويضة الملقحة تؤمن كل هذه الوظائف مجتمعة ولوحدها : التصميم التنسيق . البناء ومواد البناء . كل هذا موجود، والبويضة الملقحة أو الاقحة مكتفية بذاتها . فكما أن ملامح المنزل تظهر منذ التأسيس، فإن بنية الفرد تظهر،كذلك بمجرد ما أن يظهر الجنين . الفرق بين المثالين هو أن المهندس والمقاول والعمال يشيدون بناء منفصلا عنهم بينما الجنين على عكس ذلك يشيد نفسه بنفسه والأم لا توفر سوى فضاء العمل ومايلزم لصناعة مواد البناء . هذه مسلمات علمية وليس أراء . وكل نقاش يروم أن يكون نزيها، ينبغي له لزوما ان ينطلق منها، أيا كانت المرجعية إسلامية، أو علمانية، دينية أو علمية، أو حقوقية محافظة أو حداثية، ولذلك فان الشعارات التي تدفع بأن الجنين جزء من الأم، وان الأم من حقها أن تتصرف في رحمها وفي الجنين . وبان الأم لها كامل الحق في ان تسير بالحمل لنهايته أو تجهضه إن أرادت . وإن الإجهاض هو كغيره من العمليات هي شعارات جوفاء ومضللة، ومغرقة في الخطأ، متعارضة مع العلم قبل أن تتعارض مع الأخلاق أو مع الدين. وفي الأخير أنه لَبِوُسْعِ الجميع حتى عامة الناس ومن دون أن يهتدوا بعلم البيولوجيا وعلم الجينات، وبالبديهة فقط أن يتوصلوا إلى الحقيقة الساطعة التي هي ان الجنين ليس جزءا من الحامل ، بدليل انه لا يتصور جنين بدون أب شارك في الإخصاب، وبدليل إن فصيلة دم المولود الجديد تكون مغايرة لفصيلة الأم الدموية. كما أن الحامل الأنثى بطبيعة الحال تلد الذكر أيضا، بل ويمكنها تأجير رحمها لتحمل فيه غيرها وتلد طفلا بالتالي من غير صلبها (علميا) ولهذا فإن الجنين هو إنسان في طور النمو. هذا النمو الذي كما نعرف جميعا هو عملية متصلة، وهو لا يتوقف حتى بعد الولادة في مرحلتي الطفولة والمراهقة. لذلك ينبغي عدم المساس به طوال الحمل،فمن هنا تبدأ حقوق الإنسان وحقوق الطفل، ومن هنا تبدأ التربية على حقوق الإنسان أيها الحقوقيون. -البروفيسور أخصائي مستشفى الولادة السويسي
اقراء المزيد »

مرحبا علي المرابط..


أصبح بإمكان الصحافي علي المرابط أن يستأنف مهنة المتاعب، بعد عشر سنوات من المنع القانوني، المناقض لروح القانون؛ ففي 11 أبريل 2005 قضت إحدى المحاكم المغربية بمنعه من الكتابة لجيل من المغاربة عن عقد كامل من التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وكان ذلك أول وأغرب حكم من نوعه في العالم. وإذا كان هناك من معنى ثان لكلمة القضاء فهو الذي مورس على المرابط في 11 أبريل 2005: محاولة القضاء على صحافي وتجفيف جرائده وتكسير أقلامه وترصّد مقالاته، بما فيها تلك التي يكتبها خارج المغرب لمدة عشر سنوات؛ ولنتذكر ما قامت به البرلمانية فتيحة العيادي، أيام كانت مديرة للإعلام بوزارة الاتصال، حين كاتبت، بإيعاز من مسؤوليها أو من جهة أخرى، إدارة نشر جريدة «إلموندو»، تخبرها بأن السلطات المغربية منعت توزيع أحد أعدادها في المغرب، لأن المرابط ضمن كتاب العدد، فما كان من الجريدة الإسبانية إلا أن نشرت رسالة السيدة العيادي، مرفوقة بتعليق متهكم: «إلموندو» لا تتعدى مبيعاتها في المغرب 100 نسخة، في أحسن الأحوال. أما ما قام به نبيل بنعبد الله، عندما كان وزيرا للاتصال، في حق المرابط فيدعو إلى الشفقة على بؤس نوع من المسؤولين السياسيين، فقد تأبط الرفيق نبيل ملفا، وسافر إلى فرنسا، ثم استدعى نوعا من الصحافيين وأخذ يلوح لهم بالملف، دون أن يسلمهم إياه، وهو يقول: علي المرابط رجل أحمق ويتابع علاجا نفسيا في إحدى مصحات الأمراض العقلية والعصبية بالمغرب، فلا تأخذوا كلامه على محمل الجد. يومها كتبت الجرائد الفرنسية الجادة مستنكرة مستوى التدليس الذي لجأ إليه مسؤول مغربي «أممي» وهو يبدع في الكذب على صحافي كان يمكن، في أقصى وأقسى الحالات، أن تواجه الدولة المغربية كتاباته بتكذيبها؛ وحتى إذا افترضنا أن الرجل مريض نفسيا، وهذا غير صحيح، فهل يليق بوزير أن يشهر بمريض؟ ما لم يجرؤ السيد نبيل بنعبد الله، حينها، على قوله هو أنه عندما سخّر وزارته للقضاء على المرابط، لم يكن يقدم خدمة مخزنية إلى الدولة، بل كان ينتقم لنفسه، لأن المرابط نشر، أيامها، خبرا عن حضوره، متخفيا، رفقة عباس الفاسي، إلى بيت ادريس البصري لحضور حفل زفاف أحد أبنائه، وكان البصري مغضوبا عليه حينها. شخصيا، لا يستهويني وصف الصحافة بـ»مهنة المتاعب»، لأنني أجد تعبها ممتعا، مثل تسلق الجبال أو نحت الصخور؛ لكنني عندما أتأمل مسار علي المرابط الصحافي، أجد أن الرجل تعرض، بالفعل، لما لا يحصى من المتاعب التي لم يكن مصدرها الدولة وأجهزتها فقط، بل حتى معارضين أزعجهم علي المرابط وهو يؤدي عمله، كأي صحافي مستقل، يستقصي مكامن الخلل داخل الدولة بنفس القدر الذي يقوم به في صفوف معارضيها؛ وهذا ما حدث عندما تحمست جريدة «التجديد» في 1998 لنشر خبر يقول إن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أهدى المرابط سيارة تسلمها بميناء الدار البيضاء، قبل أن تنتبه الجريدة الإسلامية إلى أن الجهة التي سربت إليها الخبر الكاذب كانت تسعى إلى أكل الثوم بفمها. ومن المفارقات المضحكة في هذا الموضوع أنه في الوقت الذي كان فيه المرابط يُتهم من طرف أحزاب المعارضة بالتعامل مع الصهاينة، انتقل أندري أزولاي إلى واشنطن يشتكي إلى إيريك غولد ستاين، رئيس هيومان رايتس ووتش، من أن علي المرابط، الذي يدافع عنه، يعادي السامية، ليفاجأ أزولاي بغولد ستاين (يهودي الديانة) يقول له: حتى إذا كان المرابط معاديا للسامية، وهو ما لا تملكون دليلا عليه، فلا يجب أن تضيّقوا عليه وتحاكموه خارج القانون وتسرق أجهزتكم وثائق من ملفه القانوني تحت جنح الظلام. منعُ علي المرابط من ممارسة الصحافة لعشر سنوات هو نقطة سوداء في سجل المغرب الحقوقي، قبل أن يكون ظلما في حقه، فهل تجاوزُه ممكن؟ طالما أن من تعسفوا على المرابط لا يزالون في موقع المسؤولية، فيمكنهم أن يعتذروا إليه عن حجم الأذى الذي ألحقوه به، ويتعهدوا بعدم تكرار ما حدث له مع غيره من الصحافيين، وتحصين المهنة بقوانين وشروط ممارسة ترقى بها وحماية ممارسيها من كل أنواع التجاوزات... إلى أن يتأكد ذلك، مرحبا بك علي المرابط، مجددا بيننا، فمازالت في العمر بقية.
اقراء المزيد »

حرب اليمن وضرورة الحل السياسي


اصبح الحديث عن أسباب «عاصفة الحزم» التي تقودها المملكة العربية السعودية ضد الحوثيين وحلفائهم في اليمن، لا يفيد كثيراً في قراءة المشهد الراهن. العنوان الرئيسي للنزاع إقليميٌ متعدد الجوانب: هناك رغبة سعودية بمنافسة دينامية إيران والتغلب عليها في منازلات اقليمية كبرى، بما يخفّف من سقف التوقعات الخاصة بتسوية يجري العمل على تحقيقها في الأفق بين طهران وواشنطن. بينما التطلعات الإيرانية تنطوي على رغبة في تدعيم نقاط الحضور في المنطقة أو تطويرها، حتى لا تجبر، بموجب التسوية المتوقعة، إلى تقديم تنازلات تضعف من هذا الحضور وتؤثر عل إمكانيات تمديده . اضافة الى أن إيران تحاول تعميم نموذج الفاعل المحلي الذي في مقدوره إدارة بنىً تنظيمية شبه دولتية داخل عدد من كيانات المنطقة، فتُراهن لهذا الغرض على حالات أو قوىً افرزتها الظروف الموضوعية لبلادها. وانصار الله في اليمن (وهي حركة موجودة قبل الاحتواء الإيراني) ليست استثناءً على القاعدة . بينما تبغي السعودية، كما كانت دائما منذ تأسيس المملكة، بإبقاء اليمن تحت سيطرتها، حتى يتبث الأمر لها في شبه الجزيرة العربية، ذات التمازج السكاني الذي بامكانه تغيير الحدود في فترة اختلال موازين قوى، وتناسبِ متغيرات دولية ما. على أن الابعاد الإقليمية للنزاع هي امتدادٌ عضوي لرواسب تاريخية. فالغارات التي تشن على اليمن طيلة الايام السابقة، تذكر ببد يهية يكاد ينساها البعض في خضم الحرب ومشهدها الكبير: هناك دولة ضخمة القدرة الاقتصادية تجاوِرُ آخرَى ذات وضعية بالغة السوء، وقد تمحورت سياسة الأولى حيال الثانية منذ عقود، على مبدا الإبقاء على ضعفها وتبعيتها لها. لاغرابة إذاً في دخول طرف ثالث ساحة الدولة الضعيفة، اقتصادياً وأمنياً، وترويج تطلعات سياسية فيها حول احتمالات مستقبلٍ زاهر. توضح هذه المعادلة، بايجاز مبسط ، العلاقة الثلاثية بين ايران والسعودية و «الوضع» اليمني بمكوناته المختلفة. وللإنصاف فان الازمة التي بلغها اليمن لم تكن من مسؤولية الحوثيين فقط، فالاتفاق الذي اسفر عن عزل الرئيس السابق علي عبدالله صالح باشراف خليجي بعد حراك اليمن عام 2011، اتاح لصالح الابقاء على نفوذه المادي والسياسي القوي في اليمن، كما تم اسقاط المتابعة السياسية والقضائية عنه. لقد استغل الرئيس المخلوع ثغرات الاتفاق المذكور ببقاءه داخل اليمن لاسترجاع سلطته بأي شكل، وقد وجد قبولا كبيرا في أكثر من مجال عربي خاصة في ظل التنافس مع تركيا وقطر و«الإخوان المسلمين» الذي طبع الاجواء عقب ثورات الربيع العربي. وساهم في تصدع حصون العالم العربي أمام الاختراقات الإيرانية ما سمح للمزيد من التشظي والتوثر في كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن وبشكل اقل في لبنان. لقد اتت الخطوة السعودية في جانب منها في اطار السعي إلى معالجة أخطاء المرحلة السابقة وتداعياتها منذ ثورات الربيع العربي. لكن هذه المواجهة كما هو شان كل مواجهة: تندلع بشكل ثم تنتهي بشكل أخر، تبدأ وفق توقع لمكاسب ثم تنتهي بتداعيات أكبر منها. الأخطر في المواجهات العسكرية هو السقف الذي يتم وضعه لها. وحتى الآن يتضح أن عاصفة الحزم ساهمت في تنشيط القوى والتكثلات اليمنية المناوئة للحوثيين. لكن هذا الوضع سيجبر الحوثيين على الاعتماد بشكل أكبر على إيران مما سيزيد في تعقيد الصراع واعطاءه أبعاداً جديدة تصعب السيطرة عليها. لهذا يجب ان لا تهدف هذه الحملة الى القضاء على الحوثيين وإنهاء دورهم،، فهذا يعني حربا طويلة اضافة الى كونه مستحيل من دون «سورنة» و«عرقنة» اليمن. إن محدودية اهداف الحملة إذن مطلب اساسي لاتمام المهمة الجديدة. فالافق السياسي ل «عاصفة الحزم» يجب أن لا يتخطى تعديل موازين القوى اليمنية للسماح بمشاركة كل المكونات في توافق مشترك، وهذا يستوجب الاعتراف بالحوثيين والاقراربحقوقهم ودورهم، وتثبيت الشرعية من جديد واقامة نظام عادل لكل الفرقاء. هذا سقف قد يبدو صعبا ، لكن عدم بلوغه سيطيل امد الحرب ويجعلها بؤرة استنزاف تشبه الى حد كبير الوضع في سورية والعراق. من جهة أخرى إن اتهام كل من له موقف مع أو ضد الحملة (عاصفة الحزم بتهم العمالة والتبعية والطائفية سوف يحول دون استفادة المنطقة من نقاش مفتوح حول الازمة اليمنيي وآفاقها وسبل الخروج منها. لا انفي مسؤولية إيران في توظيف اللغة المذهبية والطائفية ، فهي وظفتها على مر الفترات بزخم، لكن ينبغي في الوقت ذاته عدم الانجرار الى صراع طائفي/ديني يؤدي إلى التعدي على الحقوق وضياع الأوطان. إن النزاع في اليمن ليس نزاعا مذهبيا بين السنة والشيعة في جوهره، والحوثيون غير موالين بالمطلق لإيران حتى لو تلقوا منها الدعم والمساعدات. ازمة اليمن بالأساس هي صراع قبائل وعشائر بين جهة وجهة وبين تهميش وعدالة، وبين جيل قديم وأخر جديد وبين نظام بائد يقوده علي عبدالله صالح وشعب يمني نفسه بانطلاقة جديدة ويعيش حالة تخبط شديد. لهذا فالنظرالى هذا النزاع من زاوية سنّي شيعي يتخطى ظروفه السياسية والاجتماعية. في اطار هذه المواجهة الدائرة ينبغي أن ينصب التفكير في إعادة بناء اليمن حاضرا. فالتورط في حرب بلا افق وبلا تصور لما سيحدث بعد الحرب، مثل اعادة بناء الدولة واستعادة الامن والاستقرار، سيترك آثاراً سلبية على الجميع، مما سيجعل مسلسل الحروب بلا نهاية. هذا التوجه متوفر بلا شك عند القيادة السعودية، لكن الحروب كثيراً ما تتجاوز التصور الأساسي وتسحبنا نحو زواريبها التي يصعب الخروج منها. فاليمن يعاني من الفقروالهشاشة بينما البطالة تتجاوز معدلات مرتفعة ونصف السكان البالغين أميون، كما أن اليمن يحتل مراتب متاخرة على جدول التنمية الإنسانية .هذه كلها ظروف تساهم في اذكاء اتون حرب طويلة وحالة توثر إقليمي في ظل فشل الدولة وتفككها. في الوضع العربي ارهاصات قوة وحركة. في الشرق الأوسط يبرز النموذجان التركي والإيراني كمشروع لكيانات اقليمية قوية تملك مؤسسات قوية، لكن النموذج العربي ينافس احيانا من خلال الثورات بعد عام 2011، واحيانا بانقلاب عسكري ضمن تصور ينتهي بتوثر أهلي، ومرة بتدخل للنظام السعودي لإخماد حريق ممتد، لهذا فالمشروع العربي متازم بينما يزداد الشارع العربي احتقانا وتطرفا. المشهد كثير التعقيد، والتعامل مع الوضع اليمني يفرض تعاملاً متزنا مع الاوضاع الاخرى في سورية والعراق وليبيا إضافة إلى النزاعات المستترة ومشاكل العنف في مناطق تبدو مستقرة .كلها صراعات متصلة متداخلة بمشهد ممتد عبر جبهات ومناطق. سيظل مشروع الدولة في الديمقراطية والمواطنة الحقة اساس بناء المناعة العربية في الفترات المقبلة. فالبديل عن الديمقراطية و الحقوق والحريات هو التسلط الذي يولد التطرف والعنف وثقافة الكراهية. إن الحرب تزرع بذور الخراب، والمتضررون منها دائماً هم الشعوب والاوطان. لهذا يجب أن تحدد الحرب الدائرة في اليمن داخل إطار لا تحيد عنه بينما تظل سبل الحوار ممهدة من أجل استعادة التوازن المفقود.
اقراء المزيد »

مساهمة حول الصحة الانحابية الولادة أرضا







حينما تولت وزيرة الصحة السابقة ياسمينة بدو مهامها وعند زيارتها لمصلحة الولادة بالمستشفى الجامعي بالدار البيضاء صرحت بأن النساء هناك يلدن كالبهائم. إنه استنتاج امرأة برجوازية لم تطأ قدماها قط مستشفى عمومي ولم تكن لديها أدنى فكرة حتى تلك اللحظة عما يجري على أرض الواقع. آنذاك صاحبت ضجة كبيرة تصريح الوزيرة، فالكل رفض تشبيهها نساء يضعن مواليدهن بالبهائم. إثر ذلك، قامت الوزيرة بتصريح مدو يتعلق بعزم إدارتها على تخفيض وفيات الأمهات من 220 لكل 100000 ولادة إلى 50 لكل 100000 ولادة. أي من 4 وفيات يوميا إلى وفاة واحدة يوميا. تساءلت آنذاك عن طبيعة الإجراءات التي سيتخذها مستشارو الوزيرة، ممثلون في الأطر الطبية التابعة لحزب الاستقلال، كي يصلوا إلى هاته النتيجة الخيالية. فمعرفة السيدة الوزيرة، والتي هي محامية أصلا، ضئيلة في مجال التوليد، وهي أشد ضآلة في مجال الصحة العمومية. مرت أربع سنوات على تصريح الوزيرة، تخللتها هبات أممية وقروض لتجهيز المستشفيات وأزمة مع طبيبات رفضن الالتحاق بمقرات تعيينهن النائية، لأنهن اعتبرن ذلك إجحافا في حقهن. والسبب وراء ذلك يرجع إلى أن غيرهن من الطبيبات صاحبات الوساطات كن يستفدن من تعيينات قريبة على محور –الدار البيضاء- الرباط إثر ذلك ، قامت الوزارة بتزويد المستشفيات بمستلزمات شخصية للولادة ذات استعمال وحيد، وأجهزة فحص بالصدى وقننت مجانية الولادة، وهو الأمر الذي كان موجودا أصلا بالنسبة للفقراء، كما مددت فترة المراقبة الاستشفائية التي تلي الولادة إلى 48 ساعة. غير أن تلك الإجراءات لم تكن كافية للوصول إلى النتائج الطموحة المخطط لها. وبعد ذلك بأربع سنوات، سنفاجأ ببحث إحصائي يثبت تحسنا بنسبة 50% فيما يخص عدد الوفيات في صفوف الأمهات. وخلال نقاش مع أطباء أساتذة شباب، أخبرني هؤلاء بأنهم قاموا باجتماع لمدة ساعتين في الرباط فقط من أجل مناقشة طريقة الإحصاء التي طبقت. ففي حقيقة الأمر، أصبحت النساء المغربيات يضعن فقط 2.19 مولودا للمرأة الواحدة. وفي الواقع، فإن الرقم الحقيقي لم يكن ليتعدى 1.8، وهو الأمر الذي سيشكل كارثة بالنسبة لتجديد الساكنة. لقد كانت المرأة المغربية في مرحلة سابقة متعددة المواليد ، ثم أصبحت بعد ذلك تنجب عددا محدودا من الأطفال. هذا هو واقع الحال. إن الحملات الإعلامية الجوفاء والتحسينات الإحصائية الزائفة لا يمكنها أن تستر واقع الولادات الأليم في المغرب. فالنساء في المغرب لا تتم مرافقتهن وعلاجهن إلا عبر الأرقام. أما حقيقة الولادات في المغرب فهي كارثية. لقد أدت سياسة إهمال النساء في حالة ولادة، مع ادعاء العمل من أجل مصلحتهن، أي سياسة الضحك على الذقون، بنساء المناطق الحضرية إلى إنجاب أقل عدد ممكن من الأطفال، أما نساء العالم القروي فقد فقدن ثقتهن بنظام صحي أعرج، وبالتالي فإنهن يواصلن كفاحهن ضد القدر عبر الولادة في بيوتهن. ونتيجة لذلك، فإن نسبة وفيات المواليد الجدد تظل جد مرتفعة. حينما شاركت في يوم فحص طبي في الأطلس الكبير خلال شهر أبريل الماضي، صرحت أكثر من 80% من النساء اللواتي قمت بإجراء فحص بالصدى لهن بأنهن قد فقدن طفلا أو طفلين على الأقل. لقد وعدنا هؤلاء النسوة بتتبع ذي جودة عالية لحالاتهن، وربما إمكانية الولادة في مستشفى الولادة القريب من تحناوت. لكنا في الواقع، لا نستطيع ذلك الآن بسبب القرارات المضادة لمصالح الساكنة، والتي اتخذتها السلطات الإدارية والصحية في هذه المنطقة المعزولة، بمنع جمعية فعالة من العمل، وبالانغلاق أمام كل مبادرة إنقاذية. وفي الواقع، فإن نائب وزارة الصحة بالمنطقة قد رفض مقترحنا بإيجاد فرقة متطوعة تعمل على تأمين خدمات حراسة بالمستشفى المحلي، لتجنيب الناس مشقة انتظار الطوابير الطويلة في المستشفى الجامعي بمراكش. لقد كان من الحري نشر تلك الصور، التي التقطها أطباء غاضبون لنساء يضعن مواليدهن أرضا و أدوات طبية في حالة مزرية، منذ زمن بعيد. إن غضبهم، الذي جاء كرد فعل على وزير يريد تحميلهم مسؤولية الخلل الذي يشكو منه قطاع الصحة، يعتبر مؤشرا صحيا. إلا أن هذا الغضب يصبح باهتا أمام المواطنين الذين فقدوا ثقتهم في النظام الصحي برمته. حينما تضع النساء مواليدهن أرضا أو حينما توضع النساء على الأرضية الباردة بعد الولادة نظرا لنقص الأسرة، فإن ذلك يحدث نظرا لخلل كبير في السياسة الخاصة بالصحة الإنجابية ببلادنا. ويتحمل الوزراء سواء السابقون منهم أو الحاليون، وإداراتهم أيضا قسطا كبيرا من المسؤولية في هذا الإطار. وحسب تحرياتي ومعلوماتي الشخصية، فإن المستشفيات الإقليمية الواقعة في محيط المدن الكبرى تتوقف عن العمل ابتداء من الساعة الرابعة بعد الزوال، ويسري الأمر كذلك على المراكز الصحية. وينتج عن ذلك تحويل كافة المستعجلات، ومعها حالات الولادة المستعجلة إلى المستشفيات الجهوية، وغالبا ما تتحمل أسر المرضى مصاريف التنقل. وعند الوصول إلى المستشفى، تبدأ حكاية أخرى. فمهما بلغت درجة تضحية طبيب الحراسة والمولدتين اللتين ترافقانه، فإن المرء يصل إلى درجة قصوى من التعب حينما يقومون بتوليد ثلاثين وأحيانا أربعين امرأة في ظروف مزرية في مدة زمنية لا تتعدى 24 ساعة. من أجل أن تستعيد النساء ثقتهن في نظام الرعاية الصحية العمومية، يتوجب علينا التفكير في الجوانب اللوجيستيكية (النقل والمواصلات) وإدماج الجمعيات المحلية في برنامج طويل المدى، وليس فقط عبر قوافل طبية، لا استمرارية لها، تستنزف مواردنا الضعيفة. يتوجب كذلك العمل على تشغيل المستشفيات المجاورة للمدن عبر تشجيع الأطباء على الذهاب إليها لتأمين خدمات حراسة يجب أن تصبح مؤدى عنها. فعبر هذا فقط، سيصبح من الممكن تخفيف الضغط على المستشفيات الجهوية. إذ ستُستهلك الأدوات الطبية على نحو أقل، وسيشتغل الأطباء في ظروف أفضل، مما سيرضي المرضى وذويهم. ذاك هو ثمن السلم الاجتماعي... *رئيس جمعية أطباء المغرب، باريس رئيس سابق للمصحة الجامعية في باريس VII، وهو عضو في منظمة أطباء بلا حدود. الكاتب العام لجمعية طب النساء بلا حدود


اقراء المزيد »

الإسلام أكثر تسامحا في العلاقات الجنسية من القانون الوضعي







نعم الإسلام شدد النكير على مقترف الزنا ، وهي علاقة جنسية خارج غطاء الشرعية الزوجية، وقرنها بالقتل والشرك، وتوعّد المصر عليها بالخلود في النار؛ قال تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ، وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً؛ ) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً، إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيما). لكن حكمها في الدنيا مختلف، كما سنبينه إن شاء الله. جاء في مقال أخينا الدكتور محمد بولوز على هامش النقاش الدائر حول مشروع القانون الجنائي الذي وضعته وزارة العدل والحريات في تجريم الزنا ما يلي: (أما بخصوص الراشدين ممن يزنون بإرادتهم، فالعقوبة في مشروع قانوننا الجنائي مخففة جدا، وهم في الشرع يستحقون الإعدام إذا كانوا محصنين، أو جلد مائة وتغريب عام إذا كانوا غير ذلك، كما سبق بيانه، فقد جاء في المادة 490: "كل اتصال جنسي غير شرعي بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة زوجية، تكون جريمة الفساد ويعاقب عليها بالحبس من شهر واحد إلى ثلاثة أشهر وغرامة من 2.000 إلى 20.000 درهم أو إحدى هاتين العقوبتين. يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وغرامة من 2.000 إلى 20.000 درهم إذا ارتكبت هذه الجريمة بمقابل كيفما كان نوعه..) والحقيقة أن هذه المقارنة غير صحيحة، وتعطي انطباعا أن الإسلام يستسهل الإعدام أو الجلد في جرائم شائعة مثل جريمة الزنا، خصوصا في مجتمعات انتشرت فيها دواعيه، مثل الاختلاط والعري وتأخر سن الزواج لأسباب اقتصادية معروفة، وأخونا الدكتور محمد بولوز فقيه يعرف الشروط المعقدة التي وضعها الشارع من أجل إنزال هذه العقوبة الخطيرة، وأنا أذكر هنا بأهم هذه الشروط: اشترط الفقهاء في حد الزنا أن يشهد عليه أربعة رجال من المسلمين أحرار عدول ، يصفون الزنا، وهذا إجماع ، لا خلاف فيه بين أهل العلم لقوله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم)، وقوله سبحانه: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) ، واشترط مالك وأبو حنيفة أن يأتي الشهود في مجلس واحد، وقد حدّ سيدنا عمر في خلافته ثلاثة رجال عدول شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا فجلدهم ثمانين جلدة لغياب الشاهد الرابع. قال مالك وأبو حنيفة : إذا جاء الشهود متفرقين فهم قذفة. واشترطوا أيضا أن يصف الشهود الزنا ، فيقولوا : رأينا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة ، والرشاء في البئر . وهذا قول معاوية بن أبي سفيان ، والزهري ، والشافعي ، وأبي ثور ، وابن المنذر ، وأصحاب الرأي ، لما روي في قصة ماعز: لما أقرّ عند النبي صلى الله عليه وسلم بالزنا، قال له : أنكتّها؟ قال نعم، فقال : حتى غاب ذلك منك في ذلك منها كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال نعم.. ولا يخفى ما في هذا من التشديد والاحتياط في تنزيل حكم الجلد أو الرجم على مقترفي هذه الجريمة، ما لا نجده في القانون الوضعي. وأما مقاصد الإسلام من هذا التشديد في إثبات هذه الجريمة فمتعددة، نذكر منها: أولا : الستر، فقد تظافرت النصوص على أن الستر من أعظم مقاصد الإسلام،وفي قصة ماعز ما يدل على ذلك. قال الامام احمد : حدثنا وكيع، حدثنا هشام بن سعد، أخبرني يزيد بن نعيم بن هزال، عن أبيه، قال: كان ماعز بن مالك في حجر أبي، فأصاب جارية فى الحي، فقال له أبي: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما صنعت، لعله يستغفر لك. وإنما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرج، فأتاه فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأقم علي كتاب الله؛ فأعرض عنه النبي، فعاد..حتى أتاه الرابعة، فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأقم علي كتاب الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنك قد قلتها أربع مرات، فبمن؟ " قال: بفلانة. قال: فأمر به أن يرجم، قال: فأخرج به إلى الحرة، فلما وجد مس الحجارة، جزع، فخرج يشتد، فلقيه عبد الله بن أنيس، وقد أعجز أصحابه، فنزع له بوظيف بعير، فرماه به، فقتله، قال: ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال: " هلا تركتموه لعله يتوب، فيتوب الله عليه " قلت: وفيه دليل على أن هذا من تصرفات النبي بالإمامة، كما سنبيّنه أكثر في آخر المقال. قال هشام: فحدثني يزيد بن نعيم بن هزال، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي حين رآه: " والله يا هزال، لو كنت سترته بثوبك، كان خيرا مما صنعت به". قال ابن حجر في الفتح: قال الباجي : المعنى : خيرا لك مما أمرته به من إظهار أمره، وكان ستره بأن يأمره بالتوبة والكتمان كما أمره أبو بكر وعمر، وذكر الثوب مبالغة، أي لو لم تجد السبيل إلى ستره إلا بردائك ممن علم أمره كان أفضل مما أشرت به عليه من الإظهار. قال ابن حجر : وقال ابن العربي : هذا كله في غير المجاهر فأما إذا كان متظاهرا بالفاحشة مجاهرا فإني أحب مكاشفته والتبريح به لينزجر هو وغيره. ثانيا : ومن مقاصد التشديد في شروط تنزيل هذا الحد، عدم إشاعة الفاحشة بين المومنين، فإنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم كما ورد في الحديث (إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم)..وهذا يجليه المقصد الثالث: ثالثا: إتاحة الفرصة للعاصي أن يتوب ويقيم بيتا وأسرة، لأن إثبات عقوبة الزنا كما هي في القانون الوضعي الجنائي، خصوصا في حق الفتيات، يفسد عليهن مستقبلهن، بتشويه سمعتهن، وغالبا ما يرفضهن المجتمع والأسرة، فتتلقفهنّ شبكات الدعارة، ويضيع مستقبلهن، بينما الإسلام يتيح الفرصة للعاصي المتستر بمعصيته أن يتوب، ويحرّم على الناس تتبع عورته، وتسوّر البيوت على أهلها. رابعا : عدم إتاحة الفرصة للخصوم أن يلصقوا التهم جزافا بالناس، وهذا من أعظم مقاصد التشديد في إثبات هذه العقوبة في الإسلام؛ وقد رأينا كيف تتم تصفية الحسابات السياسية وتفجير البيوت من خلال إشاعة فاحشة الزنا عن الخصوم السياسيين في العصر الحديث، وتتبع عورات القادة السياسيين. والغريب أن دعاة إلغاء "عقوبة الإعدام" يبرّرون دعوتهم تلك بأن هذه العقوبة يتم توظيفها ضد الخصوم السياسيين، وهذا حق (يراد به باطل) كما نراه اليوم في مصر، عقوبات بالإعدام بالجملة ضد أنصار الشرعية؛ لكن كيف يغفل هؤلاء عن توظيف عقوبة الزنا دون احترام شروط الشريعة من طرف الدولة ضد خصومها السياسيين في حالات عدة؟ لكن ربّ سائل يقول : هذا في حق المتستر بجريمته، فكيف بمن اعترف وطلب إقامة الحد عليه من أجل التطهير، كما حصل من ماعز والغامدية؟ قلنا هذا محل اجتهاد، والذي ترجحه النصوص أن الأمر يبقى في يد الحاكم، إن شاء أقام الحد وإن شاء عفى، أو أنزل عقوبة زجرية في حق المعترف، والله أعلم، والدليل ما يلي: عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ ، عَنْ أَبِيهِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: (زعم أَنَّ امْرَأَةً وَقَعَ عَلَيْهَا رَجُلٌ فِي سَوَادِ الصُّبْحِ وَهِيَ تَعْمَدُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَاسْتَغَاثَتْ بِرَجُلٍ مَرَّ عَلَيْهَا وَفَرَّ صَاحِبُهَا ، ثُمَّ مَرَّ عَلَيْهَا قَوْمٌ ذُو عِدَّةٍ فَاسْتَغَاثَتْ بِهِمْ فَأَدْرَكُوا الَّذِي اسْتَغَاثَتْ بِهِ ، وَسَبَقَهُمُ الآخَرُ فَذَهَبَ ، فَجَاءُوا بِهِ يَقُودُونَهُ إِلَيْهَا ، فَقَالَ : أَنَا الَّذِي أَغَثْتُكِ وَقَدْ ذَهَبَ الآخَرُ ، فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ وَقَعَ عَلَيْهَا ، وَأَخْبَرَهُ الْقَوْمُ أَنَّهُمْ أَدْرَكُوهُ يَشْتَدُّ ، فَقَالَ : إِنَّمَا كُنْتُ أَغِيثُهَا عَلَى صَاحِبِهَا فَأَدْرَكُنِي هَؤُلاءِ فَأَخَذُونِي ، قَالَتْ : كَذَبَ ، هُوَ الَّذِي وَقَعَ عَلَيَّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ ، قَالَ : فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ ، فَقَالَ : لا تَرْجُمُوهُ وَارْجُمُونِي ، أَنَا الَّذِي فَعَلْتُ بِهَا الْفِعْلَ ، فَاعْتَرَفَ.. فَاجْتَمَعَ ثَلاثَةٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا ، وَالَّذِي أَجَابَهَا ، وَالْمَرْأَةُ ،فقال صلى الله عليه وسلم: أَمَّا أَنْتِ (للمرأة) فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكِ ، وَقَالَ لِلَّذِي أَجَابَهَا قَوْلا حَسَنًا. فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَرْجُمُ الَّذِي اعْتَرَفَ بِالزِّنَا ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا ، لأَنَّهُ قَدْ تَابَ إِلَى اللَّهِ ، تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، أَوْ أَهْلُ يَثْرِبَ ، لَقُبِلَ مِنْهُمْ). والحديث صحيح. وهذه الرواية تدل على أن حكم رجم المحصن من تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم بالإمامة كما قلنا سابقا، والله أعلم. و في هذا الحديث فائدة هامة ، و هي أن الحد يسقط عمن تاب توبة صحيحة، و إليه ذهب ابن القيم في بحث له في " الإعلام ".


اقراء المزيد »

مجلس الحسابات في مواجهة أصحاب المظلات







لم تعد تقارير المجلس الأعلى للحسابات تلقى اهتماما كبيرا بعدما مثلت في السنوات الأخيرة مناسبة لتسليط الضوء على بؤر سوء التدبير. السبب في عدم الاهتمام الذي تحول مع الوقت إلى لامبالاة، يتمثل في أن هذه التقارير تشبه إلى حد كبير العمل الناقص الذي يقوم به طبيب يشخص المرض بكل تفاصيله لكنه لا يقوم بالتدخل المطلوب لإنقاذ حياة المريض، بل يكتفي بإخباره بأنه مريض وأنه في حاجة عاجلة إلى عمليات جراحية لبتر بعض الاورام الخبيثة قبل أن يتطور المرض ويسيطر على كامل الجسد.. ثم يطلب منه أن يرتدي ملابسه ويغادر قاعة الفحص.. قد يقول قائل، إن المجلس يتحرك في إطار سقف دستوري وقانوني معين... وهذا كلام صحيح بالنسبة لمن يتعاملون مع هذه المؤسسة نظريا أو من خلال محاضرات في مادة القانون الدستوري.. لكن على مستوى الواقع، فإن دور المجلس لا ينبغي أن يقتصر على "التشخيص" وصياغة التقارير، التي تحولت مع مرور الوقت إلى إنشاء ممل يتم التعايش معه تماما كما يحدث مع تقارير بعض الجمعيات المحلية أو المنظمات الدولية حول مصير طائر أبو منجل أو شجرة أركان المهددين بالانقراض.. فالمواطن منشغل بمصيره هو حتى لا "ينقرض".. ولا تهمه انشغالات المهووسين بمآل طائر هنا أو شجرة هناك.. وهذا المواطن لا يمكن أن تخرجه من انشغالاته الشخصية الأساسية سوى الإجراءات الردعية التي قد يكون لها تأثير مباشر عليه هو شخصيا، ولذلك لم يعد الحديث عن الإصلاح والتغيير والمحاسبة والمراقبة يلقى أدنى اهتمام لدى المواطن، الذي يعاب عليه مع ذلك عزوفه عن العمل السياسي ويلام على عدم مشاركته في الانتخابات. لكن وحتى نكون موضوعيين، لا ينبغي تحميل المجلس الأعلى للحسابات وحده تبعات الفساد المستشري، فللفساد في هذه البلاد آلهة كثيرة تحميه. وكما هو معلوم، فتقارير المجلس تتوزع بشكل عام على افتحاص الجماعات المحلية والمؤسسات العمومية. بالنسبة للجماعات المحلية، يعلم الكل علم اليقين أنها مدخل للسرقة الموصوفة، وليس لـ"الفساد المالي" و"سوء التدبير الإداري"، فما تتعرض له الميزانيات الجماعية هو سرقة في وضح النهار، وهذا مجرد جانب ظاهر من المشكل، أما الجانب الآخر فيتمثل في عجز جميع الجهات الإدارية والقانونية المكلفة بالمراقبة والمحاسبة عن الاقتراب من مدبري الشأن المحلي. هذا العجز لا يبرره الخوف من "القواعد الشعبية" أو من "العصبية القبلية والعشائرية" للمنتخبين، بقدر ما تبرره المظلات الحزبية. فالمغرب "يتميز" هنا أيضا بكون أحزابه هي الراعي الأول للفساد والرشوة وكل الجرائم المالية والتدبيرية التي قد تخطر أو لا تخطر على البال. ويكفي هنا البحث عن نسبة الإحالات على القضاء مقارنة بمعدلات الفساد غير المسبوقة التي تتحدث عن نفسها بنفسها وليست في حاجة إلى تحقيقات أو افتحاصات أو تقارير. فالمعادلة هنا باختصار تتمثل في وجود جرائم ثابتة لكن لا أحد يساءل عن دوره فيها. والسبب الوحيد في هذه المعادلة التي تحولت من استثناء إلى قاعدة، هو "التعاقد" الذي يتم بين الأحزاب ومن "تزكيهم" خلال الاستحقاقات الانتخابية، فإذا كان هؤلاء يلتزمون بـ"تكثير السواد الحزبي" وضمان الرئاسات والعوضيات بشتى الوسائل المتاحة، فإن الهيئات السياسية تلتزم بتوفير الغطاء السياسي والحماية من المساءلة.. ففي نهاية المطاف نحن امام صفقة تتداخل فيها كثير من العوامل، خاصة حين نستحضر ان خزائن الجماعات فيها ما يكفي كلا من "المستثمرين" في الانتخابات، وقيادات الأحزاب الباحثة عن "المال السهل".. من خلال تجارة التزكيات. ولهذا تقوم القيامة بمجرد استدعاء منتخب صغير للمثول أمام جهة قضائية ويتجند قادة الصف الأول في هذا الحزب أو ذاك لإثارة الغبار وادعاء وجود انتقائية او استهداف، بل إن رؤساء جماعات قاموا بجرائم "ضد الإنسانية" وليس ضد المالية الجماعية، لم يستطع أحد الاقتراب منهم خوفا من هيجان من يوفرون لهم المظلات الحزبية. وعندما تتقاتل الأحزاب من اجل استقطاب المفسدين واللصوص واصحاب الماضي الانتخابي الأسود، فهي تفعل ذلك لسببين اثنين: الأول لأنها تدرك أنه بدون الاعتماد على هذه الكائنات فإنه لا مكان لها في الساحة، خاصة وأن هؤلاء لهم أساليبهم الخاصة لـ "تحفيز" الناخبين على المشاركة، وكذا لـ "إقناع" المنتخبين بتزكيتهم للرئاسة أو لعضوية المجالس الوطنية أو الجهوية. والثاني، يتمثل في يقين الأحزاب من غياب المساءلة والمحاسبة، مهما كانت الشعارات المرفوعة، ومهما تدنى تصنيف المغرب في مجال محاربة الفساد...ولهذا نجحت استراتيجية بعض الأحزاب في شيطنة مؤسسات الرقابة، التي أصبحت تقف عند حدود الرصد والتشخيص، ولا تتعداها إلى مرحلة المتابعة والمساءلة. إن الخطر الحقيقي على أية جهة قضائية، هو إقحامها "الحسابات السياسية" أو "التوازنات الحزبية" في عملها الذي يفترض أن يركز على المقاربة القانونية فقط . فتحرك الآلة القضائية أصبح يتوقف أحيانا على ضرورة تدشين متابعة جماعية لمنتخبين من أحزاب مختلفة في قضايا مختلفة حتى لا تتهم بالتحيز والمحاباة، بل إن ملفات تم ركنها في الأرشيف ولفها النسيان، لأن الجهة المكلفة بالبت فيها فضلت الانسحاب من مواجهة غير متكافئة.. ولنا أن نتصور معركة يكون طرفها "المتهم" مسلحا بماكينة إعلامية حزبية وأخرى "مأجورة"، وبين هيئة قضائية محاصرة بواجب التحفظ، وبأطنان من الضوابط المهنية والأخلاقية والقانونية... وغير القانونية.. والضغوط والمكالمات السرية.. أما إذا انتقلنا إلى المؤسسات العمومية التي يرتع فيها الفساد هي الأخرى، فالأمر لا يختلف سوى على مستوى الجهات التي توفر المظلات للنهب الممنهج. فإذا كانت حماية الفساد في الجماعات المحلية من "اختصاص" الأحزاب حصريا، فإن حماية هذا الفساد في كثير من المؤسسات العمومية، هي من "اختصاص" مراكز النفوذ وحتى الأحزاب في بعض الحالات. ولهذا على المراهنين على أن يكون لتقرير المجلس الأعلى للحسابات الأخير، تأثير على حاضر أو مستقبل أخطبوط العمران مثلا، أن يتغطوا جيدا ويستمروا في أحلامهم الوردية، لأننا نستطيع أن نجزم مبكرا بأن "اقتحام" هذه المؤسسة لن ينفع فيه حتى البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة. ولمن يشكك في هذه الخلاصة "الاستباقية"، نحيله فقط على ملف "مكتب التسويق والتصدير" الذي اختفى ذكره رغم أن الفساد بلغ فيه مستويات قياسية تستحق إدراجها في كتاب غينيس.. حدث هذا في مؤسسة "صغيرة" تتحرك في نطاقات ضيقة، فما الذي يمكن ان يحدث مع مؤسسة أخطبوطية تحولت فعلا إلى ذراع عقارية خارج السيطرة.. مؤسسة ظل الكل يأكل من خيراتها على مدى عقود، من سلطة ومنتخبين ومسؤولين إداريين بالقطاعات الوزارية، بل وحتى صحفيين وسماسرة.. سواء قبل تأسيس هذه المجموعة أو بعد جمع شتات المؤسسات العقارية العمومية في قطب؟.. ومن هنا ينبغي أن نفهم سر مبادرة الوزير بن عبد الله إلى الإعلان عن إحالة الأمر على القضاء، فالرجل يدرك ربما بأن المجلس الأعلى للحسابات ألقى بين يديه كرة حارقة، فضل أن يرميها بدوره في حجر زميله وزير العدل حتى لا يضطر إلى مواجهة الأسئلة المشروعة للرأي العام.. علما أن أوساطا إعلامية نقلت أن المجلس طلب من وزير الإسكان "التريث وعدم التسرع" في انتظار الانتهاء من عمليات "الاستماع".. ولهذا أستطيع أن أجزم مبكرا بأن هذا الملف لن يذهب بعيدا، بل سيلفه النسيان في القريب العاجل، لأنه على عكس الجماعات المحلية، حيث يمكن بين الحين والآخر الاستفراد بمستشار جماعي هنا ورئيس هناك رغم المندبة الحزبية المتوقعة، فإن الفساد في المؤسسات العمومية يحظى بحماية مزدوجة كما أسلفت .. حماية مراكز صناعة القرار التي عادت ما تكون وراء "انتقاء" من يوضعون على رأس هذه المؤسسات، وبطبيعة الحال لا تأثير هنا للكفاءة ولا للمهنية ولا للخبرة والتجربة، بدليل أن مؤسسات حيوية وضع على رأسها أشخاص يجرون خلفهم أطنانا من الفشل والشبهات والإخفاقات، وحتى حين غادروها بعدما تركوها "قاعا صفصفا"، تمت ترقيتهم بدل محاسبتهم.. وحماية الأحزاب التي سخرت هذه المؤسسات في التمهيد للانتخابات وفي توفير مناصب الشغل بشكل غير قانوني للأتباع والمريدين.. ولهذا على الذين يراهنون على إمكانية فتح ملف "مجموعة العمران" على مصراعيه، أن يستحضروا أن هذه المؤسسة ولدت في حضن حزب الاستقلال واستمرت في حضنه طيلة ثماني سنوات بالتمام والكمال...وبالتالي فأي نبش في "أرشيفها" سيعيد ربما تكرار قصة "بادو ولقاحاتها"...و"كلميم وفيضاناتها".. وإذا أضفنا إلى هذا كله كيف أن المحاكمات التي من هذا النوع تستغرق عقودا، وقد تنجح ألاعيب المحامين في تمطيطها إلى ما لا نهاية.. فإن الخروج من هذه المتاهة يتطلب البحث عن خطوات بديلة أكثر نجاعة وفعالية. فلماذا لا يتم مثلا إعطاء تقارير المجلس الأعلى للحسابات حجية مطلقة، يتم التعامل مع المتهم فيها وفق آلية التلبس، وبالتالي تتم محاكمته ابتدائيا في أقل من ستة أشهر، ثم ليأخذ الاستئناف ما يكفي من الوقت لمناقشة التفاصيل؟ ولماذا لا يتم الربط التلقائي بين تلك التقارير وقرارت التوقيف أو العزل كإجراء احترازي لحماية المال العام، عوض أن ينتظر الرأي العام مآل محاكمات مارطونية وكذا "المتهم" بسوء التدبير إلى أن تتم تبرئته أو إدانته، لأنه لا يعقل أن يتم التمسك في هذه الحالات بـ"قرينة البراءة" ما دامت خلاصات قضاة المجلس الأعلى تفيد العكس؟ أطرح هذا السؤال، لأنه لا يعقل أن يظل مفسد شهد قضاة محلفون بأنه فاسد وغير مستأمن على المال العام، في موقعه، في انتظار صدور إدانة نهائية قد تتطلب عقودا من الزمن بعد استنفاذ جميع مراحل التقاضي.. ولنتذكر بالمناسبة ولو على سبيل النكتة كيف أن السيد عبد اللطيف أبدوح الذي أدين مؤخرا بسبب فضيحة "كازينو السعدي"، أعلن في أكتوبر من العام الماضي خلال إحدى جلسات محاكمته أمام رئيس غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف، أنه سيترشح للانتخابات الجماعية المقبلة وسيصبح عمدة مدينة مراكش المقبل.. ولا أرى ما الذي يمكن أن يمنع من تحقق هذا السيناريو، بما أن المعني بالأمر يمكنه الترشح خلال الانتخابات الجماعية، ولم لا تحقيق "وعيده"...بالحصول على منصب العمدة.. http://ift.tt/1ugk5jF


اقراء المزيد »

تكاد مدننا تتحول إلى دواوير !







عوامل عديدة ؛ ومستجدة باستمرار ؛ تساهم في " ترييف " مدننا ، وتحويل أحيائها ومناطقها إلى دواوير ومداشر ، لكن بالمعنى الأنثروبولوجي العميق لعقلية ساكنيها . والدوار ؛ في الذاكرة المغربية ؛ هو جزء من قرية صغيرة ، تضم عددا محدودا من الدواوير ؛ غالبا ما تطلق عليها أسماء تبعا لاعتبارات إثنية وقبلية تعود ؛ في الأصل ؛ لإسم الأسرة أو العائلة الأولى . بيد أن هناك ثمة عوامل اقتصادية بحتة طارئة ، حملت هذه الأسرة البدوية على الهجرة إلى المدينة . وحركية الهجرة هذه ، تضم الموروث الثقافي من العادات والتقاليد ، وأساليب التفكير والتعامل .. كلها تنتقل معه وتلازمه ؛ وهو قاطن بالمدينة ـ ومفهوم المدينة هنا محصور في البناء والعمران وتسمية الأحياء والأزقة والشوارع وترقيمها ـ . وقد يتساءل الباحث وهل تنتفي عن الفكر البدوي مؤثرات الاندماج المدني ؟.. قد نعثر فقط على وسائل مادية ، كالمرافق الاجتماعية والاقتصادية والتربوية يتحكم فيها نمط من السلوك الصوري في التعاطي معها ، لكن دون أن تمس أساليب التفكير والتطور والترقي بها إلى مستوى التمدن والتحضر .. لطغيان وجود شرائح اجتماعية بدوية ؛ سكنت عدة أحياء في المدن ؛ تتقاسم نفس العادات والتقاليد وأساليب التفكير ، ويتلخص لها نموذج المال هو المرجعية الوحيدة في الترقي الاجتماعي الذي لا يخلصه أبدا ؛ في هويته الأخلاقية ؛ من بداوته المتصفة أحيانا ؛ وإلى درجة التميز؛ بالعنف والفوضى وخرق القانون والهمجية التي يصدر عنها في معظم سلوكه ومواقفه . أما التعليم وباقي المؤسسات التربوية الأخرى ، فقد أثبتت الأبحاث والملاحظة الإمبريقية عدم قدرته على تعديل سلوك المتعلم أو الطالب ؛ في اتجاه الارتقاء الحضاري والاجتماعي ، لسواد وشيوع أنماط الفكر البدوي ، وما ينجم عنها من سلوكيات ؛ هي أقرب إلى البربرية منها إلى الهمجية . عينة من السلوك البدوي وهذه عينة من أنماط السلوك البدوي داخل المدن كما تم رصدها : ـ الانفعال السريع والعنيف تجاه أبسط المواقف ؛ ـ الفضاضة في الحديث ، واستعمال الهاتف ، والتدخين ، والتسوق ..؛ ـ عدو النظام ؛ داخل المرافق الإدارية ، في أسفاره وتنقلاته ، والسير في الشوارع ؛ ـ أسلوب سياقته ، كثيرا ما يخلف حوادث جمة ؛ ـ عنصر شغب وإذاية وقلق ، وإزعاج لجاره في السكن ؛ ـ جنوحه إلى الإجرام , وينتشر هذا النمط بين شبابه ؛ ـ النهم والشره ؛ في الأكل والشراب ، والمعاشرة ؛ ـ القذارة والعفونة ؛ في استعماله لمرافق النظافة والصحة ؛ ـ العنجهية والتعصب والتمسك برأيه حتى ولو كان يعلم أنه على خطأ ؛ ـ الاحترام لا وجود له في قاموسه إلا مع وجود العقاب (كايخاف مايحشم) ؛ ـ حملقته وتفحصه لكل الوجوه الغادية والرائحة ؛ وقد انتبهت عديد من الدول ؛المستقطبة لموجات الهجرة ؛ إلى الإنسان العربي ؛ بهذه الأنماط السلوكية ؛ فاستصدرت قوانين ، ضمن ترسانتها الحقوقية الخاصة بالهجرة ، بضرورة توفر المهاجر على مؤهلات وقدرات تمكنه من الاندماج الاجتماعي ، بما فيها اللغة ، وقابلية الاندماج والتحضر.. بيد أن هذه القوانين بقيت حبرا على ورق ، ولم تستطع المجتمعات الأوروبية تعديل سلوك هذا المهاجر الوافد الجديد عليها .. لوجود بيئات ، وأحياء وتجمعات سكنية " أشبه بالغىطوهات " ، داخل مدنها ومحافظة ومتمسكة بموروثها البدوي ، وكان من تداعياته وقوع العديد من الأحداث الجنحية والإجرامية ، وراءها أطراف تنتمي إما إلى العنصر العربي أو تيارات عنصرية .. وقد ساهمت الميدبا في ترسيخ نماذج من هذه السلوكات البدوية ؛ من خلال استهلاكها للغة العامية ذات الحمولة الشعبية الواسعة ، أو تنظيمها لموائد مستديرة ؛ أكثر ضيوفها يتقن لغة الخشب والقذف المبطن .. ويصدر عن فكر شعبوي فظ . - باحث ومفتش منسق بوزارة التربية الوطنية سابقا


اقراء المزيد »

الشباب والسياسة: في البدء كانت التنشئة







كل الدراسات المنجزة حول الشباب المغربي تؤكد ضعف نسبة انتمائه للتنظيمات السياسية. حيث كشفت دراسة لصندوق الأمم المتحدة للسكان أن 1 في المائة (1%) فقط من الشباب المغربي منخرطون في الأحزاب السياسية. كان ذلك سنة 2011، وهي سنة الحراك السياسي الذي برز فيه الشباب فاعلا وصانعا للحدث بامتياز. وفي سنة 2015 وبعد مرور أربع سنوات في ظل الدستور الجديد، الذي سُوِّق له كانطلاقة جديدة نحو دمقرطة الدولة، ستعرف عملية التسجيل في اللوائح الانتخابية تجاهلا كبيرا من طرف الشباب. وهو ما يدعو إلى التساؤل؛ هل الشباب عازف عن قوالب الممارسة السياسية أم عن الفعل السياسي برمته؟ إن الإنسان السياسي يُصنع ويتشكل اجتماعيا قبل أن يبدأ مهمة ممارسة الحياة السياسية أو اتخاذ مواقف بشأنها. وإن نوع وطبيعة التنشئة الاجتماعية أولا، والسياسية ثانيا، التي يتلقاها هي التي تحدد طبيعة سلوكه السياسي وتحدد نظرته لنفسه، وللمحيط الذي يتفاعل معه. فالمختصون في علم الاجتماع السياسي يرون "أن الحياة الاجتماعية لا تكون ممكنة من دون أجوبة على ثلاث ضرورات غير قابلة للاختزال؛ الأولى هي ضرورة إنتاج وتوزيع الخيرات التي بفضلها سيتم إشباع الحاجات المادية للأفراد. والثانية هي ضرورة إقامة أدوات اتصال تسمح بالتفاهم المتبادل. والثالثة هي السيطرة على قضية الإكراه"1. وهذه الضرورات الثلاث يتم تثبيت قواعدها من خلال التنشئة السياسية. ذلك أن تكيف الفرد سياسيا داخل مجتمعه، هو أحد مظاهر السيرورة العامة والمتواصلة لترسيخ معايير السلوك، والقيم المرجعية، والمعارف المدركة، كآليات أساس لضبط علاقات الأفراد وتوازن السلط داخل المجتمع. وبناء عليه فإن الحديث عن عزوف سياسي للشباب المغربي يتنافى مع حقيقة وجود مجتمع مغربي، ذلك أن أي تجمع بشري ينبني أساسا على ممارسة أشكال من السياسة وامتلاك الفرد لقدر من الثقافة السياسية التي تضمن له حق الانتماء إلى شعب ووطن. فالفرد بطبيعة تموقعه داخل الجماعة هو كائن سياسي بالضرورة، وسلوكه يحمل من الرموز والدلالات المرتبطة بالسياسة ما يجعل الفصل بين الحياة وممارسة السياسة عن وعي أو دون وعي شيئا مستحيلا من منظور اجتماعي ونفسي وثقافي واقتصادي متداخل. بمعنى أن العزوف عن الفعل السياسي لا يختلف عن العزوف عن الحياة الاجتماعية نفسها. إلا أن هذا الفعل السياسي يتم فيه التمييز كلاسيكيا (حسب الأعمال التجريبية لألموندو فيربا) بين ثلاثة مظاهر. الأول هو البعد الإدراكي، أي مجموعة المعارف الثابتة التي يكون الشخص قادرا على تكوينها عن الفاعلين في منظومة الحكم، وقواعد عملها. والثاني، هو البعد العاطفي، أي الإدراكات الملونة انفعاليا؛ لامبالاة مقابل اهتمام بالسياسة، انجذاب مقابل رفض الأفراد والأحداث والرموز والمعايير التي تخترق المسرح السياسي. وأخيرا، البعد التقييمي، أي القدرة على إصدار أحكام قيمة حول ما يجري فيه؛ وتحيل إلى مقولات القانوني وغير القانوني، الفعال وغير الفعال، الشرعي وغير الشرعي. وبناء على ما تقدم، يمكن أن نميز بين اتجاهين رئيسيين في التنشئة السياسية يتأرجحان بين مفهومي الخضوع والمشاركة؛ الاتجاه الأول ينظر إليها كعملية تلقين للقيم والمعايير والأهداف السلوكية في ضمير المجتمع، وتعليمها للأطفال بما يضمن بقاءها واستمرارها عبر الأجيال. مقابل الدور السلبي من جانب الفرد، الذي يبقى مجرد وسيلة للحفاظ على الوضع القائم أو تدعيمه دون أن يغير فيه. الاتجاه الثاني ينظر للتنشئة السياسية كعملية يكتسب الفرد من خلالها هويته الشخصية التي تمكنه من التعبير عن ذاته، وقضاء مطالبه كما يشاء، باعتباره عضوا في مجتمع له نظام سياسي معين. وعليه فالتنشئة السياسية، حسب هذا الاتجاه، هي المتحكم في تعديل الثقافة السياسية السائدة في المجتمع وتغييرها بثقافة تكون الأنسب للنهوض بالمجتمع وتحقيق استقراره السياسي من خلال عملية تبادل ومشاركة. وعلى ضوء هذين النموذجين يمكن فهم سلوك الشباب المغربي وعزوفه عن المؤسسات والتنظيمات السياسية، خاصة إذا أدركنا طبيعة التنشئة السياسية التي يخضع لها هذا الشباب سواء في الأسرة أو المدرسة أو الإعلام أو حتى عند التحاق بعض منه بالتنظيمات الحزبية المفترض فيها أن تتولى عملية تأهيله وتدريبه سياسيا. ذلك أن انغلاق النموذج السياسي المغربي وسعي كل مؤسسات التنشئة الاجتماعية إلى قولبة الشباب في تصور سياسي ينمط أشكال الفعل السياسي ويحتكر الحقيقة المطلقة التي لا تسعف الشاب في مسار تحرره العقلي والإدراكي لمحيطه الوطني والدولي، يجعلنا أمام نموذج الخضوع. ويعني ذلك تغييبا للفرد وسد أفقه وأمله في تغيير عبر الإشراك الفعلي له، فيكون رد فعل الشباب الطبيعي هو هجرة تلك القوالب الجامدة والمنغلقة سواء كانت تنظيمات حزبية أو ممارسات انتخابية أو مؤسسات رسمية بحثا عن عوالم أخرى تتحمل عنان تفكيره وإرادته. لذلك أعتقد أن عزوف الشباب عن نمط الفعل السياسي الموجود في الساحة المغربية، مع ما يتوفر عليه هذا الشباب من وعي وإدراك وتتبع سياسي، إنما يعكس نضجا وتعبيرا احتجاجيا على رفضه وعدم رضاه عن مبدأ الخضوع الذي تسعى التنشئة السياسية إلى إلزامه به، في تجاهل تام للانفتاح الاتصالي الواسع عبر الشبكة العالمية الذي يسمح له بتموقع يتجاوز حدود الزمن السياسي الذي يعيشه داخل وطنه. 1 - فيليب برو، علم الاجتماع السياسي، ترجمة محمد عرب صاصيلا، ط 3، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 2014، ص 17 - 18.


اقراء المزيد »

دلالات الندوة الرسمية حول السلفية المغربية







في انتظار صدور أبحاث الندوة التي نظمها المجلس العلمي الأعلى يوم الخميس الماضي (2 أبريل 2015)؛ في موضوع: "السلفية تحقيق المفهوم وبيان المضمون"؛ من أجل تكوين نظرة متكاملة حول مضامينها؛ أود توثيق بعض الملاحظات التي أعتبرها دلالات يمكن استخلاصها من تنظيم هذه الندوة: السياق السياسي من الإقصاء إلى الإدماج: بعد تفجيرات 11 شتنبر في الولايات المتحدة الأمريكية؛ شرعت هذه الأخيرة في تطبيق برنامجها لفرض معالم الإسلام الذي تريده؛ إسلاما لا يهدد مصالحها الإمبريالية؛ لكونه مفرغا من جزء مهم من معانيه الإصلاحية، ومشحونا بحمولة علمانية تحيده عن مجال المدافعة ومواجهة ظلم وعدوان الذين يريدون السيطرة على العالم والهيمنة على شعوبه .. في هذا السياق؛ تم استهداف المنهاج السلفي بصفته يشكل وعاء يحافظ على العقيدة الإسلامية البيضاء، وعلى التشريع الإسلامي بشموليته وضوابطه الأصولية التي تجعل مبادئه وأحكامه مواكبة للتطور البشري؛ ومؤطرة لسلوك الإنسان وتوجهاته في كل زمان .. وتحت ضغط التهديد الفرعوني: "من لم يكن معنا فهو مع الإرهاب"؛ اختار النظام المغربي الانحناء للعاصفة، واتخذت الدولة موقفا راديكاليا من مختلف التيارات السلفية؛ دون استثناء السلفية الوطنية التي أسهمت بشكل كبير في مقاومة الاحتلال والنضال من أجل الاستقلال! واتجهت الشهادات والتقييمات والتحليلات الفكرية والصحافية؛ نحو شيطنة السلفية ومحاولة الخلط بينها وبين التيارات التكفيرية .. وتبلورت نظرية: "السلفية تفرخ الإرهاب"؛ وفرع عليها بعض الباحثين؛ نظرية مفادها أن: "السلفية العلمية بريد نحو السلفية الجهادية". ووُظفت النظريتان لترسيخ إقصاء التيار السلفي، انتصارا لتيار الحداثة العلمانية .. وهكذا جعلت تهمة الإرهاب مدخلا لتسويغ مصادرة حقوق النشطاء السلفيين، وتم ارتكاب تجاوزات أمنية وخروقات قانونية، وإغلاق مدارس وجمعيات في مقدمتها: دور القرآن الكريم. وفي هذا الإطار؛ برز مشروع وزير الأوقاف الذي تم توظيفه لمحاولة تطويع المجال الديني للمشروع السياسي العلماني؛ بما يستلزمه ذلك من تكميم أفواه العلماء، ومحاولة فرض نموذج معين للتدين، وإقصاء كل خطاب ديني لا يلتزم حرفيا بالترويج لذلك النموذج .. وقد تم توسيع دائرة الاستهداف لتشمل التيار السياسي (الإسلامي)، الذي وضعت الخطة لإقصائه تحت شعار: (ليس في القنافذ أملس)؛ وحدد عام 2012 لبرلمان خالي من أي حزب ذي مرجعية إسلامية، وصرح الاستئصاليون بأن المغرب في طريقه نحو النموذج العلماني التونسي .. وفي أوج تغول هذا التوجه (العَلماأمريكي)؛ هبت رياح ما سمي بالربيع العربي؛ فبعثرت الأوراق وأربكت المخططات، واضطرت ذلك التوجه للتراجع خطوات إلى الخلف .. وقد أدرك النظام المغربي ضرورة التخفيف من راديكالية ذلك التوجه الاستئصالي؛ لكونه يحمل في طياته مقومات تهدد الاستقرار وتخل بالسلم الاجتماعي .. ومن هنا اتخذ موقفه الرافض لموجة الانقلاب على الإسلاميين؛ وعمل على ضمان احترام نتائج الاستحقاقات التي أشركتهم في جزء من السلطة .. وبنفس الخلفية عمل على حل ملف معتقلي ما يسمى: السلفية الجهادية؛ وحقق في ذلك إنجازات تسهم في امتصاص روح التقاطب والاصطدام التي نفثها ذلك التوجه العلماني الراديكالي (نموذج: الشيخ الفيزازي من السجن إلى إلقاء خطبة الجمعة أمام الملك). في هذا السياق؛ جاءت ندوة المجلس العلمي الأعلى في خطوة شجع عليها في نظري: تنامي تيار سلفي وطني يتميز بخصائص؛ منها: الجمع بين الاهتمام الدعوي والاهتمام بالشأن العام والدعوة إلى المشاركة السياسية إنتاج خطاب يؤكد التمسك بالثوابت الوطنية، وعدم الاقتصار على خطاب المحافظة على الأمن والاستقرار ترجمة ذلك الخطاب إلى أفعال ومواقف وتصريحات تنمي سلوك المواطنة القائم على الانفتاح والتعايش، ونبذ العنف بكل أشكاله، والعمل من خلال مؤسسات الدولة والمجتمع. انفتاح أم احتواء: السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل نعتبر هذا الموقف الرسمي؛ مجرد انفتاح على مكون وطني ومحاولة خلق توازن بينه وبين مكون آخر حاول استئصاله؟ أم أنه محاولة للتدجين والاحتواء؟! كيفما كان الجواب نظريا؛ فإن الفاعل السلفي بإمكانه أن يسهم في الجواب العملي؛ بسلوكه ومدى قدرته على الجمع بين ترسيخ الاندماج المجتمعي والسياسي في إطار التعايش التوافقي، وبين التمسك بمبادئ السلفية الوطنية التي يمكن إجمالها في: - الحرص على سلوك الوسطية والاعتدال وتقديم نموذج عملي لسماحة الإسلام - الحرص على تجسيد شمولية رسالة الإسلام؛ عقيدة وأخلاقا وتشريعا - الجمع بين ترسيخ التدين القائم على التمسك بالنص والاعتصام بالقرآن والسنة من جهة، وتكريس دور الاجتهاد الشرعي في كل القضايا والنوازل المجتمعية من جهة ثانية - الانطلاق من الكتاب والسنة في اعتماد عقيدة الإمام الأشعري ومذهب الإمام مالك وسلوك الإمام الجنيد رحمهم الله تعالى؛ قبولا لما وافق الوحيين وردا لما خالفهما - ترسيخ مفهوم المواطنة الصادقة والمتينة؛ وما تستلزمه من: تعايش وتوافق وتعاون لمصلحة الوطن؛ استقرارا وأمنا وتنمية وازدهارا - ترسيخ وتمتين، والعمل على استمرار اللحمة القوية بين الملك والشعب؛ باعتبارها من أعمدة الاستقرار السياسي والمجتمعي، وأداة قوية لتجاوز مختلف التحديات والعواصف - الاهتمام بالشأن العام ومواكبة المشهد السياسي في بلدنا؛ دستورا وبرلمانا وقوانين وصحافة وشأنا محليا وجماعيا .. إلـخ. - الانفتاح على النافع عند الأمم والأوطان الأخرى؛ لا سيما المشرق الإسلامي الذي يشكل منطلق وعمق الانتماء الإسلامي. بين السلفية والوهابية: إن ندوة الرباط؛ تمثل اعترافا رسميا بأن للمغرب سلفيته الأصيلة المرتبطة ابتداء بمذهب الإمام مالك الذي يعتبر عند الدولة مرجعا معترفا به. ولم تزل هذه المدرسة الإصلاحية (السلفية) تتجدد في المغرب مع دول وتيارات وحركات تجديدية إصلاحية كان لها أثر في بناء الدولة وتأطير المجتمع. وقد عملتُ على تتبع تلك المحطات الإصلاحية وتوثيقها في موسوعتي: "التجديد السلفي في المغرب منذ القرن الثاني عشر"؛ والتي صدر منها: 1 المدخل بعنوان: "السلفية في المغرب ودورها في محاربة الإرهاب"؛ طبع سنة 2007. 2 الجزء الخامس؛ المطبوع سنة 2014 تحت عنوان: "حياة شيخ الإسلام محمد بلعربي العلوي؛ العالم المفكر والمصلح المناضل". فالقول بأن السلفية دخيلة على الإسلام المغربي، وأنها مجرد سلعة تم تصديرها من طرف الدولة السعودية الراعية والمروجة للمذهب الوهابي؛ ادعاء يكذبه التاريخ الذي يثبت بأن المغرب عرف السلفية قبل أن تبلغه أصداء دعوة الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى .. وقد كشفت في الجزء الأول من الموسوعة المشار إليها؛ أن السلطان العالم المجدد سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله؛ دعا إلى الأصول السلفية ولمّا يسمع عن دعوة بن عبد الوهاب .. كما وضحت في الجزء الثاني أن السلطان العالم مولاي سليمان بن محمد رحمه الله تعالى، عرف السلفية عن طريق والده، وعمل على تنزيل بعض مبادئها قبل توصله برسالة الملك سعود، وإرساله وفدا لمقابلته واستفساره عن حقيقة ما سمي بالدعوة الوهابية .. ولا ينافي ذلك حقيقة تأثر السلفية المغربية بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وباقي روافد السلفية المشرقية؛ بل هو أمر طبيعي ومنطقي بحكم وحدة المرجعية والاشتراك في كثير من المصادر .. ومما يؤكد أصالة ووطنية السلفية في المغرب؛ أن علماءها تقدموا الصفوف في الحركة الوطنية ومعركة الاستقلال، وفي الممارسة الدعوية والسياسية والحركة الثقافية والأدبية .. فلا مناص من الاعتراف بدورهم ورد الاعتبار لرموزهم، ولا بد لعلمائنا من العمل على استرجاع دور أسلافهم في المجالات المذكورة كلها .. مع التأكيد بأن السلفية هي مدرسة منصهرة في الكيان العلمي والسياسي والدعوي المغربي الأصيل، وهي جزء من هويته الإسلامية. فهي ليست جماعة أو طائفة؛ بقدر ما إنها منهاج ومدرسة لفهم النص الشرعي؛ تتأسس على قاعدة الكتاب والسنة، وتستنبط هدايتهما مسترشدة بأصول الاستنباط التي وضعها علماء السلف الصالح وتبلورت في علم أصول الفقه، وتمظهرت في مذاهب الفقهاء؛ وفي مقدمتها: مذهب الإمام مالك رحم الله الجميع .. الندوة ونظرية "السلفية تفرخ الإرهاب": ندوة الرباط في نظري؛ شهادة رسمية على عدم صحة هذه النظرية؛ لا سيما البحوث التي برهنت على دور السلفية المغربية البارز في مكافحة الغلو والتطرف، وفي خدمة الاستقرار والسلم الاجتماعيين .. وهو ما كنت أبرزته في دراستي المتقدم ذكرها "السلفية في المغرب ودورها في محاربة الإرهاب"؛ والتي بينت فيها ضرورة كشف تلبيس المصطلحات المستعملة في الباب، والتي حاول مناصرو تلك النظرية توظيفها لإثبات نظريتهم: ف"عقيدة الخوارج" و"فكر التكفير": هما مصدرا التوجهات التي تتبنى العنف الديني عند المسلمين .. والسلفية -في تاريخ الأمة وواقعها- هي أقوى جبهات المقاومة لتلك التوجهات، وهي الأقدر علميا وفكريا على ممارسة نقد قوي وموضوعي لإفرازات المصدرين المذكورين. شرحت هذا المعنى بالتفصيل والتدليل .. كما انتقدت مصطلح "السلفية الجهادية" وما ينطوي عليه من تلبيس وتدليس من أجل التوظيف السياسي المشار إليه. ومن خلال هذا المدخل؛ برهنت على أن الجهاد بصفته لفظا شرعيا تتعلق به معاني وأحكام؛ وأن السلفية بصفتها مصطلحا علميا منضبطا؛ لا يمكن اعتبارهما مصدرا للعنف والإرهاب .. مع التأكيد على أن هذا الاستنتاج؛ متعلق بالسلفية باعتبارها منهاجا يرسخ الاعتصام بالكتاب والسنة، والأصول الشرعية للاستنباط التي أصّلها علماء السلف الصالح، وتبلورت في علم أصول الفقه؛ وليس مرتبطا بالتيارات والأفراد المنتسبين لذلك المنهاج؛ فإن هؤلاء يتفاوتون في نسبة المصداقية في ذلك الانتساب؛ ومن هنا نجد البعض يدعي هذه النسبة الشريفة وهو متلبس بأنواع من الغلو؛ وأخطرها: التكفير وشرعنة ممارسات التخريب والتدمير .. ومعلوم أن المنهاج لا يحكم عليه بأخطاء المنتسبين إليه؛ لا سيما أن واقع السلفية يشهد بوجود اختراقات عملت على إلصاق تهمة الإرهاب بتيارات سلفية؛ وفي ذلك أحداث معروفة في عدد من الدول (أستحضر هنا: فضيحة تونس لما تم ضبط شاحنة محملة باللحى تتجه نحو جبل كان يتحصن فيه مجهولون يراد وصفهم بالإرهابيين، كما أذكر بتحقيق قناة الجزيرة الذي كشف تورط أجهزة استخباراتية في تسخير أحد موظفيها لتدبير اغتيال اليساري شكري بلعيد ونسبة ذلك للتيار السلفي).


اقراء المزيد »

فاجعة طانطان: مجرمون بلا استثناء؟ قد نكون...







أشعر بالألم والحزن منذ فاجعة طانطان. ككل المغاربة الذين استفاقوا على هول الفقدان، أشعر بالألم والحزن. وكل شبر في جسدي يؤلمني إلى اليوم. الطفولة والعنفوان والطموح والإيمان بالمستقبل، كلها كانت تملأ الحافلة-التابوت. لم تكن في الحافلة فلذات أكباد فقط. كان الحلم يرفرف على الأطفال المستلقين في كراسيهم يسترجعون قواهم ويستعدون لملاقاة الأبوين والإخوة والأصدقاء، يملؤهم زهو التميز وحلاوة الاستحقاق. غير أن اللهيب أكلهم بلا رحمة. اللهيب الذي اقتحم حلمهم وانتشر في أجسادهم في ثانية واحدة، ثانية صنعها القدر اللعين لا ريب، لكن صنعتها عوامل عدة كتلك الغيلان التي تلتهم كل سنة أكثر من 4000 من المغاربة على الطرقات بلا مقدمات. التهور واللامسؤولية والسرعة المفرطة وعدم احترام تحديد السرعة وعدم احترام علامة قف وعدم احترام الخط المتصل وعدم احترام الضوء الأحمر وعدم احترام المدارات والسياقة في حالة سكر وسياقة سيارات مهترئة والتوقف حيث لا يجب والتوقف في الصف الثاني والثالث والتجاوز على اليمين وتجاوز الوزن القانوني وملء العربات بأعداد تفوق طاقتها واستعمال غاز البوتان بدل البنزين والكازوال والسياقة بعجلات ملحوسة والسياقة ليلا بلا أضواء، والسياقات بلا أحزمة سلامة والسياقة بأطفال رضع في المقاعد الأمامية في سيارات فارهة، ناهيك عن رمي الأزبال من نوافذ سيارات لو رأيت أصحابها لحسبتهم نازلين لتوهم من أرقى الحاضرات في العالم، ... كل هذا يقع يوميا في حواضرنا وبوادينا وعلى الطرقات. كل هذا لأن أغلب السائقين لا يعرفون معنى احترام القانون، ولا يحسنون إلا "التبحلس" أمام الشرطي أو الدركي حين يباغثهم، ولا يفكرون إلا في الطريقة التي بها يشترون صمتهه وتغاضيه... كل هذا، وحين تتجرأ على توجيه ملاحظة لأحدهم أو إحداهن على ما اقترفوه أمامك "يطلونك" بالسب والتهديد في أسوء الأحوال أو الهزء في أيسرها باعتبارك "باغي تدير فيها بطل ومصلح"... وهلم جرا. لن أشير إلى أحد بسبابة الاتهام. فكفي لا تكاد ترتفع وألوذ بالصمت. الموقف لا يسمح بالمزايدة حتى بين الحكومة ومعارضيها. أتصور لو كان أحد أبنائي في حافلة الموت. أتصور ولا أتشفى. أتصور وأشعر بنصف كياني ينسحب مني. لكم الله إذن أيها المفجوعون. لكنّ الله أيتها الأمهات الثكالى. لكم الله أيها الأصدقاء الذاهلون. أستطيع مع ذلك أن أفكر. استطيع أن أقول باسم الألسنة التي أخرسها الموت المفجع: "نحن كثر في ارتكاب الفظاعات أعلاه. وإن كنت أيها القارئ من مرتكبي إحداها، فاسمح لي أن أقول لك بلسان أولياء الراحلين اليافعين: أنت مجرم. ولا تحاول تبرير فعلتك. وإذا كان لك ولنا من ضمير فلنلتزم باحترام قانون السير قبل أن نطلب ذلك من الآخرين قبل أن نشتكي من حالة الطرقات، قبل أن نتباكى على فساد الشرطة أو الدرك، قبل أن نفقد شخصا قد يكون ابننا أو بنتنا أو عزيزا تصبح الحياة بعده جحيمنا الأبدي".


اقراء المزيد »

كلّ رأي للمجلس الأعلى للتعليم خارج الدستور والمكتسبات الوطنية مرفوض







إذا صحت الأخبار التي تسربت من نقاشات وأشغال المجلس الأعلى للتعليم، والتي تداولتها بعض المنابر الإعلامية، والتي مفادها أن المجلس ينوي اقتراح تدريس الأمازيغية في الابتدائي فقط دون باقي أسلاك التعليم، فإنّ ذلك سيكون إيذانا بالعودة في موضوع الحقوق الثقافية واللغوية وتدبير التنوع إلى ما قبل الدينامية التي انطلقت سنة 2001، هذه الدينامية الجديدة التي تندرج في مطلع الألفية الثالثة في إطار "المصالحة الوطنية" في موضوع الهوية والثقافة، كما سيكون ذلك مؤشرا بارزا على الرغبة في الرجوع بشكل صريح وخطير إلى تكريس الميز الثقافي واللغوي بين المغاربة، بعد أن كدنا نغادر الوضعية المزرية السابقة، ونصل إلى مستوى إحداث التوازن المطلوب في الشخصية الوطنية، التي كانت تشكو من عرج دائم، واضطراب مزمن. فمعلوم أن أول مبادرة رسمية اتخذت من أجل إقرار تدريس الأمازيغية في الابتدائي فقط كانت سنة 1994، في خطاب 20 غشت الذي ألقاه الملك الحسن الثاني آنذاك، وهي مبادرة محدودة لم تكن تتعدى في أهدافها التسوية الظرفية لمشكل اعتقالات الرشيدية، أي تخفيض التوتر وتصفية الأجواء قبل سنوات قليلة من رحيل الملك، ويفسر هذا لماذا لم يتم العمل بشيء مما ورد في الخطاب الذي تم نسيانه بالمرة ولم يخلف أي أثر يذكر داخل دواليب الدولة. أما خطاب أجدير لسنة 2001 فقد جاء في سياق مغاير تماما واتخذ منحى شموليا وإجرائيا منذ البداية، كما ارتبط بشكل كبير بتجديد شرعية الملكية وطي صفحة انتهاكات حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مما جعل ما ترتب عنه من تدابير (ومنها تعميم تدريس اللغة الأمازيغية في نظام التربية الوطنية أفقيا وعموديا) التزامات عليا للدولة رصدت لها ميزانيات من المال العام، واستجابت لها برامج المؤسسات التعليمية والإعلامية، وتبلورت عنها مذكرات ومرجعيات رسمية ووثائق إدارية كثيرة لا يمكن تجاهلها ومحو فترة من التاريخ كما لو أنها لم تكن. أمامنا اليوم وضعية مفارقة وعجيبة مليئة بالتناقضات، إلى درجة أننا نتسائل إن كان هؤلاء الذين يهيئون لاقتراح ما سلف ذكره قد أخذوا بعين الاعتبار المعطيات المتوفرة، والتزامات الدولة، والتراكمات الإيجابية السابقة، والمكتسبات المحصلة، أم أنهم احتكموا إلى المزاج الفردي المحض الذي لا يتعدى الرغبة في تصفية الحسابات مع "الشلحة" التي لا يشعر كثيرون منهم بالانتماء إليها، وينصبون أنفسهم رغم ذلك حكاما في مصيرها. أمامنا مجلس يتكون من عشرات الأعضاء الذين لا يوجد بينهم فاعلون مدنيون من الجمعيات الأمازيغية، ولا مختصون في اللسانيات أو الثقافة الامازيغية (باستثناء عميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وحده دون غيره) وبهذا يتكرر نفس الخطأ الذي ارتكب مع ميثاق التربية والتكوين في نهاية القرن الماضي، عندما اجتمعت أحزاب ونقابات وفاعلون يدورون في فلك الإيديولوجيا الرسمية ليقرروا في شأن التعليم في غياب كلي للفاعلين الأمازيغيين، المختصين في شؤون اللغة والثقافة الأمازيغيتين، وكانت النتيجة المادة 115 من الميثاق التي اعتبرت إهانة حقيقية للأمازيغ وللغتهم، مما دفع بهم إلى إطلاق إسم "الميثاق اللاوطني للتربية والتكوين" على الوثيقة التي تبلورت في غيابهم، كما سعوا عبر لوبي الضغط المدني ومن خلال الأساليب القانونية والسلمية إلى تغيير ذلك القرار المجحف، ونجحوا في ذلك بعد مدة وجيزة من خلال ما تحقق سنة 2001 بإقرار أن الأمازيغية "مسؤولية وطنية لجميع المغاربة"، وبإقرار تدريسها في كل أسلاك التعليم وإدراجها في الإعلام والشأن المحلي. وقد تحددت منذ ذلك الوقت في "منهاج تدريس اللغة الأمازيغية" الذي وضعته وزارة التربية الوطنية ثوابت ومكتسبات راسخة نرى ضرورة التذكير بها في هذا المقام وهي : ـ أن الأمازيغية لغة وطنية لجميع المغاربة بدون استثناء شأنها شأن اللغة العربية. ـ أنها تعمّم أفقيا على كل التراب الوطني وعموديا على جميع أسلاك التعليم. ـ أنها تخضع لعمليات التهيئة اللغوية والمعيرة والتوحيد كغيرها من اللغات المدرّسة. ـ أنها تكتب بحرفها الأصلي العريق تيفيناغ . بناء على هذه المنطلقات أنشئت أوراش المأسسة في مجال النهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين، وإنقاذهما من الانمحاء السريع وإعطائهما المكانة التي تستحقانها، وكان التعاقد المبرم ينصّ على تهيئة اللغة الأمازيغية للعب وظائف حيوية في المجتمع والدولة. وقد ظهر من خلال التجربة الممتدة ما بين 2001 و2011 بأن إقرار سياسة جديدة بدون ضمانات قانونية مآله الفشل، مما جعلنا نصر خلال العشر سنوات المذكورة على ضرورة دسترة الأمازيغية وإعطائها وضعا قانونيا يمكن من حمايتها داخل المؤسسات وإخراجها بصفة نهائية من سياسات الميز المتبعة، وقد تحقق ذلك مع دستور 2011، حيث أصبحت الأمازيغية لغة رسمية للبلاد بجانب العربية، واعتبرنا ذلك مكسبا تاريخيا لأنه يمثل الضمانة العليا لوضع حدّ نهائي لسياسة الميز. وأمامنا أيضا دستور ينصّ بجانب الترسيم على ضرورة إصدار قانون تنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية، وهو القانون الذي لم يصدر حتى الآن مع العلم أن الدستور ينيط به مهمة تحديد كيفيات ومراحل إدراج اللغة الأمازيغية في المؤسسات وأولها التعليم، بل إن التعليم هو المجال الوحيد الذي ذكره الدستور بالإسم في حديثه عن القانون التنظيمي للأمازيغية. وأمامنا بجانب ما ذكرناه تنصيص الدستور على إحداث مجلس وطني للغات والثقافة المغربية لم يتم إحداثه حتى الآن كذلك، مع العلم أن مهمته تحديد السياسة اللغوية للبلاد، وكيفيات تدبير التنوع الموجود والحفاظ عليه. وبجانب هذه المفارقات يفاجئنا وزير التربية الوطنية الحالي بوضع برنامج عمل يمتدّ إلى سنة 2030، لا يشير من قريب أو بعيد للأمازيغية التي تدرس منذ 2003، بل إنه صرح بوكالة المغرب للأنباء بأن موقع الأمازيغية في التعليم "غير واضح" بعد عشر سنوات من تدريسها. أمام هذه المفارقات العجيبة نطرح الأسئلة التالية: ما هي الجهة التي يخول لها تحديد كيفيات ومراحل إدراج اللغة الأمازيغية في التعليم، (القانون التنظيمي المنتظر أم المجلس الوطني للغات أم المجلس الأعلى للتعليم أم أن الأمر متروك لمزاج وزير التربية الوطنية الذي نفض يده من الموضوع وأنكر كل تعهدات الدولة) ؟ وهل هذه الجهة كيفما كانت لها صلاحية القفز على التاريخ وعلى الدستور وكل المكتسبات المتراكمة داخل المؤسسات ؟ وهل توجد تجربة ديمقراطية بدون ترصيد المكتسبات ؟ وهل يمكن التعامل مع اللغة الأمازيغية بعد 2011 خارج وضعية اللغة الرسمية التي تعني كما هو متعارف عليه عالميا لغة المؤسسات ؟ وهل يمكن فهم دستور 2011 وتفسيره وتأويله بذهنية السبعينات والثمانينات، أي خارج المنطق الديمقراطي وحركية التاريخ ودينامية الواقع ومنطق الإنصاف والعدل والمساواة ؟ هل يمكن تكوين أطر للدولة في لغة رسمية تدرس فقط في الابتدائي ؟ ثم وبالواضح : هل يحق لذهنية الميز والعنصرية أن تستمر في السياسات العمومية رغم الدستور ورغم كل المكتسبات الوطنية ؟ ما قيمة نضالنا ، وما جدوى "المصالحة" و"التشارك" و"الحوار الوطني" و"المسؤولية الوطنية" وإعلان النوايا الحسنة ؟ إننا نعتقد بأن للقوى الديمقراطية كلمتها في اللحظات الحرجة من تاريخ بلدنا، وعلى الجميع أن يتحلى باليقظة أمام الصراع الحالي بين النزعات النكوصية وعوامل التغيير والحوافز المستقبلية، حتى نضمن للأجيال القادمة استقرارا دائما مبنيا على العدل والمساواة وجميع قيم المواطنة الحق.


اقراء المزيد »

الفرنكوفونية: الأصول والفروع







ما انفكت الفرنكوفونية تفرض نفسها و تتحكم في هذا البلد و تريد ان تقرر وحدها في المسألة التعليمية. ولا خيار للمجلس الأعلى للتربية و التكوين و لا لوزارة التربية الوطنية و لا الوزراء السابقين في هذا القطاع و لا الأحزاب الوطنية و لا جمعيات المجتمع المدني و لا أولي الشأن من المدرسين و رجال التربية إلا الانصياع لرأي هذه النزعة حتى لقد أصبح قول الشاعر معروف الرصافي يصدق فيهم يا قوم لا تتكلموا ان الكلام محرم

ناموا و لا تستيقظوا فما فاز إلا النوم لقد ورث المغرب هذا النظام التعليمي المبني على النزعة الفرنكوفونية عن الاستعمار الفرنسي منذ زمن الجغرافي الفرنسي onesim reclus في أواخر القرن التاسع عشر "عندما جعل النزعة الفرنكوفونية فكرة لسانية، و علاقة جغرافية و أداة لتنحية اللغة العربية و الديانة الإسلامية معا" (الفرنكوفونية و مأساة أدبنا الفرنسي ص 11 .بنسالم حميش ) ثم استمرت هذه النزعة مع دخول الاستعمار الفرنسي الى المغرب في بداية القرن العشرين و زمن الجنرال ليوطي: و سأكتفي بالإشارة الى بعض مقولات أرباب الفرنكوفونية الفرنسيين الأوائل الذين عملوا على غرس فسائل اللغة الفرنسية في التربة المغربية و محاربة اللغة العربية و الثقافة الإسلامية بكل الوسائل . قال الجنيرال ليوطي في تقرير سري يتحدث فيه عن أهمية استبدال اللغة الأم بلغة المستعمر: "إن الهدف من إنشاء المدارس الفرنسية البربرية هو تطويع العنصر الأهلي البربري، والاحتفاظ له بكيفية سرية. ولكن مؤكدة بالفوارق اللغوية والدينية والمجتمعية التي توجد بين بلاد المخزن المتميزة بإسلامها وعروبتها، وبين الجبال البربرية التي لا تعرف العربية" . ويقول جورج هاردي مدير التعليم إبان الحماية الفرنسية بالمغرب، "إن انتصار السلاح، لا يعني النصر الكامل، إن القوة تبني الامبراطوريات، ولكنها ليست هي التي تضمن لها الاستقرار والدوام، يجب إخضاع النفوس بعد أن تم إخضاع الابدان"... وفي دورية أخرى لليوطي جاء فيها:"بداية ليس علينا أن نعلم العربية لمجموعة من الناس استغنوا عنها دائما، أن العربية عنصر أسلمة لكونها تلقن في القرآن، أما مصلحتنا فتفرض علينا أن نجعل البربر خارج إطار الإسلام، ومن الوجهة اللسانية علينا أن ننزع إلى المرور مباشرة من البربرية إلى الفرنسية... ولهذا نحتاج إلى عارفين بالبربرية، ويتوجب على ضباط مخابراتنا أن ينكبوا بعزم على دراسة اللهجات البربرية". وقد عمل جملة من المفكرين الفرنسيين على تطبيق محتويات دورية، "ليوطي"، ونشرها على أوسع نطاق نذكر منهم: بول مارتي، وموريس لوكلي وفيكتور بيكي، وغود فروي......وغيرهم . وبالمقابل نجد أن الفرنسيين يحتاطون كثيرا من الثقافات الأخرى المجاورة لهم، ويحافظون على نسق اللغة الفرنسية، يقول دستو بلازي الوزير الفرنسي السابق: "إن فرنسا ترفض تعدد الثقافات فيها، لأن ذلك يعتبر خطرا على وحدة الأمة الفرنسية" . ويقول جورج بومبيدو: "على الشعوب المتكلمة باللغة الفرنسية أن تشعر بأنها فوق المصالح الاقتصادية وحتى السياسية، موحدة برابطة خاصة هي رابطة فكرية

وعاطفية" . وتقول إحدى التوصيات الصادرة عن لجنة التقصي حول سياسة اللغة الفرنسية /ديسمبر /1980خارج تعليم اللغات الأجنبية من اللازم أن تكون اللغة الفرنسية وحدها مستعملة في الدروس والامتحانات والمباريات وعروض الأطروحات. هذا لا يعني أن المدرسة الفرنسية لا تدرس اللغات الأجنبية وإنما تخصص لها حصصا معينة بوصفها لغة وظيفية للاطلاع على حضارة وتاريخ الآخرين، لا بوصفها لغة تكوينية تستغرق أكثر من نصف الحصص الدراسية الأخرى كما هو الشأن في الدول الفرنكوفونية لذلك قال فرناند بروديل: "فرنسا ... إنها أولا اللغة الفرنسية" واستمر الوضع التعليمي في زمن الاستقلال على ما كان عليه من قبل رغم بروز أصوات الوطنيين الذين نادوا بإصلاح المنظومة التربوية وانقاذها من تحكم الفرنسيين وأتباعهم . ورغم الدور الذي لعبته المدارس الوطنية الحرة قبل الاستقلال وبعده ، فقد تم العدول عن الاصلاح التربوي لسنة 1964 الذي كان المخرج الحقيقي للنهوض بالنظام التعليمي في المغرب . وجاء البرنامج المعروف ببرنامج المذهب التعليمي للوزير بنهيمة. الذي انخرط في دائرة التبعية الكاملة للفرنسيين. و اعقبته مشاريع أخرى كلها سارت على نفس الطريق. مناظرة إفران 1970.المشروع المسمى "نحو نظام تربوي جديد سنة 1980 “. مخطط المسار92_88 . مشروع الميثاق الوطني للتربية و التكوين2009_1999. الخطة الاستعجالية2012_2009 ..... كل هذه المشاريع عرفت تغييرا في هياكل التعليم و القضايا البيداغوجية دون المساس بجوهر المشكلة. و اليوم و نحن في انتظار التقرير الذي سيصدره المجلس الأعلى للتربية والتكوين نخشى أن تتكرر نفس التجربة و أن ينصاع أعضاء المجلس للنزعة الفرنكوفونية من جديد و نسقط في نفس الفشل الذي سفطت فيه جميع المشاريع السابقة. يمكن أن نتحدث هنا عن مجموعة من العناصر التي عملت على ترسيخ الفرنكوفونية في مغرب اليوم ولها جذور تاريخية قديمة تتفرع أغصانها كلما دعت الضرورة. -1 العنصر الاول يعود الى العهد الكولونيالي و الى اقطاب الفكر السياسي و العسكري الذين أشرنا اليهم سابقا و على رأسهم onesim reclus و الجنرال ليوطي. كما ترجع إلى اقطاب الفكر التربوي الذي واكب الحقبة الاستعمارية داخل فرنسا منذ بداية القرن العشرين. 2- الجانب اللغوي و الثقافي وهو العنصر الذي نستبطن من خلاله الأسباب و الخلفيات التي تكمن وراء هذه النزعة، وتحضر مع تعاقب الأجيال.

لقد كان للمستعمرين الفرنسيين أمثال : لويس ماسينيون و ريجس بلاشير و روبير برونسفيك و كلود كوهين و شارل بيلا و جاك بيرك تأثير واضح على الطلاب الأجانب و العرب و المغاربة في الجانب اللغوي و الثقافي. و رغم أن هؤلاء المستعمرين كانوا يهتمون باللغة العربية و يدافعون عن تدريسها كلغة اجنبية حية في المعاهد و الجامعات الفرنسية في إطار "جمعية المستعربين الفرنسيين "إلا أن تأثير هؤلاء العلماء الكبار كان أقوى على الرعيل الأول الذي تعلم في فرنسا في إطار البعثات التعليمية في كوليج دو فرانس ومعهد البوليتكنيك الذي تخرج منه معظم المسؤولين المغاربة من الوزراء و أبناء الوزراء من زواج مختلط، ومن السفراء و اصحاب المناصب العليا المدنية و العسكرية في الدولة المغربية الذين عادوا إلى المغرب بحسن نية لخدمة الوطن. ولكنهم كانوا يهيؤون في نفس الوقت بطريق غير مباشر لتكريس التبعية عن طريق التكوين اللغوي و الثقافي. اذ يصبح الشخص أسيرا للغة التي تعلم بها و أسير الثقافة و الحضارة التي ارتوى منها. فلا يستطيع الانفكاك عنها و لا التحلل منها كما يقول العالم اللغوي وورف Worf.و ما لم يكن محصنا بلغته الأم و هويته، فسوف يبقى أسيراً للفرنكفونية. 3-مساهمة المستعربين الفرنسيين المتخصصين في علم اللغات العربية و الذين كانوا يروجون للهجات الدارجة و اللهجات الأمازيغية و يشجعون الطلاب المغاربة و المغاربيين على الانخراط في هذه المسالك اللغوية أمثال: مارسي Marçais و كولان Colin و ميرسيي Mercier .في إطار "المعهد الوطني للغات و الحضارات الشرقية " و هي جزء من السياسة اللغوية التي تبناها المجلس الأوروبي فيما يدعى بمحور "اللغة العربية و الثقافات الاصلية" وتطبق في سائر البلدان الأوروبية بالنسبة للأطفال و الطلاب المنحدرين من الهجرة. و بهؤلاء تأثر معظم الكتاب و الباحثين المغاربة و المغاربيين و أيضا المشارقة الذين يروجون اليوم للعامية و الأمازيغية من خلال الكتب الصادرة في هذا الشأن أو ما ينشر عبر الصحف الإلكترونية او المكتوبة. و لا نريد أن نتحدث عن الأشخاص فأسماؤهم منشورة على هذه المؤلفات او على صفحات جريدة هسبريس الالكترونية. و لكن نريد أن نرصد هذه الظاهرة التي تشمل سائر الأقطار العربية التي كانت خاضعة للنفوذ الفرنسي إبان الاستعمار في الجزائر و المغرب و تونس و لبنان و سوريا، و الدول الإفريقية. و ما تزال سلسلة الالسنية التي كان يرصدها ريمون طحان، و أنيس فريحة تشهد على مثل هذه الدعوات. 4-اعتماد السلطات المغربية على المتعاونين الفرنسيين من الأساتذة و التقنيين و رجال الإدارة بعد انسحاب الاستعمار السياسي و العسكري و تثبيت الاستعمار اللغوي و الثقافي و لئن كان هذا الأمر يدخل في إطار التعاون كما يبدو و لكن الغرض المبطن كان هو الإبقاء على الفكر الفرنكفوني في البلاد. و لو استمع المسؤولون آنذاك الى صوت العقلاء و المفكرين الوطنيين ما كنا نقع في كل مرة في فشل المنظومة التعليمية منذ الاستقلال الى اليوم. 5-استقبال الطلبة المغاربة في الجامعات و المعاهد الفرنسية بعد انهاء دراستهم في المدارس الخاصة أو ضمن البعثات الثقافية الفرنسية امعانا في نشر اللغة الفرنسية. 6-لم تعد الفرنكوفونية و الازدواج اللغوي مشكلا في حد ذاته، و إنما المشكل أصبح فيما ترسخ في اذهان المسؤولين السياسيين و الاقتصاديين و الإداريين و المثقفين، و الطبقات الاجتماعية الموسرة و المتوسطة و الشباب و الطلاب الجامعيين من ثقافة وفكر و قيم فرنسية.


اقراء المزيد »

شباط نزل بالسياسة إلى الحضيض







حميد شباط الأمين العام لحزب الاستقلال تكرّرت اتهاماته لوزراء العدالة والتنمية بالسوء، والقذف بالكبائر، والتدخل السافر في حياتهم الشخصية التي لا تمت بصلة لاختياراتهم السياسية، فقد سبق أن اتهم الوزيرة بسيمة الحقاوي بأنها تتماطل في تمرير قانون تجريم التحرش الجنسي لأن زوجها يتحرّش بالطالبات في الجامعة، واتهم رئيس الحكومة السيد عبد الإله بنكيران بالتخابر مع جهاز الموساد الإسرائيلي وربط علاقة مع التنظيم الإرهابي "داعش"، وقبل ذلك اتهم الحزب الذي يقود الحكومة بأنه فرع للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين بعد سقوط حكم الإخوان في مصر وانقلاب العسكر على الشرعية الانتخابية هناك. واليوم يوجه مدفعيته لوزيرين في الحكومة ينتميان للعدالة والتنمية، ويتهمهما بعلاقة غامضة أدّت إلى تطليق الوزيرة المنتدبة لدى وزير التعليم العالي من زوجها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (ليس منّا من خبّب امرأة على زوجها) أي أفسد قلبها، والحديث صححه الألباني، وذكره الإمام الذهبي في الكبائر؛ أي أن شباط يرمي الناس بالكبائر؛ وبالأمس لما اختلف مع نزار بركة، وكان آنذاك وزيرا من وزراء الاستقلال في الحكومة، اتهمه بأنه تارك للصلاة.. وإذا كان شباط مهتما بإقامة الصلاة، حتى أنه يروج لصور وفيديوهات تثبت أنه مقيم لها، فلا شك أنه قرأ يوما قوله تعالى :(إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المومنات لعنوا في الدنيا والآخرة، ولهم عذاب عظيم) واللعنة هي الطرد من رحمة الله، و قرأ قوله تعالى : (والذين يوذون المومنين والمومنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا). لاشك أن السيد شباط تصفح يوما كتاب مؤسس حزب الاستقلال العلامة علال الفاسي: "دفاع عن الشريعة"؛ هذه الشريعة التي تشترط أربعة شهود في مسألة القذف، وأن الذي لم يأت بهؤلاء الشهود يقام عليه الحد ثمانون جلدة؛ قال تعالى : (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون). قال الحافظ ابن كثير عند تأويلها: (هذه الآية الكريمة فيها بيان جلد القاذف للمحصنة وهي الحرة البالغة العفيفة، فإذا كان المقذوف رجلاً فكذلك يجلد قاذفه أيضاً، وليس فيه نزاع بين العلماء..فأوجب على القاذف إذا لم يقم البينة على صحة ما قال ثلاثة أحكام: أحدها أن يجلد ثمانين جلدة، الثاني أن ترد شهادته أبداً، الثالث أن يكون فاسقاً ليس بعدل لا عند اللّه ولا عند الناس..) فهل يرضى قادة حزب الاستقلال ومناضلوه أن يكون على رأس حزبهم رجل فاسق لا تقبل له شهادة أبدا؟ أنا أخاطبهم من مرجعية حزبهم التي يعتزون بها، وسبقونا في الدفاع عنها، أما الذين يبيحون الكذب والقذف وكل شيء في السياسة، فهؤلاء معهم حديث آخر. منذ ثلاثة أشهر فقط سألت أحد مناضلي حزب الاستقلال القدامى، والذي انسحب من الحزب بسبب تصرفات شباط وخرجاته المجنونة، سألته عن سر سكوتهم عن هذا المجنون، وعدم محاسبته عن الأخطاء الخطيرة التي ألبسها للحزب، ومن أعظمها انسحاب الحزب من حكومة تبين فيما بعد أنها صادقة في توجهاتها بإرادة قوية من أجل فتح أوراش ضخمة كانت معلقة منذ عقود، وأن شعبيتها في اطراد؛ قلت له ليس الحل في انسحابكم والالتحاق بأحزاب أخرى، بل بقاؤكم ونضالكم من داخل الحزب ومحاسبة المسؤولين وإسقاطهم إن اقتضى الحال، هو المسلك الصحيح، فحزب الاستقلال ليس ضيعة لشباط أو غيره يتصرّف فيه على هواه؛ فكان جواب المناضل الاستقلالي مفاجئا وغير منتظر، إذ قال لي : (شباط يحتفظ بملفات فساد لمعظم قادة الحزب، ويهددهم بها، لذا يلزم معظمهم الصمت..) أو قريب من هذا الكلام؛ والله شهيد على ما أقول، فنحن لا نستحل الكذب في السياسة ولا غيرها لأن الكذب من أعظم الكبائر، خصوصا إذا كان على الشعب والجماهير التي تضع ثقتها فيك. ثم هؤلاء الذين كذبوا على الشعب منذ عقود، ويحسبون أنهم الساسة المحنّكون، وأن الصادقون في السياسة مغفلون، لماذا لفظهم الشعب؟ فلا يحرزون مواقعهم إلا بشق الأنفس أو بالتزوير..لماذا لم يدرسوا التاريخ القريب والبعيد؟ يوم كانوا يواجهون الدولة العميقة ويصبرون على زوّار الليل والاعتقال والسجون والتشريد، كانت أسهمهم مرتفعة لدى الشعب، واليوم بعد أن أصبح عدد منهم جزءا من الدولة العميقة لفظهم الناس وكرهوا انبعاثهم. يريد شباط ـ وهو التلميذ الكسول ـ أن يشتغل بأدوات وأساليب الدولة العميقة، وهو لا يملك إمكانياتها الضخمة وتجاربها المتعددة، إلا ما يجود به عليه بعض الكذبة المحيطين به مما لا يسمن ولا يغني من جوع. وأنا أذكره ببعض تلك الأساليب التي ذكرها التاريخ، وهو يعرفها لأنها حبكت من أجل إسقاط قادة كبار كانوا من مؤسسي حزب الاستقلال.. يقول العميد أحمد البخاري في مذكراته، وكان عميلا سابقا للكاب 1 مقر المخابرات السرية المغربية منذ الاستقلال: (اتخذت إدارة “مكافحة الشغب” التابعة ل “الكاب1″ جميع الوسائل اللازمة لمراقبة كل ما يجري في المنطقة المحيطة بمنزل المهدي بنبركة، وفي مطار الرباط سلا والمنطقة المحيطة به، ولذلك تم فتح مكتب خاص بعناصر شرطة العمليات الخاصة، يسمح لهم بالقيام بمهامهم في ظروف جيدة، لتصوير ما يجري وتسجيله، كما تم نصب أجهزة تنصت داخل بيت بن بركة، وتم ربط هاتف البيت بجهاز تنصت، ونفس الأمر حصل مع الخطوط الهاتفية لمكاتب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وبيوت قياديي الحزب في الرباط والدار البيضاء وفاس ووجدة ومراكش وأكادير وآسفي، وباتخاذه لكل هذه التدابير أصبح “الكاب1″ واثقاً من أنه قد وضع كل شيء تحت المراقبة المستمرة طيلة الليل والنهار: بن بركة وأسرته وأصدقاؤه وزواره وعلاقاته..) كان هذا في مطلع الستينيات، يوم كانت تكنولوجيا الاتصال متخلفة، فهل يملك شباط هذه الإمكانيات الهائلة من أجل تتبع عورات السياسيين؟ ولماذا يسعى لتنصيب نفسه مكان المخابرات، وهو زعيم حزب سياسي؟ ألا يكفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم : (يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَخْلُصِ الإِيمَانُ إِلَى قلبِهِ لا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلا تَتَّبِعُوا عَوَرَاتِهِمْ ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ)؟

ألا يعلم شباط أن هذه السلوكات دخيلة على ثقافتنا السياسية، وأننا ورثناها عن الاستعمار الغربي؟ يقول عميد المخابرات أحمد البخاري الذي كان مقربا من أفقير والعشعاشي :

(في يوليو 1960 تم تعيين العقيد محمد أوفقير مديراً عاماً للأمن الوطني خلفاً لمحمد الغزاوي الذي أقيل من منصبه؛ كان أوفقير قد خدم في الجيش الفرنسي وعمل في مصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس الفرنسية، وبعد عودة الملك محمد الخامس من منفاه عام 1955 تم تسريبه ليكون واحداً من محيط القصر، وقد اشتغل طويلاً لفائدة الموساد الإسرائيلي. كان تعيين أوفقير في ذلك المنصب راجعاً إلى التأثير القوي الذي كانت تمارسه ثلاث مصالح أجنبية في المغرب: الموساد، وجهاز الاستخبارات الأمريكية، ومصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس الفرنسية، وكانت كلها قريبة من الملك لدواعي تتعلق بأمن القصر وأمن البلاد، وقد لعبت النصائح الإسرائيلية دوراً في إقناع الملك ليطلب من جهاز الاستخبارات الأمريكية إرسال ثلاثة خبراء أمريكيين لكي يعيدوا تنظيم وهيكلة المخابرات المغربية والإشراف عليها لمدة غير محددة لضمان أمن النظام والبلاد..) لكن تبيّن فيما بعد أن أوفقير بقي مخلصا للجهات الخارجية متربصا بالنظام الملكي، ولولا يقظة الحسن الثاني رحمه الله الذي شكا في مذكراته من تسريب هذا الشيطان لمحيط القصر، قلت لولا حنكة هذا الملك وذكائه السياسي، بعد لطف الله، لكنا نعيش في المغرب تحث رحمة الأنظمة العسكرية التي أذاقت شعوب المنطقة الويلات، وباعت خيراتها للأعداء. ويبقى السؤال : لمصلحة من يشتغل شباط ومن وراءه وكيف جيء به لقيادة الاستقلال؟ وهل يخضع هو نفسه لضغوط معينة؟ خصوصا أن ملفات الفساد التي تطوق عنقه وأبناؤه تجعله طيّعا في أيدي الجهات التي تتحكم في مساره السياسي. أما نحن فنلتزم الوضوح مع الشعب والملك، نخلص لهما طاعة لربنا الذي أمرنا ألا ننازع الأمر أهله.


اقراء المزيد »

هل القصيدة المغربية، الآن، تقول شيئا؟







عندما قال الشاعر ( سعدي يوسف ) " القصيدة المغربية لا تقول شيئا " انبرى عدد من المرتبطين بالشعر المغربي للرد على المقولة مستحضرين تاريخ النبوغ المغربي الشعري، مستهجنين موقف الرجل من الشعر المغربي الذي اقتات من حيثياته كضيف مرحب به دائما في الوسط الشعري المغربي، مسجلين مواقف كانت في أكثرها تنحو منحى التفكر في تلك العلاقة الإشكالية بين المركز الشعري والفرع، وأحوال تلك التبعية بين صوت القصيدة العربية في المشرق وصداها في المغرب. وعندما تم سحب جائزة المغرب للكتاب، صنف الشعر، لهذا الموسم، استرجع بعض المهتمين هذه المقولة، مستنبطين منها وضعا شعريا قاتما ومزريا عبرت عنه تلك التصريحات والتصريحات المضادة بين أعضاء لجنة الشعر التي خاضت في كل شيء إلا في الشعر، وتلك التعليقات والتدوينات التي تتبعت هذه النازلة بكثير من الأسف وكثير من الارتياب وكثير من الأسئلة حول حال ومآل القصيدة المغربية المعاصرة، الذي لا يسر لا قريبا ولا بعيدا. هل القصيدة المغربية الآن تقول شيئا؟ جل المؤشرات الإبداعية الموضوعية تقول بأن القصيدة المغربية تعيش أزهى أيامها، فعدد الدواوين الشعرية المنشورة خلال السنتين الأخيرتين، لاتساع وسهولة إمكانيات الطبع الشخصي بعيدا عن سلطة دور النشر، تنم عن حركيّة شعرية كبيرة، كما أن تنظيم عدد من الملتقيات الشعرية في عدد من مدن المغرب، بغض النظر عن عملية التصنيف والتقييم، يؤشر هو الآخر على وجود خلخلة كمية في الجانب التداولي للقصيدة المغربية، زادها اتساعا إمكانيات التواصل وتقريب وجهات النظر التنظيمية التي أتاحها الفايسبوك، كما أن حضور عدد لا يستهان به من الشعراء العرب، ودائما بعيدا عن التصنيف والتقييم، في الملتقيات الشعرية المغربية يؤكد هذه الحركية المحمودة ويزيد في رأسمالها الشعري. ولكن، متى كان الكم الشعري دليلا على صحة جيدة للمتن الشعري؟ هل يمكن اعتبار نشر عدد كبير من الدواوين الشعرية مقياسا للحديث عن عافية شعرية موجودة؟ وهل تنظيم ملتقيات ولقاءات شعرية متعددة ومتنوعة ومتفرقة جغرافيا يمكن اعتباره حالة صحية مبشرة بحياة شعرية سليمة؟ مثل هذه الأسئلة المرتبطة بالواقع تؤكد بأن الوضع الشعري لوحده غير كاف للتحقق من القول الشعري الجيد، كما أن تراكم النتاج الشعري، نشرا و تداولا، دواوين كانت أو ملتقيات، لا يمكن أن يكون معبرا عن جودة شعرية مطلوبة، وبالتالي، فالأسئلة التي يجب طرحها هي المرتبطة بالقصيدة في حد ذاتها وليس بواقعها التداولي. نميز أوليا بين مستويين من مستويات النظر إلى القصيدة المغربية الحديثة، المستوى الأول باعتبارها مجموعة قضايا مفاهيمية مرتبطة بالإبداع الشعري كعملية أدبية لها محددات فنية وفكرية ونقدية قائمة معلومة، وهي قضايا ذات تعلقات بالمفهوم والوظيفة والخلفيات والرؤية العامة للذات وللعالم وغير ذلك مما يدخل في نطاق الفهم الشعري للقصيدة. المستوى الثاني باعتبارها طريقة تعبير تستمد وجودها من آليات وأنساق شكلية، فنية بالدرجة الأولى، تعطي القصيدة تميزها الشعري من استعمال للغة وللصورة الشعرية وللإيقاع وغير ذلك من الآليات التي تدخل في نطاق التفسير الشعري للقصيدة.سنكتفي في هذا المقام بالمستوى الأول، على اعتبار أن المستوى الثاني يحتاج إلى تمثلات شعرية للتدليل والتوضيح لا تحتمله هذه الدراسة، مكتفين بالقضايا الكبرى للقصيدة المغربية التي تسعف في ملامسة إمكانيات قولها الشعري القويم. استطاعت القصيدة المعتمدة على النثرية بسط سيطرتها على المشهد الشعري المغربي، وكادت القصيدة العمودية أن تختفي عن التداول الشعري، كما توارت القصيدة التفعيلية عن النظر الشعري إلا قليلا. وفي الوقت الذي انحسر فيه تيار الحداثة الفكري لوجود فجوات تاريخية وإبستمولوجية في خلقه الأول، زادت سيطرة الشعراء الحداثيين الذين أمعنوا في التمرد على القصيدة المغربية الأولى متعمدين إحداث القطيعة النهائية معها مبتعدين عنها بخطوات شعرية غير محسوبة الشيء الذي أوصلها، في تقدير الكثير من المهتمين والمتتبعين، إلى الباب المسدود. هل استطاعت القصيدة المغربية المعتمدة في أغلبيتها المطلقة على النثرية ملأ مكانها الشعري وخلق تقليد شعري مغربي يمكنها من أخذ المكانة المطلوبة في سياق الشعر المغربي والعربي الحديث؟ هل هذه الموجة الإبداعية الجديدة من حياة القصيدة المغربية استطاعت امتلاك ناصية الكتابة المأمولة المؤسسة على وعي أدبي كائن أو ممكن مأطر معرفيا ومحدد نقديا؟ لماذا لم تستطع هذه القصيدة المغربية تجاوز الخاصية التي تلصق بها باعتبارها حركة شعراء وليست حركة مدرسة أو مدارس شعرية؟ وتبعا لهذا أين ذهبت جهود ( أصدقاء المعتمد ) و( رواد القلم ) و( الغارة الشعرية ) و( بيت الشعر )، وكذلك أين وصلت البيانات الشعرية المتعددة التي كانت تفصل القول في واقع ومستقبل القصيدة، إن على مستوى المفاهيم أو على مستوى التصورات؟هل تزايد نشر وتداول الدواوين الشعرية المغربية كان كفيلا بإخراج القصيدة من طور الهواية الشعرية إلى طور احتراف الشعر باعتباره عملا إبداعيا أوليا، وباعتبار الشاعر كائنا معنويا يجب أن يكون له الوضع الاعتباري الذي يستحقه في المجتمع؟ هل خفوت الانتماء الإيديولوجي للشعراء، وابتعادهم عن التعبير عن مواقعهم الطبقية ومواقفهم السياسة، هروبا أو تعففا، كان له دور في انحسار القول الشعري الوجيه والقريب من التلقي السليم؟ إذا كانت كتب مثل ( المصطلح المشترك ) و( درجة الوعي في الكتابة ) و ( ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب ) و( بنية الشهادة والاستشهاد في القصيدة المغربية المعاصرة )، بعيدا عن أي تصنيف إيديولوجي، قد واكبت القصيدة المغربية إبان وجودها الأول، وصاحبتها في اتجاه الاستواء والنضج، أين هو النقد الشعري المغربي الآن؟ وإن وجد، هل يملك من الوضوح النظري والمنهجي ما يمكنه من إسعاف القصيدة المغربية وإخراجها من حالة الخمود والسكون والفوضى؟ لماذا دائما يفضّل الشعراء المغاربة قتل الأب والبدء من درجة الصفر في الكتابة الشعرية، وكأن القول الشعري السوي لا ينطلق إلا منهم؟ هل يعتبر التقسيم الجيلي للشعراء المغاربة سبة في حقهم؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا لم يستسغ عدد من الشعراء تغيير حمولة تقسيم الأجيال الشعرية بالحديث عن حساسيات شعرية ممكنة؟ وهل هذه الحساسيات الشعرية الجديدة هي إضافة نوعية في مسار القصيدة المغربية، أم هي اجتهادات شخصية تحاول تجاوز الوضع الشعري القائم باحثة عن ممكن شعري آخر؟ ثم هل هذه الحساسيات تنطلق من وعي شعري ممكن بمشروع قصيدة نثرية مغربية محدد في خلفياته ومنطلقاته وأدواته أم ينعدم الوعي لديها؟ إلى أي حد يمكن اعتبار هذه الحساسيات أو التجارب الشعرية الجديدة حاملة لشروطها الإبداعية ومفهومها الشعري وتقنيات تعبيرها ورؤيتها للعالم، وناجحة في مسيرتها التاريخية البعيدة عن تراكمات القصيدة المغربية الحديثة بكل حمولاتها الإبداعية والنقدية؟ هل القصيدة المغربية كلا شعريا لا ينقطع ولا يتجزأ أم هي تجارب شعرية متفرقة ومتنوعة حسب الزمن وحسب الظروف وحسب الذات وحسب الهوى الشعري؟ هل القصيدة المغربية، الآن، تقول شيئا؟ منذ الميلاد الأول، في ستينيات القرن الماضي، آمنت القصيدة المغربية بما تقول، وأسست لكيفية قولها الشعري بوعي مفاهيمي ووضوح نقدي وانتباه تاريخي كبير، آخذة بعين الاعتبار كل التحولات التي مست الواقع الشعري العربي والعالمي، ولكن انفلات عقال قصيدة النثر وتمثلها للحداثة بدون وعي نقدي، وإصابة شعرية القصيدة المغربية بعيوب وأمراض فنية متعددة، وإغراقها في اللاشيئية التي أبعدتها عن فهم وإحساس المتلقي، وإصرار الكثير من الشعراء على التجريب الشعري مستلهمين تجارب بعيدة، غربا وشرقا... كل هذا وغيره أدى بالقصيدة المغربية إلى السقوط في مستنقع اختلط فيه الحابل الإبداعي بالنابل الشعري، وفقدانها لهوية شعرية كانت إلى عهد قريب أهم ما يميز المغرب الشعري الحديث والمعاصر. لن نتحدث عن المحيط الثقافي للقصيدة المغربية المرتبط بالسياسة العامة للسلطة، ممثلة في وزارة الثقافة والهيئات المرتبطة بها، وموقفها من الشعر والشعراء، لأن أغلب الشعراء المغاربة، على الأقل منذ أواخر الخمسينيات، كانوا يفكرون من خارج السلطة الثقافية للدولة، بل يعبرون عن اختيارات إبداعية وفكرية وثقافية مناقضة لها، في تماه تام مع مواقعهم ومنطلقاتهم واختياراتهم الاجتماعية والإبداعية والفكرية الخالصة، بعيدا عن توجيهات أو مصالح أو جوائز. هل القصيدة المغربية، الآن، تقول شيئا؟ لعل واقع الحال الشعري في المغرب يغني عن السؤال.


اقراء المزيد »