اخر المواضيع

دعم أمريكا للتشيع محاولة تفتيتية للعالم العربي


منذ فترة الاستعمار تتوالى مظاهر تفتيت الأمبريالية (المنتظم الدولي) للدول العربية واستضعافها، آخر وجوه ذلك التفتيت، وليس الأخير، هو انتصار أمريكا للتشيع. كيف ذلك؟ بعد أحداث ما يسمى الربيع العربي، ظهر للقوى الأمبريالية بالملموس أن العالم العربي بمئات ملايينه من أهل السنة، وليس إيران الشيعية وحزب الله اللبناني، يشكلون خطرا على استقرار ولائها بما يمثلون من قوة فكرية وعقدية قادرة، لو تم استنهاضها، على التحرر من الهيمنة التي دامت أزيد من قرن من الزمن وقادرة على تحقيق سيادتها على أوطانها ومقدراتها. لقد أبانت الثورات المضادة للثورات الشعبية التي وراءها الحكومات الغربية في كل من مصر وسوريا والعراق واليمن وليبيا عن مراجعات عميقة للمنتظم الدولي الأمبريالي لمفهوم الارهاب، تمت على أساسها مراجعة لقواعد لعلاقات الدولية. بعد الحرب الطويلة بين الغرب وإيران التي صنفت فيها الأخيرة بالراعية للإرهاب ومحور الشر، أدركت أمريكا وحلفائها أن التحدي الأكبر الذي يواجهها هو صعود القوى الاسلامية السنية الممتدة من المشرق إلى المغرب الاسلامي في أمان من خطر النزاعات الطائفية، وأصبحت الاستراتيجية الجديدة هي التفتيت العقدي والاجتماعي لخريطة هذا العالم الديموغرافي المسمى "أهل السنة والجماعة" بدعم التشيع ونشره وخلق تجمعات طائفية تنشغل إلى الأبد بالنزاعات والاختلافات والبحث اللانهائي عن التوافقات برعاية من القوى المهيمنة على العالم. لذلك تحالف الغرب مع إيران في العراق وسوريا ثم في اليمن، ثم أعطت الضوء الأخضر للدول الأخرى في المشرق والمغرب للتطبيع معها (إيران) ولتسهيل نشر التشيع وتسريع وتيرته باسم حرية المعتقد؛ كل ذلك لغاية تحجيم عدد أهل السنة والقضاء على عنصر الوحدة بينهم وبالتالي الحد مما يسمونه خطر صعود الاسلاميين بدون منافس. بالنسبة للأوروبيين ولنقل الأمبريالية، هناك حاجة ضرورية لهذه الاستراتيجية بعد سقوط قلائع التيارات العلمانية التي أصابها الوهن ولم تعد قادرة على ضمان ولاء الشعوب؛ وهي حاجة ماسة إلى تعميم تجربة الطائفية في لبنان ليظل التناحر والاختلاف قائما ولتتسع دائرة دمار البنيات الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة العربية بأسرها، وتظل حاجة البنيات الجديدة إلى الاستعانة بالقوى المهيمنة وأموالها لتؤمنها من الخوف والجوع . نتيجة هذه الاستراتيجية، إذن، هي تراجع أوربا عن وصف إيران بالدولة الراعية للإرهاب والتعاون معها، بل السكوت عن الجرائم البشعة التي يرتكبها الشيعة في حق الملايين السنيين، في مقابل تضخيم أخطاء وانزلاقات تنظيم الدولة الاسلامية (د.ا.ع.ش) وأعماله الارهابية، بل الترويج له إعلاميا وتوسيع رقعته على قاعدة "الممنوع بالقوة مرغوب فيه" بالعداء المبالغ فيه على حساب القوى الاسلامية الوسطية المعتدلة. ومن أسوأ مظاهر هذه الاستراتيجية السماح لإيران بالتدخل المباشر في كل ربوع العراق والشام واليمن، بينما الحكومات العربية خصوصا السعودية ودول الخليج ممنوعة هي وشعوبها من حقها في الدفاع عن أهل السنة، بل فُرض على بعضها الانخراط فيما يسمى الحرب على الإرهاب خوفا من تهمة دعمه ورعايته؛ وأكبر دليل على ذلك هو "عاصفة الحزم" التي لم تسمح بها الدول الغربية ولم تخطط لها إلا بعد فوات الأوان ولغرض التعقيد و"التوازن" بين الشرعية والانقلاب في اليمن؛ وإلا لمَ لا أولا "عاصفة حزم" لاستعادة الشرعية في مصر ؟! وربما تأتي في يوم من الأيام بناء على هذه الاستراتيجية لاستعادة التوازن لصالح الانقلابيين، وليس لدعم غير مشروط للشرعية. إن الحالة الراهنة تستدعي وقفة جادة من المفكرين والسياسيين المخلصين للنظر فيما تخططه القوى الامبريالية لبلدانهم من النزاعات المهلكة للجميع والشيطنة التي لن يستفيد منها إلا "الشيطان الأكبر" والكيان الإرهابي الصهيوني.

0 التعليقات: