اخر المواضيع

"الهوية أم المواطنة: قراءة في دساتير المغرب، تونس، مصر"







كان للسياق التاريخي دوره الحاسم في بصم دساتير الربيع بطابع النصوص الموزعة بين هاجسي الهوية و المواطنة.فمن جهة شكلت هذه الدساتير موضوعا وهدفاً لموجة تصاعد خطابات الهوية كإحدى الآثار المباشرة لدينامية ما عرف ب"الربيع العربي"،و من جهة أخرى أسهم انفتاح معادلة كتابة الدستور على فاعلين جدد يمثلون تعبيرات مدنية و حقوقية واجتماعية، في الانتقال من رهان السلطة ،كهاجس صناع الدساتير ، الى هاجس المواطنة و الحقوق. ولعل هذا ما جعل من مطلبي إعادة بناء الهوية "الوطنية "،و التأسيس الدستوري للمواطنة ،محورين مهيكلين للحوار العمومي الواسع الذي شهدته بلدان الربيع في المرحلة ما بعد انفجارات 2011 وإذا كان حضور خطابات الهوية و المواطنة ،خلال هذا الحوار،قد تميز بالتضخم ،كما وصل في بعض الحالات الى وضعية تقاطبات حادة بين الفاعلين السياسيين،فإن الصيغة النهائية التي ستظهر بها هذه الدساتير ستكون في النهاية حاملة لتوترات قيمية واضحة ،بين مرجعيتي "الهوية"بإحالاتها على منطق الخصوصية ، و "المواطنة"بإحالاتها على منطق الكونية لذلك فإن جزءاً من الصراع حول سياسات الهوية، في لحظة ما 2011كان بالضبط يكمن في اختزال الهوية في بُعد واحد وتأسيس الانتماء على ذلك البعد، وهو ما من شأنه ألا يحترم تعقد واقع الهوية وتشابكه. داخل لحظة التقاطب والتفاوض والتنافس بين الإدعاءات الهوياتية، برز الرهان على الجواب الدستوري، وهو ما أضاف لمسار الدسترة المعقدة في المرحلة الانتقالية التي تلت الثورات، سبباً جديداً للتوتر، ألا وهو سؤال الهوية. بعيداً عن أي تجريد في وصف طبيعة تفاعل الوثائق الدستورية مع الادعاءات الهوياتية المنفجرة، بعد الثورات، يمكن استعراض الحالات الثلاث المتحققة لحد الآن، حالة الدستور المصري الأول بعد الثورة،(دستور الهيمنة الأيديولوجية) حيث مُحاولة دسترة الإدعاءات الهوياتية للفاعلين "المهيمنين" إيديولوجياً ضمن خريطة موازين القوى، ثم حالة الدستور المصري الثاني،(دستور الغلبة السياسية) حيث يحضر هاجس تعطيل مظاهر "الدستور الثقافي" الحاضرة في دستور 2012، ثم حالة الدستور التونسي (الدستور التوافقي)الذي يقدم معالجة توافقية بين الإدعاءات الهوياتية المتقاطبة، ويُغلب روح التسوية على منطقي الهيمنة أو الغلبة. مغربياً شكل الدستور المغربي لحظة للترضيات بين مختلف الادعاءات الهوياتية ،مما جعل الوثيقة الأسمى تختار دسترة الهويات الفرعية ،منطلق الترضية هذا، هو الذي جعل البناء المرجعي للدستور غارقاً في التباسات اللغة الدينية واللغة المدنية، بشكل يسمح بتقديم حجج للدفاع عن إسلامية الدولية، كما يسمح بتقديم حجم مضادة للدفاع عن مدنية الدولة. وهذا ما يجعل الدستور يواصل مخاتلاته في موضوع القضايا الخلافية، ويساهم في إنعاش خطابات الهوية وهي خطابات لا تسعف دائماً على انبثاق مفهوم المواطنة وثقافة حقوق الإنسان، خاصة إذا اهتمت بمنطق الماحصصة بين الهويات الفرعية وليس بمنطق الهوية الجامعة. المؤكد أن هذه الإلتباسات، تغدي التوتر القيمي والمعياري الذي ينتجه النص وينعكس على تجاذبات القراءة التأويلية، بين الديني والهوياتي والخصوصي من جهة، وبين الكوني والحقوقي من جهة أخرى، وهي تجاذبات تبدو بعض مقتضيات دساتير الربيع قابلة لها، مثل حالة الفصل 19 من الدستور المغربي ،الذي يجعل تمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة، بالحقوق والحريات، مشروطاً بنطاق ثوابت المملكة، أو حالة الإلتزام الوارد في التصدير بجعل الاتفاقيات الدولية تسمو على التشريعات الوطنية، لكن في نطاق هوية المغرب الراسخة. ولاشك أن هذا التوتر مرده إلى عدم الحسم في المرجعية التي ستؤطر المجتمع، وهذا ما يعني في نهاية التحليل استمرارية التوافقات الغامضة والهشة على حساب الإختيارات السياسية والثقافية الواضحة المتعلقة بالمشروع المجتمعي للبلدان العربية . فإذا كان سياق دستورانية الربيع،في حالتي مصر وتونس ،قد حَمَّل الوثائق التأسيسية وِزر الجواب على إشكاليات ثقافية ومجتمعية عميقة ومعقدة، فإنه لابد من التساؤل عن حُدود هذه المعالجات القانونية/الدستورية/السياسية، للتقاطبات الهوياتية ؟ سواء انطلقت هذه المعالجات من هاجس التسويات التكتيكية أو من هاجس دسترة الإدعاءات الهوياتية للفاعل المُنتصر في جولة التدافع السياسي لمرحلة ما بعد اليوم التالي للثورة. وهذا ما يجعل في نهاية التحليل ،من هذه الأسئلة الثقافية والقيمية بالنظر لحجمها وطبيعتها ،تتجاوز سقف و إمكانيات الجواب الدستوري والقانوني . وهذا ما يعني من جهة أخرى ، بانه لايمكن بسهولة الإقرار بأهمية دساتير مابعد 2011،كوثائق للحقوق وكنصوص للمواطنة ،دون إثارة الانتباه الى التوترات التأويلية التي قد تعرفها هاته الوثائق على ضوء "تناقضها المحتمل" مع مكونات الدستور الثقافي ،دستور الهوية .


0 التعليقات: