قراءة في الفصل 133 من الدستور الدفع بعدم الدستورية
الاثنين 07 يوليوز 2014 - 22:03
الدفع بعدم الدستورية هو '' إجراء يتقدم به المدعي في دعوى موضوعية أمام إحدى المحاكم الموضوعية ويطعن بمقتضاه بعدم دستورية نص أو نصوص قانونية لها ارتباط بالدعوى الرائجة أمام المحاكم المذكورة وفقا للمسطرة القانونية المعمول بها حسب كل تشريع ''. ويعتبر الدفع بعدم دستورية القوانين مظهر من أهم تجليات ضمان مبدأ المشروعية الدستورية في شتى أصناف القوانين والمراسيم التي تصدرها الدولة، فبموجبه يلزم المشرع على إلغاء أو إعادة النظر في كل تشريع يتعارض مع الدستور ويخرق حقوق وحريات الأفراد ، وذلك بإعادة صياغته وفق مبدأ المشروعية التي تضع قيودا لصالح الأفراد والتي لا يمكن لأي دولة ديمقراطية أن تحيد عنها في أعمالها القانونية وتصرفاتها الواقعية. في الأنموذج المغربي، فإن وجود "المحكمة الدستورية" في الدستور المغربي السادس النافذ حاليا، وإناطة مهمة الرقابة القضائية عن طريق '' الدفع بعدم الدستورية -رقابة الامتناع- '' على دستورية القوانين بها- أي إنشاء قضاء دستوري متخصص في المغرب-، يعد تطورا دستوريا وديمقراطيا مهما، لكن الإشكالية التي تطرح هنا تخص بالأساس الخصائص القانونية لمسألة ''الدفع بعدم الدستورية'' و هل يعكس فعلا النص الدستوري حقيقة خصائص الرقابة البعدية ؟ و ما هي الغايات و الأهداف من وراء التنصيص على هذه الآلية القضائية الجديدة ؟ الدفع بعدم الدستورية : الأهداف و الغايات المنتظرة تظهر التجربة المغربي في مجال الدفع بعدم الدستورية متأخرة، قياسا مع العديد من الدول كالولايات المتحدة الأمريكية، ألمانيا، و اسبانيا، فرنسا، مصر،....وإذا كانت مبررات استبعاد هذه الآلية الرقابية من قبل عديدة، منها خصوصية النظام المغربي المتميز باعتبار الملك '' القاضي الأعظم '' و بالتالي من غير الممكن مراجعة القانون الصادر الأمر بتنفيذها لأنها '' مختومة و مزينة بالظهير ملكي ''، فان إدخال هذه الآلية إلى المنظومة القانونية المغربية قد اقترن بتجاوز عقبة في موضوع مراقبة دستورية القوانين، و رام تحقيق الغايات الآتية: منح حق جديد للمتقاضين تطهير النظام القانوني من المقتضيات المخالفة للدستور إرجاع مكانة الدستور في قمة النظام القانوني تجاوز الإطار الضيق للمراقبة القبلية، و التو و النواقص المرتبطة بها، متمثلة في كونها مراقبة مجردة و إثارتها محصورة في الدائرة السياسية سرعة البث بخصوص دعوى المسالة الدستورية ذات الصلة الأولية التي تبقى في حدود معقولة، حيث ستكون عمرها الافتراضي سنة على الأكثر طبيعة الآثار الناتجة عن التصريح بعدم الدستورية التي تتجاوز الطابع الفردي للدعوى المحالة على المحكمة الدستورية، لكي تمس كل الذين يمكن أن يطبق عليهم المقتضى التشريعي المطعون فيه. الفصل 133: قراءة تحليلية وسع الدستور الجديد من دائرة أطراف الدعوى الدستورية حيث نص في فصله الثالث والثلاثين بعد المائة على أن المحكمة الدستورية تختص بالنظر في '' كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون، أثير أثناء النظر في قضية، وذلك إذا دفع أحد الأطراف بأن القانون الذي سيطبق في النزاع يمس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور، يحدد قانون تنظيمي شروط وإجراءات تطبيق هذا الفصل ''. يتبين لنا بأن المشرع الدستوري المغربي، قد اعتمد أسلوبا مغرقا في العمومية والإطلاق، وهذا ما يستشف من مثن مادته اللغوية على النحو التالي: كل دفع متعلق: فلفظ الكل يدل على معناه دلالة عامة تستغرق جميع عناصر مدلوله. وعبارة أثناء النظر في قضية: فالمشرع عبر بصيغة النكرة لتدل على العموم والإطلاق. وعبارة إذا دفع أحد الأطراف: هنا المشرع عبر بهذه الصيغة الشرطية ليضيق من دائرة العموم، لكنه لم يحدد طبيعة أطراف الدعوى هل المقصود منهم أطراف الدعوى الأصليين أم الانضمامين؟ وهل يجوز للنيابة العامة وللجمعيات أن يمارسوا الدفع بعدم دستورية القوانين أمام محاكم الموضوع؟ وهل يجوز للمتدخل التبعي كما يجوز للمتدخل الأصيل في الدعوى، أن يثير الدفع بعدم دستورية القوانين؟كل هذه التساؤلات التشريعية سيبقى صداها مترددا عبر أفق التشريع و الفقه والاجتهاد القضائي، لأنهما الكفيلان بالإجابة عن كل التساؤلات والإشكاليات القانونية. الخصائص الرئيسية لدعوى ''الدفع بعدم الدستورية'' بالرجوع إلى الفقه الدستوري المقارن و مقارنته بالأنموذج المغربي، نجد أن المسطرة الدستورية المحددة في الفصل 133 من الدستور المغربي ليست بشكل دقيق دفعا بعدم الدستورية،- l’exception- الذي يفترض '' أن القاضي العادي المختص بالنظر في الدعوى الأصلية مختص أيضا بالبث في الدعوى الدستورية كما هو الحال في التجربة الأمريكية '' . في حين أن الآمر يتعلق بمسالة فرعية – préjudicielle- تلزم القاضي الذي أثيرت أمامه بالتوقف عن البث في الدعوى الأصلية و انتظار صدور قرار عن القاضي الدستوري المختص في حسم النزاع. إن المحكمة الدستورية تبث في مسألة الدفع الفرعي وفق منطق '' القضاء العادي '' حيث لا تحاكم أي وضعية خاصة، و إنما تبث في علاقة المقتضى التشريعي المعني بالنص الدستوري، مما جعل يجعل من الدعوى الدستورية، دعوى قانونية و ليست واقعية مرتبطة بوضعية متغيرة، و بالتالي وجود مسافة بين الدعوى المرفوعة في الموضوع و مراقبة دستورية القوانين، الشيء الذي يبعدها بالتالي جوهريا عن خصائص المراقبة البعدية من خلال محافظتها على قاعدتي التجرد و الموضوعية المرتبطتين بالمراقبة القبلية للدستور. وبالنظر إلى ما تقدم فان مسالة الدفع الفرعي ، في الأنموذج المغربي، تحمل أربعة خصائص رئيسية: إنها دعوى منفصلة، منذ لحظة إثارتها إلى حين البث فيها من قبل المحكمة الدستورية عن باقي المكونات القانونية للدعوى الأصلية هي دعوى لا تتعلق بالنظام العام، بل حق للأطراف، ولا يجوز للقاضي إثارتها من تلقاء نفسه كما أنها ليست دعوى رئيسية، فهي دعوى تابعة، و تصبح نزاعا رئيسيا حينما تتم الإحالة على المحكمة الدستورية ثم هي دعوى موضوعية و ليست شخصية، حيث اللجوء إلى المحكمة الدستورية، يبقي على مراقبة مجردة للنص، باقتصار فحصه لمدى مطابقة المقتضيات التشريعية للدستور دون الحسم في النزاع القائم بين الأطراف ولذا فإنه يلزم الحفاظ على هذه المحكمة وعلى اختصاصاتها، والعمل على تنفيذ أحكامها- ولاسيما أحكامها بعدم الدستورية- في مواجهة السلطات العامة في الدولة والكافة من الأشخاص الطبيعية والاعتبارية إعلاء للشرعية الدستورية وضمان لحقوق الأفراد وحرياتهم.
0 التعليقات: