اخر المواضيع

ملاحظات على بيان حركة ضمير







ثمة ملاحظات أساسية على البيان الذي أصدرته حركة "ضمير" الأحد الماضي، إذ على الرغم من أن هذه الحركة لم تترجم أرضيتها التي أطلقتها السنة الماضية، ولم يظهر لها أداء عملي يعكس تطلعاتها وطموحها الضخم، اللهم بيانات يتم إطلاقها بين الفينة والأخرى، إلا أن المناسبة تفرض التعليق على هذا البيان الذي تزامن مع الدخول السياسي ومع إعلان بعض المركزيات خوض إضراب وطني في الثالث والعشرين من شهر شتنبر الجاري. البيان في مجمله حاول أن يقدم تشخيصا قاتما للوضعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمغرب، كما حاول أن يحدث نوعا من التوازن في توجيه النقد إلى الحكومة والأحزاب معا، وإن كان النصيب الأكبر من النقد قد توجه إلى الحكومة، بل إلى رئيسها بالذات. وأخطر ما في هذا البيان أنه رسم صورة سوداء عن مغرب مهتز سياسيا ومنهار اقتصاديا وهش اجتماعيا ومهدد بانفجار اجتماعي قوي وبتمدد وتغول الإرهاب والتطرف، أو ما أسماه البيان بدخول المغرب إلى المجهول !

أول ملاحظة يمكن تسجيلها على البيان أنه جاء يعكس نفس أدبيات التيارات الراديكالية التي لا تهتم بالتدليل والاستناد إلى المؤشرات في تقرير النتائج، فقد خلا البيان جملة وتفصيلا من أي رقم أو استدلال علمي يمكن أن يدعم الصورة القاتمة التي رسمتها حركة ضمير حول المغرب، فالمؤشر الوحيد الذي استند إليه البيان في تبرير وجود احتقان اجتماعي هو إعلان بعض المركزيات النقابيةعن إضراب 23 شتنبر، وهو مؤشر ضعيف لا ينهض لإثبات وجود مثل هذا الاحتقان بدليل وجود سوابق السنة الماضية لحراك هذه المركزيات، والذي لم يكن له أي تأثير على السلم الاجتماعي، بل كشف بالملموس الاصطفافات السياسية للنقابات الداعية للإضراب.. ثاني هذه الملاحظات، أن البيان لم يأت على ذكر أي رقم يتعلق بتحسن الوضعية الاقتصادية وإعادة التوازنات الماكرو اقتصادية، مع أن الأرقام والتقارير الوطنية والدولية تدعم هذا الواقع، فقد كان الحد الأدنى من الإنصاف يقتضي الإقرار بعافية الاقتصاد الوطني، ووجود مشكلة في النموذج المجتمعي تتعلق بتوزيع ثمار النمو على الطبقات المعوزة والفقيرة والهشة. ثالث هذه الملاحظات، تتعلق بتوصيف الحالة السياسية للمغرب، فقد جاء البيان أشبه ما يكون بنشرة سياسية لبعض المكونات العدمية، التي أصابها عمى الألوان، فصارت لا تميز بين حالة الاستقرار والإصلاح الفريدة التي يعيشها المغرب، وبين حالة الفوضى والحرب والاحتقان السياسي الذي تعيشه العديد من البلدان العربية، بل إن العمى وصل حد تبخيس الدور الفعال الذي يقوم به المغرب لتحصين ترابه وشبابه من التطرف والإرهاب. رابع هذه الملاحظات يتعلق بالنقد الذي توجه إلى الأحزاب والذي حرص البيان فيه أن يكون انتقائيا يذكر بعض الأحزاب دون بعض، فيركز على الأحزاب التي تخوض الصراع السياسي بأسلوب الشتائم – يقصد بذلك حزب الاستقلال- والأحزاب التي تعيش أزمات تنظيمية لم تستطع الخروج منها في إشارة إلى حزب الاتحاد الاشتراكي، بينما لم ترد أي إشارة تتعلق بحزب الأصالة والمعاصرة ، مع أنها كثيرة ودالة ولا تخطئها العين، فقد كان الالتزام بالبعد عن الاصطفاف إلى جانب الأحزاب من جانب حركة ضمير يفرض أن تفرد إشارات كافية لكل الأحزاب الديمقراطية الوطنية حتى تنزع الحركة عن نفسها أن تكون مجرد ضمير لحزب الأصالة والمعاصرة بدل أن تكون ضميرا للشعب في هذه المرحلة الدقيقة. أما الملاحظة الرابعة، فتتعلق بتوصيف وتحليل خطير، يتهم السياسات الحكومة بالقصد في نشر الفقر والبطالة ونشر الإجرام والانحراف، ومقايضة الأمن بالمطالب الاجتماعية والسياسية، واستغلال ما آلت إليه أوضاع الربيع العربي. وبصرف النظر عن خلفيات هذا الاتهام الخطير، فإن تقرير هذه النتيجة تتناقض جملة وتفصيلا مع مشمولات هذا البيان، إذ في الوقت الذي يتم فيه الحديث عن احتمال وشيك لانفجار اجتماعي على خلفية القرارات الحكومية اللاشعبية، يتم في المقابل الإقرار ضمنيا باستمرار السلم الاجتماعي خوفا من انهيار الأمن وبكون السياسات الحكومية تعمل بقصد على الزيادة في منسوب مؤشرات انهيار الأمن حتى تضمن بذلك ديمومة السلم الاجتماعي. فهذا التحليل الغريب، لا تسنده أي تجربة موجودة في العالم، إذ لم يحدث أن ساعدت انهيار مؤشرات الأمن في الحفاظ على السلم الاجتماعي، بل ثبت بدليل استقراء تاريخ الحراكات والهبات الاجتماعية أن انهيار بعض مؤشرات الأمن يزيد في شرارة الحراك الاجتماعي. أما الملاحظة الخامسة، فتتعلق بحشد كم هائل من القضايا التي لا يجمعها جامع لتوجيه ضربة سياسية إلى الحكومة، فقد ركم البيان التطرف والإرهاب والجريمة والانحراف إلى جانب العنصرية وتنامي التوجهات المناهضة للحريات والحقوق، ووضع الكل في سجل قاتم أسود تم نسبته إلى السياسات الحكومية، في حين لم تحمل حركة ضمير، باعتبارها فاعلا مدنيا، أي مسؤولية للمجتمع المدني عن بعض هذه القضايا سواء كانت جدية أو وهمية. في المحصلة، لا يختلف بيان حركة ضمير عن أي بيان لحزب الأصالة والمعاصرة، فطبيعة الحركة المدنية، يفرض عليها أن تقدم تحليلها للوضع السياسي، وأن تدق ناقوس الخطر إن رأت ما يوجبه، لكن، ذلك يفترض أن يتم بصياغة الفاعل المدني الذي يحمل المجتمع أيضا مسؤوليته في الظواهر التي يعرفها المجتمع المدني، لا أن تتحول إلى لغة الفاعل السياسي الذي لا يهمه سوى توجيه ضربات لخصمه في الحكومة ولو كان ذلك ضد مقتضيات الضمير.


0 التعليقات: