اخر المواضيع

أزمة المعارضة...







أزمة المعارضة: افتقاد المصداقية، وانحسار الفعالية، وضياع الحلم، وانعدام البديل سأحاول في هذه المقالة مقاربة مشروع أطروحة عن الاسباب العميقة لأزمة المعارضة السياسية في المغرب، وذلك بالاجابة عن سؤال: لماذا فشلت المعارضة- لحد الان -في اسقاط حكومة الاصلاح الديمقراطي، وعجزت في كل محاولاتها ومناوراتها العديدة أن تكون بديلا سياسيا ناجعا لها، ولماذا لن تكون هذه القوى القائمة –في المدى المنظور-هي رائد الانتقال في البلد والمعادل الموضوعي لنخبة الاصلاح السياسي في البلد وفي طليعتها العدالة والتنمية، التي تعزف ايقاعا مختلفا في ممارسة الشأن العام. لنبادر بالمحاولة ونباشر الجواب بالسؤال : هل يصح فينا اليوم حال الغريق الذي يسعى إلى المسك بكل شيء حتى ينجو من الغرق، فيكون اليأس حالنا والعجز سمة أفعالنا؟ أم هي صورة المنتفض والثائر الذي يرفض الموت ويتعلق بالحياة؟ بين هذا وذاك تقف مجمل مكونات المعارضة المؤسساتية و كذا الانتظارية، الحرة من التتزام الواجب التاريخي لتأمين الانتقال الديمقراطي اليوم، تقف تلك المعارضة متشككة ومرتابة ومفككة وغير واثقة التصميم والعزيمة في حيرة من أمرها ونهجها وخطها السياسي المفقود. لقد سلف وأن جربت السكون أو المسكنة وامتهنت دخول بيت الطاعة السلطوي وجربت الاستثمار في الخطاب التحكمي ولو على أطراف الأصابع أوفي غفلة من الناس، فكان مآلها ما يشبه العدم والانسحاب من الدور والوظيفة، فلا هي صعد سهمها عند مؤيديها حيث تعلقت بها صفات فقدان الحرية والاستقلالية في الرأي والارادة واستئجار المواقف لصالح قوى الردة الديمقراطية، ولا هي نالت رضا الاستبداد خارج الإطار الذي سطره لها...أدوار وهمية وشهرة زائلة ومصداقية في الحضيض . جربت الصياح والغضب والضجيج وإنشاء المبادرات والدعوة إلى المقاومة السلطوية للديمقراطية واختيار الشعب في المرحلة وراهنت على الشارع للانتفاض والخروج وتجريب صيغ فشلت في موطنها لتعطيل السياسة في البلد، فوجدت أن الجميع من هواة الدخول والتزام الاستقرار والثقة في خط الاصلاح وتأمين الانتقال، وبقي الشعب يرفض حتى سماع صدى أنفاسه وهي تغالبه وتدعوه من بعيد وتغري بعض قطاعاته بالخروج في اشكال ليس أخرها الاضراب العام... وصار الصراع وهميا من وراء الحواسيب أو في العلن، ولكن بدون عدة ولا مقومات ولا جاهزية ولا مصداقية. جربت التلويح بالمقاطعة الانتخابية –فصارت الى عزلة، ولم يلتفت الى عرضها التفاوضي المبتز-فدخلت بيتها وأغلقت أبوابها وظنت أنها إن لم تسمع شيئا داخله، فالصحراء من حولها محيطة. قالت لشعبها هَيتَ لكم، وهي مرابطة وراء الكوة وتحميها الجدران، انسحبت القهقرى دون مشروع بديل سوى المقاطعة من جهة أو الضجيج العابث من جهة اخرى، فوقعت القطيعة مع جماهيرالشعب التي تترقب اصلاحا موعودا بالرغم من بعض أكلافه القاسية. جربت المراهنة على المصالحة والايهام بركوب نزعة الاصلاح والعمل من داخل مركبه لتكريس الابتزاز كنهج في السياسة أدمنته، وصدحت بمشاريع حالمة تحفظ لها ماء الوجه للجميع وتخرج البلاد من هذا الذي تحسبه الظلام والسواد حسب ما تظن وتعلن، فوقع تهميشها واستبعادها بل واستعمالها ضد الاستحقاقات الديمقراطية والرهانات الاصلاحية... جربت المساومة ورمي المنديل والخروج من الحلبة على صغار وأيقنت أنها فاشلة في مسعاها ، فما شفع لها ذلك وفقدت كل شيء وتفككت وهزلت وارتعبت وصارت فاقدة المصداقية مثيرة للشفقة والحزن، متحصنة بقلعة التاريخ والماضي النضالي المجيد الذي باعته بثمن بخس. اعذروني إن بسّطت الأمور في بعض ثناياها ولكني أجزم أن وضع المعارضة في بلادي اليوم، لا يخرج من هذه الحالات أو السيناريوهات التي تشبه الكوميديا السوداء، مسرحية بليدة، وجمهور نائم أو تريد هي أن تبعده وتمارس السياسة في غياب الجمهور، ولا يريد مغادرة القاعة، وأضواء تأبى على الانطفاء، فتريح الجميع وتستريح. هذه المعارضة التي تعيش ولا شك مأزقا لا يريد البعض البوح به، حتى لا يقال أنه يغرد خارج السرب، أو أنه يدعو إلى خطاب العجز والتعجيز، أو أنه ميّال إلى الضفة الأخرى... اقرأوا إن شئتم أقوال بعض أطراف المعارضة وحواراتهم ومقالاتهم ونبض أنين مناضليهم الشرفاء، وسوف ترى المرارة عند البعض وهي تعلو كل حرف وجملة، مرارة من الخيبة ومرارة من الطعن في الظهر، مرارة من الصديق ومن الحليف ومن المنافس... أو ترى حالة التشكك وبعض الإحباط وحتى اليأس يلف مكامن القول والفعل، الخطاب والممارسة في صعيد ميادين السياسة والفضاء العام، هي تستبدل عجزها بالزعيق والضجيج والتشويش... انظروا إلى بعض المقترحات والمبادرات الأخيرة وسوف تجدون رائحة العجز والإحباط المقنع واليأس والرداءة والقتامة... تسليم بالموجود والمراهنة على المجهول وحتى على اللا معقول... انظروا إلى حال القادة والزعماء بأفعال الامر الذين منوا باعتلاء منصة المسؤولية بعد انجاز وعد الانقلاب الناعم استغلالا للوضع الاقليمي المضطرب والمفكك. انظروا إلى حال البعض في مقترحاته وهو يسقط حقوقه وحقوق الآخرين قطعة قطعة وهو يذكّرك بالقصة المعروفة لذلك الذي قيل له وهو يريد إثبات ذاته بنزع كل ثيابه حتى يعرفونه، وحالهم يقول له : والله لو بدلت جلدك ما عرفتك. ليس سهلا أن تشخّص العلّة، وإن كان الداء في حالنا يبدو أقل تخفيا وأكثر فتكا، ليس هيّنا أن ترفع أصابع الاتهام وأنت المتهم والمدعي والقاضي، غير أن استفحال المرض والذي تستشفه بين الأسطر والأقوال والأفعال، يؤكد دون مواربة أن هناك أزمة بنيوية مستعادة داخل بيت قوى المعارضة المؤسساتية والرابضة في قارعة الانتظار. هنالك مأزق حاد يسكن خطابها، وارتباك عنيد يكتنف حراكها الرمزي والمعاين، وفقدان بوصلة نضالية تتجه صوب الاستبداد وقواه الكامنة يستوطن منهجية عملها. هناك أمراض عديدة تنهش أطرافها وتلبد سماءها وتهمّش دورها وتضعف فعاليتها، أمراض مللنا ذكرها والتعرض إليها لأنها أصبحت من المسلمات والبديهيات التي يعلمها الكثيرون والتي لا يزال الاستبداد-الحالة ونمط تدبير الحكم والامساك بمنافذ الشرعية السياسية- يراهن على دوامها بل يؤكد تأبيدها وادامتها، لأنه يعلم أن بقاءه ليس وليد صحته وسلامته ونجاعته، ولكنه نتيجة غياب البديل الجدي والواعد والفاعل... ما المرض الذي ألم بجسم هذا الكيان المتداعي المسمى بقايا أحزاب وقوى معارضة : يتشخص مرضها إذن في: -فشو نزعة في الزعامة والتحكم مفرطة، حيث يلوح من بعض الخطابات قولة لا اصلاح من دون مصالح ولا انتقال من دون رعاية نفوذي وبقاء كياني، ولا أمل في الحضور السياسي من دوني وليس بعدي إلا الطوفان.. -المرض، استناد إلى التاريخ أكثر من الجغرافيا، استناد إلى الأمس أكثر من اليوم والغد، استناد إلى شرعية التاريخ وأشهر السجن وسنوات المنفى أكثر من الاستناد إلى الفعالية اللحظية ومناسبة الشخص والفعل والمنهجية لعنصري الزمان والمكان حتى مع بيع كل ذلك الرأسمال الرمزي الذي بناه الكبار من القادة... -المرض، نرجسية غالبة، الكل في مكونات هته المعارضة-التي تعارض الحكومة الانتقالية النابعة من رحم الشعب، لصالح قوى النفوذ السلطوي- فالكل يزعم أنه سوف يأتي بما لم يأت به الأوائل، ويرفض البناء والتراكم على من سبق ولو كان فيه كثير صحة وسلامة..، -المرض، لعب لأدوار وهمية والمراهنة على شهرة زائلة ومواقع فجة ورسائل غير مضمونة الوصول... -المرض، الشدة والمغالاة، وخلط بين الحزم والتشدد اللفظي والمراهقة العجلى في السياسة والاصلاح، رفض للحلول الوسطى التي تقرب ولا تبعد، وتبني للمستقبل ولا تتسرع وتحرق المراحل، وتشبث غريب ومزعج بعمى الايديلوجيا المقيتة التي يراها أهلها أنها لا تناقش، كالحجرة الصمّاء في واد غير ذي زرع. دعوا عنا النرجسية وغلبة الأنا، دعوا عنا الحلول المغشوشة والمساومات المفضوحة، دعوا عنا الشدة في غير موقعها، والتذلل والانسحاب والسقوط بدعوى المرونة... دعوا عنا التفسير التآمري للماضي والحاضر والخصم والفاعلين والناس والقوى، وعلينا بأنفسنا من غير جلد للذات أو نبش للقبور... إني لأقف في بعض الأحيان صامتا أداعب قلمي، يصفعني الملل والضجر، أحدث نفسي عن مشوار هته المعارضة –نقديا-ولا أجد غير الاسترجاع لذكرى مرت بها معارضة وطنية نابضة مرت من شوارع الوطن وسكنت مخيلات جزء من نخبه والناس، مرت وانتهت، ولا تكاد تجد اليوم غير الصحراء قاحلة ترافقني في دربي أو تدغدغني بين الفينة والأخرى أضغاث أحلام... لن أسترسل في الحديث فهي كلمات عابرات، تؤكد ما سبق، وتذكّر بما حصل في رحم التاريخ وما آل اليه الوضع الذاتي لتلك القوى. ليست جلدا للذات السياسية، ولا وقوفا على الربوة من عل في استكبار وغرور، ولا فرارا من المسؤولية التاريخية في ضرورة انجاز التوازن السياسي الماسك ببديل آخر لقوى التحالف الذي يدبر الشأن العام الان وفي طليعته العدالة والتنمية. ولكنها هموم اللحظة وعنفوانها، وفوران الإرادة وانطلاقها، وصلابة العزيمة للخروج من هذا المأزق الحاد الذي طال ليله ولعله يزداد ظلمة وفتكا. وهي دعوة صادقة وعلى استحياء لضرورة الإحساس الجماعي بخطورة الموقف والمسؤولية الكبيرة تجاه وطن جريح ومواطن مكلوم يبحث، ولو بصمت أحيانا، على خلاص، ولا يجد فينا غير السراب...


0 التعليقات: