عدنان: الشعر غارةٌ تشنّها الحياة على ضرّاتها العبوسات
الاثنين 29 دجنبر 2014 - 17:35
قبل عشرين عامًا، كانت الألفية تلفظ أعوامها الأخيرة، وكان العالم يترقّب رأسًا منكوشة الشعر مثل مكنسة يسمّونها مجازًا رأس السنة. كانت تكنس أوراق الخريف ومعها سنوات العمر بهمّة جلّاد. وكنّا نجتمع في المقهى، مثل إرهابيين نبلاء، نخطّط لغارة ثانية وندبّج بلاغات عجولة نطلقها في وجه العالم الذي لم يكن بَعْدُ هذه القرية الصغيرة المتشابكة مثل كبّة خيط. (بــــلاغ 1 نستطيع الزّعم أن الغارة الأولى قد توفّقت في صلة الرحم الشعري وإمداده بما يكفي من ماء الخصوبة.. وطلائع الخضرة التي بين أيديكم وأمام أعينكم، إذ تؤكّد زعمنا ذاك فإنها في الوقت ذاته تكذّب أخبار العقم التي يُروّجها سعاة الشؤم في مغاراتهم التي تجافيها شمس الشعر.. وهي إشاعات لم تكن أبدا بالمضاء اللازم لوصولها حادّة. بــــلاغ 2 لقد مُنِيت الغارة بقصائد طفيفة اعتبرناها ضمادات رؤوم من أصدقائنا إلى أنينهم الذي نسوه عند أرواحنا في الهزيع الأخير من الشعر. بــــلاغ 3 توصلنا أيضا بـ"قصائد" لم يُحالفها الشعر، ولقد ارتأى حِلمُنا تركها وحيدة إلى أن وافتها العزلة. بــــلاغ 4 ...أمّا الذين ولوا أدبارهم صبيحة اليوم-ي، فقد كنّا شديدي الرأفة إزاءهم: لقد أطلقنا ذلهم على بعد فراسخ من العطش الكبير تاركين مخيلاتهم الجرداء عرضة للسراب الزلال. بــــلاغ 5 بالنسبة "لأبناء العائلات" في المقاطعات الشعرية والضيعات المحروسة، حيث يرتع الورثة جيلا بعد جيل.. الذين يملكون من صفحات الجرائد ما يكفي لتدثير جحفل من الدببة القطبية والذين إذا ما سعلوا أو تثاءبوا أو تمخّطوا حتّى، فإنهم يختارون لفعلتهم تلك عنوانا لائقا بـ"قصيدة النثر" التي بدرت عنهم.. هؤلاء ننصحهم بعدم التورّط في غاراتنا رفقًا بهم من تعنيف آباء صارمين قد يتّهمونهم بمرافقة الأشرار وربما هدّدوهم بالحرمان من الميراث. بــــلاغ 6 الغارة الشعرية... إنها ليست سوى هذه الشتلات من القصائد نوزّعها بالقسطاس على أصص منذورة لها.. إنها هذا الجسر نعبره صوب أشباهٍ لنا في الضوء والأنين، فنجد أنفسنا هناك في انتظارنا منذ أول الخطو. هي إذن قصائد تنتقي قرّاءها تماما مثلما تنتقي عاشقةٌ وردةً أو فستانًا، وربما كانت تفرض أنفاسها عليهم. لكنها، يقينًا، تستجير بهم من زجاج المقاهي الذي كانت ستنتهي إلى تلميعه لو أنها عبرت إليهم عن طريق جريدة لا يحترمها حتى نادلٌ من الدرجة العاشرة.
نحن الذين نولد خارج اللغات، بعيون حزينة، وقلوب مصنوعة من رعشات العصافير، ما زلنا نهرّب الوردة من يد إلى يد، ومن شاعر إلى شاعر.) كلما قرأت شيئا كهذا، استرجعت الغارة وأحسست بأن الزّحف متواصلٌ وبأن المغيرين كثُرٌ.. وأسعد بهذا المهرجان الصغير - الذي لم يعد سرّيا تماما - أحضره دون أن أبرح مسكني بهذي البلاد الواطئة.. أربح قصائد جميلة رغم أن أصحابها لا يخسرون التصفيق أبدًا. وبدله يغنمون الوفير من اللايكات. منذ عشرين عامًا، ونحن نؤمن بأن شاعرًا مزهرًا واحدًا يكفي لانتصار الشعر على أعدائه القاحلين. هذا جاءت فكرة "خراطيش" الغارة الشعرية: (قطع قليلة نأخذها عشوائيا، من جيوب الشاعر المترامية تحت أضلاعه اليسرى تماما، لنقدّمها لأصدقائنا من صيارفة الشعر البارعين في امتحان معادنه). وكنّا نَعِدُ، أصالةً عنه ونيابةً عن كل البريق الذي يكنزه، بأن محتويات الجيوب تلك ستُطلَق عبر فوهات أوسع في زمن أكثر جدارة بالشعر. حينها كانت طفلة صغيرة في السادسة من العمر تختبئ تحت مائدة الطعام خوفا من العاصفة. ترسم على سقفها بقطعة طباشير. تتعب رغم أن في جعبتها الكثير. التهمت قطعة الطباشير المتبقية في يدها خوفا من أن تقع في يد شخص آخر قد تكتب له، في ما يشبه الوشاية، كلّ الكلام الذي أتعبها. أصيبت بتسمّم على إثر ذلك فأكّد الطبيب أنّها أكلت شيئا مؤذيا. لكنّها ظلّت مقتنعة بأن السبب يكمن في الكلام الذي لم تكتبه. ومنذ ذلك الحين، كان عليها أن تكتب درءًا للتسمّم. هذه الطفلة أضحت، اليوم، شابة في مقتبل الحلم تغطّي الشَّعْر بخمار حشيمٍ لتكشف عن شِعْرٍ فاتن. تسترجع مذاق الطباشير الأول وتعيث في القصائد جمالا. هذه الشابة اسمها سكينة حبيب الله. وتوشّي جدارها على الفيسبوك بهذه الكلمات: ("لا تحاولوا، بعد كلّ هذا لا حجّة لديكم" هكذا أتخيّل الله يقول، حين نناوله قلوبنا التي ربَّينا فيها الليل طوال العمر ونحن نحاول أن نبرّر حدوث ذلك. سيقول لنا، لا حجّة لديكم، أنتم بالذات في وضعٍ حرج، لقد كان بينكم شعراء ولم يتغيّر لون قلوبكم، إلى درجة أنني لم أضطرّكم إلى الذهاب إلى أيّ مكان أو رفع أي حجر كي تجدوا تحته قصائدهم التي كانت تنمو مثل زهرة في إسمنت. كنتم تفتحون حساباتكم على الفيسبوك، وأنتم لم تغسلوا بعدُ حتّى أوجهكم، فتجدون كلماتهم بيضاء، مثل قوارير الحليب، كأنها قضت الليل كله خلف أبوابكم تنتظر أن تفتحوا. لكن للأسف، كما ترون، لم تتغيّر ألوان قلوبكم.) لقد كانت "الخراطيش" إبرتنا في بوصلة خرقاء اختلطت عليها الجهات فما عادت تميّز شمال الشعر عن جنوب الهراء. وبعد عشرين عاما من الحابل والنابل. وبغير قليل من الدهشة والفرح، أعلن ما يلي: حين أطلقنا الغارة كانت صداقتُنا تهمةً فلم يصادقنا إلا من لم يكن في فمه ماء ولا في كرشه عجين. وحين طلّقناها إلى غير رجعة صار يُراودها عن زحفها كلّ عنّين. لذا فلن نأبه لمن يرفع - ساعة السلم - شريطًا ميّتًا على عصا ويغنّي مزهوًّا: "قتلنا الثعبان". هناك من يهلك عصبةً من الثعابين بمفرده دونما ادّعاء. ولا يهتمّ لجثث منتهي الصلاحية من الشعراء وهي تسقط تباعًا دونما اكتراث من أحد. بل أنا الآن سعيد لأن الغارة لم تطل أكثر من اللازم. ولم تتحوّل إلى داحس والغبراء. بمزاج كاميكاز مدرّب يمكنك اليوم إثارة الكثير من القلاقل لزعزعة الاستقرار في جمهورية الأدب. وسعيدٌ لأنّي أضع اليد، من إبحار إلى آخر، على تلك الرّوح الحيّة للشعر. روح الغارة التي تكتبُ بمخالب الضواري لا بأظلاف الدواجن. أيّها الشعراء الرائعون.. يا من يتمّ تناسيهم ساعة النداء بالأسماء في ساحة الشعر. أيتها السّهام السّديدة في كنانة المعنى.. لقد عمّت الغارة، فأبحروا خفافًا إلّا من درر كلماتكم ولا تضيّعوا البوصلة.. وكلّ عام وأنتم بشعر. *شاعر مغربي مقيم في بلجيكا
0 التعليقات: