دفاعا عن الفضيلة، ليس دفاعا عن بنكيران
الأحد 08 فبراير 2015 - 01:10
سابقة فريدة، سجلت في تاريخ السجال السياسي بالمغرب، فبعد أن ضاق الناس ذرعا بالمناكفات بين الفرقاء السياسيين وزعمائهم، وقرفوا من الفرجة على مشهد مناقرات الديكة، حل بالنقاش السياسي، والترويج الإعلامي، ما هو أشد بلاءأ، وأدهى مصابا. لقد غاص الخطاب السياسي في بركة موحلة، آسنة، بما يكشف عن بؤس الوعي الجمعي، وبما قد يكون له تداعيات كارثية على طريقة التفكير الجماعي، وعلى مستوى النضج الأدبي والأخلاقي في المشترك اللغوي للمجتمع المغربي. تحت قبة البرلمان، حيث تحتدم المجادلات السياسية، بما لا يعيب الأداء السياسي، على الأقل، في الحد الأدنى، إذ البرلمان هو الموقع الذي تستطيب فيه الطبقة السياسية لعبة الكلام السياسي، بما تجود به قرائحها من المنتجات الخطابية السياسية، حصل أن حمي وطيس النقاش، بالجلسة الشهرية، بين رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، وبين فرق المعارضة، وبالتحديد، فريق الأصالة والمعاصرة،إذ في معرض الحديث عن المبدإ الدستوري بالمناصفة، تطور الأمر إلى ثلاثية من اللمز واللمز المضاد، لما علق بنكيران على تدخل في هذا الصدد، بقوله: "إن الأصل التجاري لحزبكم فاسد"، تعريضا بحزب الأصالة والمعاصرة، فردت عليه رئيسة الفريق ميلودة حازب: "إن حزب الأصالة والمعاصرة كبير عليك"، فعقب عليها بنكيران: "ديالي اللي كبير عليك"، وهو يعني بذلك في سياق الحديث المفهوم، أن حزبه، حزب العدالة والتنمية أكبر منها، بالمنطق الذي يحلو لبنكيران أن يتباهى من خلاله بعظمة حزبه. إلى هذا الحد، كاد الأمر أن يكون عاديا، على الرغم من كونه جارحا، في طريقة انتصار كل طرف لحزبه تفاخرا به. لكن الأمر الخطير، هو انفلات الوعي الشقي من عقاله، بما يأتي على الأخضر واليابس، في تدمير القيم المشتركة، والأدب المشترك، والمروءة العامة، والحد الأدنى من الحياء الجمعي للمجتمع المغربي، بتحويل اللفظ الذي فاه به بنكيران، وقد كان لفظا سياسيا، مما اعتاد أن يخرج به على الملإ السياسي، إثارة، تحويله إلى كاريكاتير إباحي، يجسم كل التصورات المنحطة والسافلة والساقطة. هذا التجسيم الإباحي، الخادش للحياء الجمعي،لم يجر تداوله على الألسن، والتندر به، في الزوايا المظلمة، حيث اعتاد بعض سوقة القوم، أو بعض عليتهم، سواءأ بسواء، أن يتهامسوا به متحررين من قيود العفة اللسانية، طلبا للاستملاح والمزاح والتنكيت. لا بل إن الأدهى والأمر، أنه صار حديثا عاما مستعلنا، تخوض فيه الطبقة السياسية، في شقها المعارض، بحماس ملتهب، وتنتشي، وهي تحرف الكلام عن مواضعه، وتسقطه عن سياقه، وتسود به صفحات الاعلام بكل ألوانه، وكأنما ظفرت بصيد سياسي ثمين، تلقفته من فم رئيس حكومة المغرب، وراحت تجلد به ظهر حكومة المغرب، بتحامل فضائحي، بما يندي الجبين، ويحز في النفس، ويغص في القلب. هل انحط الفكر السياسي في البلاد، إلى الدرجة التي أصبحت معه، الحمولات اللغوية الواضحة المعنى والبيان، تنقلب إلى مجرد مضامين للإيحاء الجنسي والإباحي، وتحولت براعة التحليل السياسي، والاستقراء، والاستنباط، ودقة التأويل عند السياسيين المعارضين المغاربة إلى براعة في إلهاب الخيال الجنسي؟. وهل ضاق الوعي العام في المجتمع عن الاهتمام وحمل الهم تجاه ما يطمر البلاد من طمي المشاكل، والإكراهات، والأوضاع المتردية، بما يكون معه من مسؤولية سياسيينا المحنكين، أن يبادروا بالارتقاء بالخطاب والأدوات اللغوية المشتركة نحو جعلها مفاتيح لحل المشاكل الجاثمة والعالقة، وتفكيك الإشكاليات المستعصية، وتسخيرها أوعية تختزن الطروحات الجادة والهادفة، ووسيلة للنقد الشجاع والتقويم المقدام، لا وسيلة للتصور الماجن والسفيه، يسقط معه الفكر السياسي المعارض في التأويل البورنوغرافي للألفاظ والتعبيرات والوقائع والأحداث. ففي الوقت الذي كان الشعب المغربي ينتظر من الطبقة السياسية أن تنبغ في الوعي السياسي، فتبدع الفكر والخطاب الذي يفكك شفرة التاريخ والحاضر والمستقبل، بالقراءات الاستراتيجية، التي تنتج الحلول السياسية والفكرية من معين ثقافة النقد ومواقف المعارضة الجسورة، لتأطير الأجيال سياسيا، في مدرسة التمرين على النهوض بالبلاد، راحت هذه الطبقة السياسية تتفنن في التأويل البورنوغرافي للتعابير والألفاظ والمفردات، ناسية بهذه العبقرية الجديدة على وعي المغاربة، دورها في أن تكشف للمغاربة المآزق والمزالق التي تتخبط فيها السياسات الحكومية. الذين أنتجوا هذا الفن الجديد، في توعية الشعب، بما راحت به عقولهم تفكك شفرة التعبيرات والوقائع السياسية التي طفحت من الجدل السياسي تحت قبة البرلمان، وبالأدوات التفسيرية التي يستقونها من خيال حقل السفاهة ودلالاتها الخادشة للحياء والعفة، إنما يسهمون بوعي أو بغير وعي، في التعمية على المشاكل الحقيقية للبلاد، وفي تهميش تحسيس المواطن بالقضايا الجوهرية، وفي التغطية وحجب الصراعات المصيرية، حتى لا يطالها الوعي العام للشعب. وهم يقدمون لمدبري السياسات العمومية، حكومة أو غيرها، هدية ثمينة، بتحويل النقاش العمومي، عن مساره الطبيعي، الذي يحاصر المتنفذين السياسيين فيحول دونهم ودون الإفلات من النقد الحقيقي، والمحاسبة الحقيقية، والمعارضة السياسية الجادة، التي تنضح بالقيم الجادة للشعب المغربي التي ينهلها من إناء الأصالة والطهارة والحياء والاحتشام، وكل إناء ينضح بما فيه. عضو الأمانة العامة لحزب النهضة والفضيلة
0 التعليقات: