!!!أحذركم من الكارثة
الأحد 08 مارس 2015 - 22:29
عوض أن تكون مصدرا للمتعة والترفيه، وسبيلا للخروج من روتين الحياة، ووسيلة من وسائل التربية على حسن الأخلاق، أصبحت مباريات كرة القدم في المغرب، صداعا في رأس غالبية المغاربة، الذين صار يوم المقابلة عند بعضهم مرادفا للقلق والخوف على مصير أبنائهم وإخوانهم ممن يشكلون روابط المشجعين، بعد أن استشرى العنف في الملاعب وصار الموت يحلق بأجنحته الخبيثة فوق مدرجاتها، وعند بعضهم الآخر سببا للرعب والذعر من مرور هؤلاء المشجعين قرب أحياءهم ومحلاتهم التجارية، بعد أن أصبحت سلوكات من قبيل السرقة والتخريب والاعتداء مرتبطة بقوافل المشجعين أينما حلوا وارتحلوا. ويبدو أن مقتل (محمد نصيبي) البالغ من العمر 63 سنة، إثر اندلاع أحداث شغب بين مشجعي أولمبيك خريبكة ومشجعي الرجاء البيضاوي، عقب نهاية المباراة التي جمعت بين الفريقين برسم الدورة 22 من البطولة الوطنية، بمدينة خريبكة مساء يوم السبت 06 مارس 2015، لن يكون آخر فصول هذه المأساة الإنسانية التي صارت لصيقة برياضتنا، بسبب غياب استراتيجية واضحة وإرادة سياسية حاسمة من أجل وضع حد لهذه الممارسات التي أصبحت تهدد السلم الاجتماعي وتهدر حق الإنسان المقدس في الحياة. وكم كان منظر الراحل (محمد نصيبي) مؤثرا ومدميا للقلب، وشريط الفيديو الذي تناقلته مختلف المواقع الإلكترونية، يظهره وهو في أحضان زوجته يتقلب من شدة الألم في الشارع، بعد أن أصابه شهاب ناري مباشرة في صدره، الشيء الذي سبب له جرحا غائرا جعل الدماء تنهمر منه بغزارة كبيرة، ليفارق بعد ذلك الحياة، رغم نقله على وجه السرعة بواسطة سيارة الإسعاف إلى المستشفى الإقليمي مولاي الحسن بمدينة خريبكة. الراحل (محمد نصيبي) لم يكن من ضمن الجمهور الذي تابع المقابلة المشؤومة، بل هو حين إصابته كان قد وصل لتوه من مدينة أغادير حيث يقيم رفقة زوجته وطفلته الوحيدة، لزيارة والدته والاطمئنان عليها، ليجد نفسه حبيس سيارته وسط اختناق مروري وسط المدينة، سببته مواجهات بين أنصار أولمبيك خريبكة والرجاء البيضاوي بعد انتهاء المباراة، ليفاجأه شهاب ناري استقر في صدره، ووضع حدا لحياته، وذنبه الوحيد قطعه لمسافة 374 كلم من أجل زيارة والدته. مقتل (محمد نصيبي) سبقته الكثير من المآسي التي رافقت مباريات الكرة في مختلف مدن المغرب، ورغم ذلك فقد ظلت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم مكتوفة الأيدي تتفرج فيما يحدث وكأن الأمر لا يعنيها، وظلت معها الدولة، بمختلف وزاراتها وأجهزتها ومصالحها، تتابع توالي المآسي دون أن تتحرك لوضع حد لها، وهي التي منوط بها وفقا لأحكام الدستور والقانون حفظ الأمن وحماية أرواح الناس وممتلكاتهم. ما يقع في المغرب قبل المباريات وبعدها، سببه إهانة الأمن للجماهير عند دخولها لملاعب تفتقر إلى أبسط المرافق التي تحترم آدمية الإنسان، وسببه تلك الطريقة الحيوانية التي تنتقل بها الجماهير من مدينة إلى أخرى لتشجيع فرقها، هاربين في القطارات، أو مكدسين كالخراف في "السطافيطات" و"الهوندات" وسط تواطئ مريب من السلطات الأمنية التي تسمح بتلك الأنماط من السفر المخالفة للقانون، والمهينة لكرامة الإنسان. ما يقع في المغرب قبل المباريات وبعدها، سببه الأندية التي تخلت عن دورها في تأطير جماهيرها وأقفلت باب الحوار مع روابط مشجعيها، وسببه الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم التي فشلت في تنظيم احترافي للبطولة المغربية وعجزت عن إنزال العقوبات الرادعة في حق الأندية التي تنهج جماهيرها سبيل العنف والتخريب، وسببه الصحافة التي في بحثها عن الإثارة وتحقيق أكبر عدد من القراء، تنفخ النار في رماد التعصب بعناوين تنهل من قاموس الغضب والرعب والموت، وسببه الأحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدني التي عجزت عن القيام بأدوارها الدستورية في تأطير الشباب وتنشئتهم على حب الوطن واحترام مبادئ حقوق الإنسان. ما يقع في المغرب قبل المباريات وبعدها، سببه سياسات حكومية فاشلة في التعليم أنتجت لنا جيشا من الأميين والجاهلين والمتعصبين، وسببه سياسات أمنية متراخية تسببت في توفر الألعاب النارية في الأسواق وكأنها مجرد حلويات وفي انتشار الإدمان على مختلف أنواع المخدرات بين صفوف المراهقين، وسببه سياسات رياضية ريعية جعلت من الرياضة مجالا خصبا للفساد والاستبداد، عوض أن تكون مجالا للاستثمار وإنتاج القيمة المضافة. ما يقع في المغرب قبل المباريات وبعدها، سببه غياب الديمقراطية وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة، فيقال وزير رياضة فاسد وفاشل دون أن ينال العقاب الرادع الذي يستحق، ويبقى منصبه شاغرا لمدة وصلت الآن مدة أربعة أشهر، وكأن البلد عجز عن إنجاب وزير غيره. ما يقع في المغرب قبل المباريات وبعدها، مجرد أجراس إنذار تحذرنا من أن القادم سيكون أسوء إن ظلت الأوضاع على حالها، فالدم حين يسال يولد رغبة في الانتقام، فتصبح حينها روابط المشجعين مثل قبائل متصارعة، تبحث عن القصاص، وذلك ما حدث في مصر حين استفاق المصريون على كارثة في ملعب بورسعيد أودت بحياة 74 أهلاويا، وعلى كارثة أخرى في ملعب الدفاع الجوي أودت بحياة 22 زملكاويا. فاحذروا الكارثة!!!
* رئيس مركز الحريات والحقوق
0 التعليقات: