اخر المواضيع

لصوص التاريخ







لا يتوقف اللصوص في عرض مهاراتهم فقط في سرقة الأبناك الأكثر شهرة أو المنحوتات من أعرق المتاحف ولا سرقة أعظم الروايات وإنما تطورت اللصوصية وأصبحت تتعدى حدود الأموال التقليدية والعينية إلى سرقة أكبر وأعظم هي لصوصية التاريخ والسياسة.ولا أتحدث عن السياسة هنا باعتبارها" فن إدارة الممكن " كما يحلوا للبعض تعريفها ، لأن الممكن يجمع بين المتاح والغير المتاح والمشروط واللامشروط والمشروع واللامشروع ... واللائحة طويلة. بل أتحدث عن السياسة باعتبارها تعاقد بين طرفين من أجل تحقيق غاية نبيلة وواضحة وقابلة للتحقيق وهذا التعاقد يرتب مسؤولية ومحاسبة . عندما استفسرت في إحدى الندوات المجاهد بن سعيد أيت إيدر عن سبب اتهامه من طرف الزعيم الحركي المحجوب أحرضان بقتل القائد عباس المسعدي أجابني : لن أجيب عن هذا التساؤل وقد سبق للصحفيين أن سألوني ورفضت الإجابة.كان المفكر المهدي المنجرة دائما يقول " الآن هو المستقبل وليس غدا " وعندما تنغلق - الآن - الأبواب والنوافذ للدخول لمحكمة التاريخ و يتم رفض نفض الغبار الملوث عن مجموعة من الوقائع والأحداث والسكوت عنها أوتفكيك خيوطها وملابستها فكيف سنبني هذا المستقبل ؟ إن سكوت وصمت العديد من المناضلين "الشرفاء" عن البوح السياسي ، ورفضهم إخراج الناي السحري والنفخ فيه حتى نتمكن من معرفة ما بداخل الصندوق السحري من أسرار ومقايضات وصفقات سياسية وبيع وشراء وجرائم وقتل مع سبق الإصرار والتفنن، يفتح الباب على مصراعيه للصوص السياسة أن ينشدوا قصائدهم البطولية أمام الملأ و ينشروا صورهم الشخصية والعائلية مع الجلادين ويكتبون تاريخهم ومذكراتهم بأيديهم لينظفوا ماعلق بها من تشوهات ومصائب ارتكبوها في فترة معينة من حياتهم.إنهم يحاولون القيام بعملية تجميل من خلال كتابة تاريخ جديد بنوع من الغباء على مقاسهم الخاص.وما يلاحظ ،أن موضوع المذكرات خرج من دائرة الإستشراف إلى دائرة الغموض والالتباس وتصفية الحسابات مع الأموات والأحياء، وتزوير الأحداث، إنها وسيلة جديدة لاغتيال المنطق وقتل الحقيقة. وهنا لابد للباحث – المتخصص -والمؤرخ أن يتدخلا ليقوما بتصفية وغربلة كل ما علق بهذه المذكرات من تلفيقات وشوائب ومغالطات وإعادة الروح إليها بعد أن تحولت جثة محنطة.وهنا تعود للمذكرات رونقها ووهجها، وتقوم بوظيفتها الأساسية وهي قول الحقيقة في بعض الأحداث والشخصيات وإخراج بعض الحقائق من المجهول إلى المعلوم حتى لا تتكرر في المستقبل خاصة إذا كانت ذا طابع عقابي أو دموي أو نضالي انتقامي كما حدث مع العديد من المناضلين الشرفاء ،الذين تم رد مهم في حفر النسيان والامبالاة والتجاهل وتم تشويه صورتهم وتحويل جهدهم ونضالهم لفائدة أسماء أخرى كانت تتلقى التعلميات في الظلام واستفادت من كعكعة الريع والمناصب. وهنا تفعل المذكرات فعلتها،حينما ترفع الحيف عن هؤلاء المغبونين و تتحول إلى منبه وموجه للطريق المنشود وقد تحمل بعدا تربويا أو تأطيريا للتنشئة من الأجيال القادمة، وتخلق علاقة تصالح بين هذه الأجيال وتاريخ بلادهم و التعرف وتصحيح المسارات مع الشخصيات التي صنعت هذا التاريخ ليتسنى لها سهولة المحاكمة الرمزية للفاعلين السياسيين من (الخونة أو الشرفاء) بكل سهولة دون ظلم أو تمييز ورد الاعتبار للذين تم تجاهلهم بقصد أو بغير قصد.وتاريخنا السياسي يعج بهذا النوع من الرجالات الذين لم ينصفهم الوطن ولا الحزب. إن التعاقد الأخلاقي بين السياسي والمواطن يلزم الأول أن يدافع عن شرعية التاريخ ومشروعية الحدث وقوة الوثيقة التي تعتبر الحكم بين الجميع وعلى الطرف الثاني أي المواطن أن يطالب وبعناد كبير بالحقيقية ولا غير الحقيقة لأنها الترجمة الحقيقية على صناعة المستقبل.إن المغرب ومستقبله لايصنعه الجبناء وبائعي المذكرات المشبوهة ولصوص السياسة ، وإنما يصنعه التصالح مع التاريخ وقول الحقيقة للمغاربة أما سياسة دفن الوثائق وتزوير التاريخ وحرق الأرشيف وشراء قصائد المدح ومقالات التجميل، لايمكنها إزالة الندوب الموشومة في ذاكرة الشعوب، فهي تقوم فقط، بتعطيل بناء المستقبل. إنتبهوا التاريخ لايرحم. *كاتب وصحافي


0 التعليقات: