اخر المواضيع

نتائج الإحصاء مؤشر خطير على أزمة ثقة بين الدولة والشعب







يجمع كل الخبراء والمفكرين، أنه يستحيل بناء دولة على أسس متينة في ظل غياب الثقة الشعبية في مؤسساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقضائية والأمنية والعسكرية. هذه القاعدة البديهية تجد صداها في الدول المتقدمة والديمقراطيات العريقة، حيث نجد أن مراكز البحوث في تلك الدول، تخصص استطلاعات دورية لجس نبض الشعوب في مدى ثقتها في المؤسسات التي تشكل الأعمدة الأساسية لاستمرار الدولة ودوامها، حتى مع تغير النخب الحاكمة، في ظل مبدأ التداول السلمي على السلطة. أما في المغرب، فإن صناع القرار فيه لا يعيرون كبير اعتبار لثقة الناس في المؤسسات، حتى و إن كان ذلك يعني، عمليا، سرطانا خبيثا ينخر في بنيان الدولة، و يهدد كينونتها وسر وجودها واستمرارها.ورغم أنه ليست لدينا استطلاعات ودراسات، ذات مصداقية، تعطي بالنسب والأرقام حجم ثقة المغاربة في مؤسساتهم، فإن كل المؤشرات تقول أنها في الحضيض.ولعل خروج نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى بالمغرب، يوم الاثنين 16 مارس 2015، وإعلان أحمد الحليمي المندوب السامي للتخطيط أمام الملك، أن عدد سكان المغرب بلغ في شتنبر 2014 ما عدده 33 مليون و848 ألف و242 نسمة، هو أكبر مؤشر على انحدار ثقة المغاربة في مؤسسات الدولة إلى مستويات مقلقة، تستحق الوقوف عندها بكل اهتمام وتمعن. فمباشرة بعد انتشار الرقم وتداوله على نطاق واسع، حتى انفجرت شبكات التواصل الاجتماعي بآراء مشككة في الرقم ومؤكدة أن الرقم الحقيقي لعدد سكان المغرب أكبر من ذلك بكثير، حيث ذهب البعض إلى أن الدولة تخفي الرقم الحقيقي لأسباب أمنية بحتة مادام أن كل السياسات العمومية في المغرب محكومة أولا وأخيرا بالهاجس الأمني، في حين ذهب آخرون للقول أن المنهجية التي اعتمدتها المندوبية السامية للتخطيط من أجل إحصاء سكان المغرب منهجية غير علمية، وأن النتائج المترتبة عنها لا يمكن أن تكون أبدا نتائج صحيحة تعكس الواقع بالدقة المطلوبة، لدرجة أن الأمر صار بالنسبة لي مبعثا على السخرية في كثير من الأحيان، حيث اضطررت أن أجيب مازحا أحد المشككين في الرقم، لعلمي أن عمره قد شارف الخمسين دون أن يتزوج: "أترك أمر التشكيك لرجل متزوج بأربعة نساء وله من كل زوجة 5 أولاد". هذه الهوة الفاصلة بين المغاربة ومؤسساتهم، تترجم بطريقة عملية في كل مرة يكون فيها المغاربة على موعد مع الانتخابات، حيث تكون الغلبة دائما لحزب المقاطعين بنسب كبيرة لا تقبل أي تأويل أو تشكيك. ففي الانتخابات البرلمانية لسنة 2007 بلغ عدد المقاطعين 70 بالمائة، وفي الانتخابات البرلمانية لسنة 2011 بلغ عدد المقاطعين 55 بالمائة، هذا مع العلم أن نسبة المشاركة يتم حسابها انطلاقا من جداول المسجلين في اللوائح الانتخابية، أما لو تم حسابها انطلاقا من جداول الحاملين للبطائق الوطنية، والتي تضم كل المغاربة الذين لازالوا على قيد الحياة ويفوق عمرهم 18 سنة أي أنه يحق لهم التصويت، فحين ذلك سنكون أمام أرقام مخيفة لمغاربة، يعبرون في كل مرة بطريقة لا تدع أي مجال للشك، عن عدم ثقتهم في العملية الانتخابية وفي الانتقال الديمقراطي. وللأسف فان هذه الهوة تتسع كل يوم، مع التضييق على حرية التعبير من خلال المحاكمات الجائرة، ومع استمرار التحكم في القضاء عن بعد والإصرار على جعله قضاء غير مستقل، تعشش في ردهاته الرشوة وتتلاعب به لوبيات الفساد، ومع استمرار سياسة اللاعقاب وغياب المساءلة في وجه المتلاعبين بالقانون والمختلسين للأموال العامة، رغم وجود التقارير المدينة والأدلة الدامغة وشهود العيان، ومع استمرار نفس سياسات الفساد والاستبداد التي صنعت أزمة الثقة، مؤطرة ومتحكمة في صنع قرارات الدولة على جميع المستويات. إن هذه الثقة المفقودة بين المغاربة ومؤسساتهم، هي السبب وراء هجرة العقول نحو آفاق جديدة وامتناعهم عن تطوير البلاد من خلال علمهم وتحصيلهم. وهي السبب وراء تهريب الأغنياء لأموالهم نحو البنوك السويسرية وامتناعهم عن الاستثمار الحقيقي داخل وطنهم، واكتفائهم باقتصاد الريع والامتيازات. وهي السبب وراء امتناع جل المغاربة عن العمل بجد وإخلاص وشرف من أجل الرفع من مردوديتهم وإنتاجيتهم، حتى تخرج البلاد من دائرة الركود والتخلف.وهذه الثقة المفقودة بين المغاربة ومؤسساتهم، هي التي تمنح للجماعات الأصولية المتطرفة المناخ المناسب من أجل الانتشار والتوسع، واستقطاب العديد من الغاضبين والحانقين والتائهين... لدرجة صار معها المغرب من أكبر المزودين لتنظيم "داعش" بالمقاتلين. وإني لأتساءل كيف لنا أن نجعل المغاربة يثقون في مؤسساتهم، في ظل غياب الديمقراطية، وفي ظل رئيس حكومة وهو يحارب من أجل الاستمرار في منصبه، يتحالف مع الفساد من خلال سياسة "عفا الله عما سلف"، ويتحالف مع الاستبداد من خلال تخليه للملك عن كل السلط التي خولها له الدستور، لدرجة أن وصل الاستهتار ببنكيران إلى القول، في خرجته الإعلامية في إذاعة ميد راديو يوم الجمعة 13 مارس 2015، أنه يعمل برأي الملك في كل الأحوال وفي كل الظروف حتى لو كان مخالفا للشرع؟ بل كيف لنا أن نجعل المغاربة يثقون في مؤسساتهم، ورئيس حكومتهم نفسه يشكك في المؤسسات، حين أشار بنكيران في مهرجان خطابي بالدشيرة أقامته شبيبة حزب العدالة والتنمية يوم السبت 07 مارس 2015، أن وزير الدولة عبد الله باها قد يكون مات مقتولا، رغم أن النيابة العامة قد أكدت من خلال بلاغ أصدرته بتاريخ 08 دجنبر 2014، أن نتائج تحقيقاتها أكدت أن الأمر يتعلق بحادث لا يقف وراءه أحد، سوى قضاء الله وقدره؟ عندما اختار الشعب الأمريكي باراك أوباما في أول مرة رئيسا للولايات المتحدة، كان أول شيء يقوله للصحافة، أن همه سينصب بالدرجة الأولى نحو إعادة ثقة الأمريكيين المفقودة في البيت الأبيض وفي المؤسسات الفيدرالية، ليقينه أنه يستحيل الخروج من الأزمة في ظل انعدام ثقة الشعب الأمريكي في المؤسسات والتي وصلت في عهد بوش إلى أدنى مستوى في تاريخ (و.م.أ)، وهو الشيء الذي نجح فيه أوباما بامتياز وجعله يفوز بولاية رئاسية ثانية. فمتى سيفهم الماسكون بزمام الأمور في المغرب، أن كثرة الأوراش المفتوحة وضخامتها غير كافية لإحداث التغيير المنشود في البلاد، وللحفاظ على استقرارها، طالما أن هناك أزمة ثقة عميقة بين المغاربة ومؤسساتهم، وهي ذات أزمة الثقة التي كبرت وتضخمت حتى ابتلعت ذات "ربيع عربي" نظام بنعلي في تونس ونظام مبارك في مصر؟


0 التعليقات: