مشروع القانون الجنائي يوسع هوة الخلاف بين الرميد وحقوقيّين
الثلاثاء 21 أبريل 2015 - 12:15
لمْ تحْظَ مسوّدة مشروع القانون الجنائي التي أعدّتها وزارة العدل والحريّات بترحيبٍ كبيرٍ من طرف عددٍ من الحقوقيين ورجال القانون المشاركين في الندوة التي ترأسها وزير العدل والحريات لمناقشة مسوّدة المشروع، خاصة ما يتعلّق بعقوبة الإعدام، والعقوبات المتعلقة بالحقوق والحريات. "مسوّدة مخالفة للدستور" وانصبّت الانتقاداتُ بالخصوص على الموادّ المتعلقة بعقوبة الإعدام والحريات الشخصية، ففيما يتعلق بعقوبة الإعدام، قال رئيس الائتلاف المغربي من أجل إلغاء عقوبة الإعدام، عبد الرحيم الجامعي، إنّ مسوّدة مشروع القانون الجنائي مخالفة لنصّ الدستور في مادّته الـ20، التي تنصّ على أنّ الحقّ في الحياة هو أوّل الحقوق لكلّ إنسان. وقالَ الجامعي إنّ عقوبة الإعدام ليستْ "قرارا لفلان أو علان، بل هي نتاج تطورِ فكرٍ وفلسفة وثقافة وبُعد حضاري وإنساني وأخلاقي"، مضيفا أنّ دستور 2011 استجاب لهذه الرؤية، لكنّ مسودة مشروع القانون الجنائي أتتْ بعكس ما نصّ عليه الدستور، معتبرا أنّ أحكام عقوبة الإعدام لا يجب أن تكون للمغاربة وحدهم بل للبشرية جمعاء. وفي حين دافع وزير العدل والحريات مصطفى الرميد عمّا جاءت به مسوّدة مشروع القانون الجنائي بشان عقوبة الإعدام، وقال إنّه من ضمن 31 جريمة يعاقب عليها بالإعدام لم يتمّ الإبقاء على العقوبة سوى في 8 حالات فقط، ذهبَ الجامعي إلى القوْل إنّ عدد الحالات التي تمّ الإبقاء فيها على عقوبة الإعدام تصل إلى 14 حالة وليس ثمانَ حالات فقط. وأضاف النقيب الجامعي أنّ مسوّدة القانون الجنائي تتضمّن أكثر من 275 حالة يُعاقب عليها بالإعدام، ابتداء من المادة 163 إلى المادة 463، وتابع أنّ إعداد مسودة المشروع "حكمت فيه أبعاد إيديولوجية وأبعاد سياسة وعدم القدرة على تطوير الترسانة التشريعية وملاءمتها مع دستور 2011 ومع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب". وفي مقابل الدعوات التي رفعها عدد من الحقوقيين خلال ندوة مناقشة مشروع مسوّدة القانون الجنائي، لإلغاء عقوبة الإعدام، نادتْ أصواتٌ أخرى بالإبقاء عليها في الجرائم الخطرة، انسجاما مع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وإلغائها في الجرائم السياسية، وهوَ الرأي الذي ذهبَ إليه عبد العالي حامي الدين، رئيس منتدى الكرامة لحقوق الإنسان. غيْرَ أنّ المحامي محمد الحسني قروط، طالبَ بالإبقاء على عقوبة الإعدام في جميع الجرائم، وذهبَ أبْعدَ من ذلك إلى القول "إذا قتلَ أحد ابني ولم يُحكم عليه بالإعدام فسوف أعدمه بنفسي"، ويبدو أنّ عقوبة الإعدام في مسوّدة مشروع القانون الجنائي ستطالها تعديلات، إذا ترك وزير العدل الباب مواربا أمام تعديلها قائلا "نحن مستعدون لمناقشة بعض الجرائم التي يمكن أن نحذف منها العقوبة، كما أننا مستعدون لدراسة المطالبة الداعية إلى تطبيق عقوبة الإعدام في جرائم أخرى". زعزعة عقيدة مسلم واستأثرت العقوبات المتعلقة بالحريات الفردية بنصيب كبير من النقاش خلال ندوة مناقشة مشروع مسودة القانون الجنائي، خاصة العقوبات المتعلقة بزعزعة عقيدة مسلم، وزعزعة ولاء المواطنين للدولة، وقال النقيب عبد الرحمان بنعمرو، إنّ الجرائم المتعلقة بالسب والقذف والاستهزاء أو الإساءة إلى الله أو الأديان يجبُ أن تدقّق، وأبْدى تخوّفه من أن يصير مجرّد نقاش حول المسائل التي لها علاقة بالدين موجبا للعقوبة، وقال بنعمرو "المسلم الذي تتزعزع عقيدته هذا ليس بمسلم". في السياق نفسه قالت المحامية خديجة الروكاني إنّ مسوّدة مشروع القانون الجنائي "فيها مغالطات" فيما يتعلق بالجنايات والجنح الماسة بحقوق الأشخاص وحرياتهم، وأشارت إلى مسألة الإفطار العلني في رمضان متسائلة "أي شخص نحمي حقوقه، هل نحمي حقوق الذي يصوم ويرى أن دينا معينا هو دينه، هذا ليس عيبا، ولكن من هو الأولى بحماية حقوقه وحرياته؟". أمّا وزير العدل والحريات فقدْ كانَ صارما وحاسما في مسألة الإفطار العلني في رمضان بدون عذر شرعي، والعلاقات الجنسية غير الشرعية، وهاجمَ المطالبين برفْع التجريم عنهما متهما إياهم بأنهم "لا يدافعون عن حرية مشروعة ومعقولة ومقبولة في المجتمع المغربيّ"، موضحا أنّ تجريم الإفطار العلني في رمضان بدون عذر شرعي كانتْ قائمة في القانون الجنائي الحالي "ولسنا نحن من أتى بها". وأضاف "لقدْ أخذنا بالنظام العام الأخلاقي، ذلك أن القوانين تستمد مادتها من ضمير المجتمع، الذي يرفض ما يطالب به بعض الناس في إطار مقاربات لا تمت إلى مجتمعنا بصلة"، وفي المنحى نفسه سارَ رأي عبد العالي حامي الدّين، الذي دعا إلى الإبقاء على تجريم الإفطار العلني في رمضان، قائلا إنّ المجاهرة بالإفطار فيه "مسّ بالاستقرار والأمن نحن في غنى عنه". وبخصوص موضوع الإجهاض، الذي أثار نقاشات واسعة خلال الأسابيع الماضية، رفض وزير العدل والحريات إعطاء أيّ تفاصيل عن المقترحات التي رفعتْها الوزارة إلى الديوان الملكي، في حين أنّ المجلس الوطني لحقوق الإنسان لم يبلور بعد رأيه بشأن هذا الموضوع، وردّا على سؤال لهسبريس حول هذا الموضوع اكتفى وزير العدل بالقول "نحن التزمنا بالأجل الذي التزمنا به والمحدد في شهر لرفع مقترحاتنا، هذا كل ما أستطيع أن أقوله لكم". مخاوفُ من محاصرة العمل الجمعوي الحقوقي وأثارت العقوبات المتعلقة بزعزعة ولاء المواطنين للدولة المغربية انتقادات واسعة من طرف الحقوقيين، "لماذا الولاء للدولة"، تتساءل المحامية خديجة الروكاني، قبْل أن تضيف "يُمكن القول بالولاء للمجتمع، ولكنّ الولاء للدولة معناه الولاء للنظام السياسي، ومعنى ذلك أنّ على المعارضة أن تهيئ نفسها لدخول السجون، ونحن نقول إنّ الولاء يتعين أن يكون للوطن وليس للدولة لأنّ الدولة تحيل على النظام السياسي، ومن حقنا أن نختلف معه ويضمن لنا القانون الجنائي الصراع". وردّ وزير العدل والحريات على الروكاني بالقول إنّ المادة 106 المتعلقة بزعزعة ولاء المواطنين للدولة المغربية، كانت قائمة في القانون الجنائي منذ سنة 1962، وفي حين أكّد أنّ المادّة ستكون محلّ نقاش، أشار إلى أنّ النص ليس مجردا، وأوضح "زعزعة ولاء المواطنين للدولة المغربية مشترطة بمن تسلم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من شخص أو جماعة أجنبية هبات أو هدايا مستخدمة في تمويل نشاط من شأنه المساس بالوحدة التربية للمملكة أو استقلالها أو سيادتها". غيْرَ أنّ النقيب عبد الرحيم الجامعي يرى أنّ عقوبة زعزعة ولاء المواطنين للدولة يُمكن استغلالها لمحاصرة عمل الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، قائلا "تنصيص مسوّدة مشروع القانون الجنائي على أن المشاريع التي يمكن أن تمس بالوحدة الترابية وأن تقلل من ولاء المواطن للدولة ولمؤسسات الشعب، فهذه أمور فيها تغليط قانوني، من أجل إعطاء فرص لمحاصرة العمل الجمعوي والدعم الذي تتلقاه الجمعيات بشكل شفاف".
0 التعليقات: